إن الله يغفر لنا أخطائنا، لكن جهازنا العصبي لا يغفرها لنا أبدًا

كثيرًا ما يحتلني إحساس بالعدمية، باللاشيء، بأني جثة حيّة، وأن نهايتي إلى جثة متحللة، وفي الحالتين وجودي لن يزيد في وزن الوجود ولن ينقصه، وفي أيام مغايرة، يعتليني فجأة طموح الملوك، ونشاط المفاعلات النووية، ثم بعدها ينقلب كل شيء إلى طبيعي، وهذا ما دفعني للقول ذات مرّة: هي أيام سبعة، تستحم وترتدي الضجر، لذلك كل مستقبل قديم.

وأنا أعلم بأني لست الوحيد ضمن تلك المشاعر والأفكار، وأتفق في ذلك مع كلام الدكتور مصطفى حجازي حين قال: «اضطراب منهجية التفكير، وسوء التنظيم الذهني للواقع في ظل العشوائية والفوضى والتخبط، يفرز محاولات شبه عمياء للسيطرة على المصير؛ فتكون النتيجة مزيدًا من الغموض والحيرة».

الحيرة على المستوى الروحي أمر جيد، طالما كان الأنبياء محتارين قبل الوحي، يبحثون عن مصدر الحقيقة، وهذا تجلى في كلام ابن عربي حين قال: «الهدى أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة، فيعلم أن الأمر حيرة والحيرة قلق وحركة». لكن الحيرة على مستوى الدماغ والتفكير والخلايا العصبية أمر مغاير، حيرتنا تدفعنا إلى المزيد من التفكير والتحليل، والتنبؤ بالمستقبل على الأقل الشخصي، وهنا يكون كلام وليم جيمس النفسي حاضراً: «إن الله يغفر لنا أخطاءنا، لكن جهازنا العصبي لا يغفرها لنا أبدًا»؛ لذلك يخلق شعور الغموض والحيرة الفكرية بداخلنا شخصًا أخر يعيش فينا ويتغذى علينا، وكأنه يأكلنا ويشربنا من الداخل.

عمومًا، بعد هذه الدراما أريد القول بأن العقل هو الشيء الوحيد الذي يعبر عنّا؛ لأنه الذي يرسم لنا تصوراتنا الذهنية عن كل شيء، حياة، أشخاص، أفكار، أشياء، مشاعر، لا شيء يجعل الحياة حقيقية مثل العقلانية، لا شيء يستطيع أن يجسّد لك الأمور من حولك كما هي، أو على أقل تقدير كما هي في الواقع إلا العقل، مهما كان الأمر غريبًا بالنسبة لك فإنّ وجوده في الواقع هو دليل قوي على مصداقيته وجهالتك به، وغضّ الطرف عنه، دليل على قلة حيلتك.

عقلنة الأمور شيء متعب؛ لأن الحقيقة لا تجامل أحدًا، وهي غير ملونة وبعيدة عن المشاعر الرومانسية، الحقيقة صلبة كالصوان، وصعبة ومجزأة وبحاجة للكثير من الجهد، لكن من الأفضل لك أن تعرف حقيقة الأشياء من أن تكون في دائرة التمني السحري والغيبي للتعامل مع ذات الأشياء، في الحالة الأولى ستكتسب المزيد من الصلابة في التعامل مع الواقع، وفي الحالة الثانية ستكتسب مزيدًا من رمسنة الواقع الذي تريده أنت، وليس الذي تعيش فيه في الحقيقة.

أحد الأمور التي تنقصنا كأجيال شابة تكافح في سبيل التغيير، هي منهجية التفكير الواقعية، ومنهجية التفكير التي لا تجامل، ولا تجعلنا نختبئ في كثير من الأحيان خلف إصبعنا، استراتجيتنا تجاه الحياة هي استراتيجيات تقليدية مبنية على تراث ورثناه من أنظمة التعليم التلقينية التي اندمجنا فيها وخرجنا منها نسخًا فكرية متطابقة إلى حد ما.

لذلك أعتقد أن مهمتنا تبدأ في طرح الأسئلة، فأي قناعة تنشأ بعيدًا عن (كيف، لماذا، متى) هي قناعة تقليدية هشة وبالطبع لاعقلانية، ولا يوجد سؤال مهم وسؤال غير مهم، ولا يوجد أيضًا موضوع ممنوع استخدام أدوات الاستفهام فيه، مهما كان تافهًا ومهما كان مقدسًا.

وأنا لا أقصد الحقائق الوجودية المتعلقة بسبب الخلق، وسبب الوجود، وكنه الأشياء، والتي اختصرها كلام الدكتور مصطفى محمود حين قال: «الحقيقة لا تدركها إلا عين تربو على الزمن كله»، إنما أقصد الحقائق المتعلقة بأسباب تخلفنا وضعفنا وابتعادنا عن التعامل مع الأشياء، وعدم فهمنا العميق لمشاكل مجتمعاتنا وبلادنا، وحتى مشاكلنا الشخصية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد