الإنسان في القرآن الكريم عقل يدرك، وقلب يحب وجسم يتحرك، نعم كان هذا هو عنوان المقال السابق، الذي حاولنا من خلاله وضع الإنسان المسلم بصفة خاصة، وغير المسلم بصفة عامة، وجهًا لوجه أمام التوجيه الرباني، العنوان مركب من ثلاثة محاور رئيسية، لكننا بإذن الله تعالى وتوفيق منه سبحانه وحده لا شريك له، سوف نتكلم بالتفصيل في هذا المقال عن المحور الأول، ألا وهو العقل في القرآن الكريم.

لقد سبق وأَشَرْنَا إلى أن لفظ العقل ذكر في 59 موضعًا، وكلها جاءت بصيغة الفعل، معظمها بصيغة المضارع، ففعل تعقلون تكرر 24 مرة، وفعل يعقلون تكرر 22 مرة، وفعل عقل ونعقل ويعقل جاء كل واحد منهما مرة واحدة، إلّا أن معنى العقل لم يكن محصورًا على لفظه الذي هو مادة عَقْل وتَصْرِيفَاته وإنما ورد بألفاظ أخرى وهي مرادفة للعقل ومنها:

اللُّب: وقد ورد 24 مرة في كتاب الله، ومنه قوله سبحانه وتعالى {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] صدق الله العظيم.

الحِجْرْ: وقد ورد مرة واحدة في سورة الفجر في قوله تعالى {هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} [الفجر: 5] صدق الله العظيم.

الفُؤَادْ: وقد ورد تسع مرات في القرآن الكريم كقوله تعالى {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23] صدق الله العظيم.

النُّهَى: وقد ورد مرة واحدة في سورة طه في قوله تعالى {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ} [طه: 54] صدق الله العظيم والنهى هي جمع نُهْيا وهو العقل الذي ينهى صاحبه عن العمل القبيح.

الحِلْمْ: وقد ورد مرتين في سورة النور في قول الله عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 59] صدق الله العظيم.

فالفكر الإسلامي يؤمن بأن علة وجود الإنسان هي عبادة الخالق سبحانه وتعالى، والعبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، إذن مهمتنا أن نعبده، وما أمرنا أن نعبد عز جلاله إلا بعد أن أعطانا مقوماتها، أول مقوم هو هذا الكون الذي ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، أما المقوم الثاني فهو العقل المنوط بالتكليف، كما لا نَنْسَى أن الإنسان فُطِر فِطرة سليمة مطابقة لمنهج الله تعالى، فالملكة الإدراكية مقياس علمي، والفطرة مقياس نفسي والكون دليل حسي، إذن الحقيقة الدقيقة أنه لا يوجد دين من الأديان فوق الأرض منذ أن خلق الله آدم عليه السلام، كدين الإسلام، ولا كتاب من الكتب السماوية وغير السماوية كالقرآن الكريم، اهْتمَّ بالعقل ودعا إلى تَفعيلِه، كما أكَّد في كثير مِن آياته على العمل بِأَعْمَالِ العقل، كالتفكير، التدبر، الاعتبار، النظر، الفقه والعلم وتَفْعيلِه.

قال الله تعالى في سوة النمل الآية 64: {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} صدق الله العظيم، ومعنى هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى سألهم من الذي ينشئ الخلق ثم يفنيه إذا شاء، ثم يعيده، ومَن الذي يرزقكم من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات الزرع وغيره؟ أمعبود سوى اللّه يفعل ذلك؟ قل: هاتوا حجتكم إن كنتم صادقين في زعمكم أن لله تعالى شريكًا في ملكه وعبادته.

ثم قوله تعالى في سورة البقرة الآية 111: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} صدق الله العظيم، ومعنى الآية الكريمة أَنَّ كلًّا من اليهود والنصارى ادَّعى أن الجنة خاصة بطائفته لا يدخلها غيرهم، فبين الله عز وجل لنبي الرحمة أن تلك أوهامهم الفاسدة. قل لهم – أيها الرسول -: أحضروا دليلكم على صحة ما تدَّعون إن كنتم صادقين في دعواكم.

وكذلك قول المولى عز وجل في نفس سورة البقرة الآية 164، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} صدق الله العظيم، ومعنى الآية الكريمة، إن في خلق السماوات بارتفاعها واتساعها، والأرض بجبالها وسهولها وبحارها، وفي اختلاف الليل والنهار من الطول والقصر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يخلف كل منهما الآخر، وفي السفن الجارية في البحار، التي تحمل ما ينفع الناس، وما أنزل اللّه من السماء من ماء المطر، فأحيا به الأرض، فصارت مخضرَّة ذات بهجة بعد أن كانت يابسة لا نبات فيها، وما نشره اللّه فيها من كل ما دبَّ على وجه الأرض، وما أنعم به عليكم من تقليب الرياح وتوجيهها، والسحاب المسيَّر بين السماء والأرض – إن في كل الدلائل السابقة لآياتٍ على وحدانية اللّه، وجليل نعمه، لقوم يعقلون مواضع الحجج، ويفهمون أدلته سبحانه على وحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة.

ثم قوله تعالى في نفس سورة البقرة الآية 44، {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} صدق الله العظيم، ومعنى الآية الكريمة هو ما أقبح حالَكم وحالَ علمائكم حين تأمرون الناس بعمل الخيرات، وتتركون أنفسكم، فلا تأمرونها بالخير العظيم، وهو الإسلام، وأنتم تقرؤون التوراة، التي فيها صفات محمد صلى اللّه عليه وسلم، ووجوب الإيمان به! أفلا تستعملون عقولكم استعمالًا صحيحًا؟

وفي قوله عز وجل كذلك في سورة البقرة الآية 73، {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} صدق الله العظيم، ومعنى الآية الكريمة عبارة عن توجيه من العلي الحكيم لسيدنا موسى، أن اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة المذبوحة، فإن اللّه سيبعثه حيًا، ويخبركم عن قاتله. فضربوه ببعضها فأحياه اللّه وأخبر بقاتله. كذلك يُحيي اللّه الموتى يوم القيامة، ويريكم – يا بني إسرائيل – معجزاته الدالة على كمال قدرته تعالى؛ لكي تتفكروا بعقولكم، فتمتنعوا عن معاصيه.

بعد ذلك ينتقل رب العرش العظيم إلى سورة آل عمران الآية 118، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} صدق الله العظيم، ومعنى الآية الكريمة يا أيها الذين صدَّقوا اللّه ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، تُطْلعونهم على أسراركم، فهؤلاء لا يَفْتُرون عن إفساد حالكم، وهم يفرحون بما يصيبكم من ضرر ومكروه، وقد ظهرت شدة البغض في كلامهم، وما تخفي صدورهم من العداوة لكم أكبر وأعظم. قد بيَّنَّا لكم البراهين والحجج، لتتعظوا وتحذروا، إن كنتم تعقلون عن اللّه مواعظه وأمره ونهيه.

ثم بعد ذلك ينتقل بنا القرآن الكريم إلى الآية 50 العظيمة من سورة الأنعام {قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} صدق الله العظيم، ومعنى هذه الآية الكريمة قل – أيها الرسول – لهؤلاء المشركين: إني لا أدَّعي أني أملك خزائن السموات والأرض، فأتصرف فيها، ولا أدَّعي أني أعلم الغيب، ولا أدَّعي أني ملك، وإنما أنا رسول من عند اللّه، أتبع ما يوحى إليَّ، وأبلِّغ وحيه إلى الناس، قل – أيها الرسول – لهؤلاء المشركين: هل يستوي الكافر الذي عَمِي عن آيات اللّه تعالى فلم يؤمن بها والمؤمن الذي أبصر آيات اللّه فآمن بها؟ أفلا تتفكرون في آيات اللّه؛ لتبصروا الحق فتؤمنوا به؟

وفي سورة الأعراف الآية 176 يقول الله سبحانه وتعالى {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} صدق الله العظيم، ومعنى هذه الآية الكريمة شديد تقشعر له الأبدان، وهو: ولو شئنا أن نرفع قدره بما آتيناه من الآيات لفعلنا، ولكنه رَكَنَ إلى الدنيا واتبع هواه، وآثر لَذَّاته وشهواته على الآخرة، وامتنع عن طاعة اللّه وخالف أمره. فَمَثَلُ هذا الرجل مثل الكلب، إن تطرده أو تتركه يُخْرج لسانه في الحالين لاهثًا، فكذلك الذي انسلخ من آيات اللّه يظل على كفره إن اجتهدْتَ في دعوتك له أو أهملته، هذا الوصف – أيها الرسول – وصف هؤلاء القوم الذين كانوا ضالين قبل أن تأتيهم بالهدى والرسالة، فاقصص – أيها الرسول – أخبار الأمم الماضية، ففي إخبارك بذلك أعظم معجزة، لعل قومك يتدبرون فيما جئتهم به فيؤمنون لك.

ثم في سورة يونس الآية 24 يقول المولى عز وجل {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} صدق الله العظيم، ومعنى هذه الآية العظيمة إنما مثل الحياة الدنيا وما تتفاخرون به فيها من زينة وأموال، كمثل مطر أنزلناه من السماء إلى الأرض، فنبتت به أنواع من النبات مختلط بعضها ببعض مما يقتات به الناس من الثمار، وما تأكله الحيوانات من النبات، حتى إذا ظهر حُسْنُ هذه الأرض وبهاؤها، وظن أهل هذه الأرض أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها، جاءها أمرنا وقضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات، والزينة إما ليلًا وإما نهارًا، فجعلنا هذه النباتات والأشجار محصودة مقطوعة لا شيء فيها، كأن لم تكن تلك الزروع والنباتات قائمة قبل ذلك على وجه الأرض، فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهَون به من دنياكم وزخارفها فيفنيها اللّه ويهلكها. وكما بيَّنا لكم – أيها الناس – مَثَلَ هذه الدنيا وعرَّفناكم بحقيقتها، نبيِّن حججنا وأدلتنا لقوم يتفكرون في آيات اللّه، ويتدبرون ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.

من خلال ما سبق نستخلص الاهتمام الكبير بالأمثال العقلية في القرآن الكريم، وكذلك الأمثال المرتبطة بالعقل، كما أن هذه الأمثال هي أوسع المجالات التي تَتَضَمَّن الأدِلَّة العقلية على توحيد الله سبحانه وتعالى، والمثل مَأخود من المثال وهو النموذج الذي يقاس عليه لوجود المماثلة والمشابهة بين الأصل والفرع، وضرب المثل تقديره وصِياغته وهو القياس، فالمثل والقياس كلاهما تقدير للشيء بالشيء، وقد ذكر أهل العلم أن الأمثال العقلية في القرآن نوعان، الأمثال المُعَيَّنَة التي يُقاس فيها الفرع بأصل معين، فهذه يكون فيها أصل نقِيس عليه وفرع مَقيس، ويشترط فيها أن يكون هناك رابط بين الأصل والفرع، كما يُشترط أن يكون هذا الرابط هو عِلَّة الحكم أو دليل هذه العلة وليس مطلق الشَّبه، ثم هناك النوع الثاني من الأمثال وهي الأمثال الكُلِّيَّة، هذه الأمثال قد لا تأتي بصيغة ضرب المثل المعهود التي يكون فيها النص على ضرب المثل، وإنما يأتي معنى كُلِّي وشمولي تندرج فيه كثير من الأفراد، وهذا النوع سنأتي منه بأمثلة كثيرة عند الحديث التفصيلي عن الأدلة العقلية في القرآن الكريم على أصول الاعتقاد، إن شاء الله تبارك وتعالى، إن أطال لنا في العمر.

الدين الإسلامي دين علمي، شامل، كامل، دقيق وقابل للحياة، بل هو من يمد الحياة بالحياة، لأنه يستطيع التكيف والتأقلم والحياة في كل زمان ومكان، فبالإضافة إلى القرآن الكريم الذي هو كلام الله ورسالته إلى العالمين، نجد السنة النبوية الشريفة والتي تجمع حديث رسول الله وواقعه وسلوكه ومواقفه الذي كان صلوات ربي وسلامه عليه قرآنًا يمشي على الأرض، بمعنى أدق، الذي يشد الناس حقيقة يؤيدها الواقع.

يمكننا القول إن الحق دائري، لا بد أن تتقاطع فيه أربعة خطوط: خط النقد الصحيح وهو الكتاب والسنة، وخط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، معناه أن الواقع والفطرة والنقل والعقل إذا تضافرت كونت الحق، لأن النقل كلام الله قرآنًا وبيان النبي لهذا القرآن حديثًا والعقل مقياس أودعه الله فينا والفطرة جبلة جبلنا عليها من صنع الله أيضًا، والواقع خلقه فلابد أن يتوافق خلقه مع جبلته مع مقياسه مع كلامه، لذلك أكبر مهمة للأنبياء الأسوة، قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} سورة الأحزاب الآية 20.

جاء الإسلام معلنًا حرية التفكير محررًا العقول من الأوهام والخرافات والتقاليد داعيًا إلى نبذ كل ما لا يقبله العقل، كما كانت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم خير ما يحتذي به المسلمون في التعددية الفكرية والتي كانت قائمة على أُسُس عقلية محضة وواقعية، بمعنى أدق يكون القرآن الكريم قد حطم كل هذه الاتهامات المُغْرِضَة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك لأنه أسقط الفكر الظلامي الذي شُيِّد على تغييب العقل، وأنهاه إلى الأبد، بمجرد سقوط ما شيد لأن الواقع هو الذي أنهاه، لذلك فإن الواقع هو الأصل، والعلم وصف مطابق للواقع مع الدليل، فأية حقيقة لم يؤكدها الواقع لا قيمة لها تعد جهلًا، فالعلاقة بين شيئين مقطوع بها يؤكدها الواقع وعليها دليل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد