(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد 24

تعد جدلية النقل والعقل وتقديم أحدهما على الآخر من أكثر الجدليات التي انتشرت في مرحلة زمنية معينة في التاريخ الإسلامي ويتم استدعائها كلما استجد أمر جديد (عقلي أو علمي أو غيبي) بين فترة وأخرى، وخاصة عندما تكون الأمة في مرحلة الصراع الفكري العقائدي مع الآخر وعلى الأغلب تكون (غير) منتجة لذلك (المنتج )العلمي أو العقلي الجديد، لذا تلجأ إلى هذه الجدلية كجزء من الحلول التي تواجه بها “أزمتها الفكرية” وفي الحقيقة هو هروب من إيجاد حلول واضحة، وعدم مقدرة للاستجابة للمعطيات العصرية الجديدة .

وعند التأمل والتعمق في هذه الجدلية نجدها أنها جدلية غير دقيقة وقضية غير كاملة لذا فهي لا تعطي نتيجة صحيحة، وذلك لابتنائها على أسس غير صحيحة في الأصل.. كيف ذلك؟؟

والجواب عن ذلك يكون في العودة إلى جزئيات هذه الجدلية وهما (النقل “الوحي الإلهي” والعقل) حيث جاءنا الوحي الإلهي (القرآن والسنة) عن طريق التواتر والسند الصحيح، هذا من جانب ومن جانب آخر طالبنا القرآن الكريم وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكون إيماننا بأركان العقائد وأصولها بدليل عقلي وعاب علينا أتباع الآباء والأجداد في الاعتقاد بغير دليل يقنع العقل ويطمئن القلب.. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) المائدة 104، (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) الزخرف 22 ، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) البقرة 170…

وغيرها كثير من الآيات التي تطالب الإنسان المسلم بإعمال العقل ليطمئن القلب ويسلم الإنسان نفسه لمراد الله، ويكيف نمط حياته وفقا للنموذج الذي يريده الله منه ليحقق وظيفته التي أريد له القيام بها (العبادة/ الاستخلاف) ومن هنا نجد أن معجزة (القرآن) هي المعجزة الوحيدة التي لم (تعجز العقل) بل يكن إجهازه في تحريكه للعقل ومطالبته بالتفكر والتعقل والعمل في اختصاصه لإثبات أصول العقائد (الله “وجودا وتوحيدا” الرسول نبوة ورسالة, القرآن “وحيا من عند الله”) ثم بعد أن يثبت ذلك يسلم العقل لكل ما يخبره به النقل المتواتر أو الصحيح على اعتبار الأصل الثابت لهذه المسلمات- كما أن هذه المعجزة (القرآن) والسنة المبينة له قد شكلت (الوحي الإلهي) الذي تضمن أمورا غيبية هي ليست مجال اختصاص العقل فأعطته الإجابات عن ذلك (الله وصفاته وذاته واليوم الآخر)

كما تضمن مقاصد كلية وشرائع بعضها تفصيلي والآخر عام، وطالبت من الإنسان أن يعمل عقله في (الوحي الإلهي) -وهو عبارة عن نصوص متجردة عن الزمان والمكان- بأن يتحرك في هذه النصوص ومن خلالها لإيجاد حلولا لمشاكله المستجدة ولبناء نظام يساهم في تحسين نوعية حياة البشرية كي يتسنى لها القيام بحقيقة (العبودية لله) والقيام من خلال ذلك بوظيفة (الاستخلاف) ويحقق مقاصد الوحي (التوحيد/ العمران/ العدل/ التنمية/ الحرية/ التزكية…) ومن هنا نجد أن جدلية النقل والعقل تقديما، وأخيرا هي جدلية غير صحيحة لأنه (لا إثبات لنص بدون عقل كما أنه لا قاعدة سليمة يتحرك من خلالها العقل بدون النص).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد