كوبٌ شفافٌ، فارغٌ، أو ربما هو كذلك، اعتاد الناس على رؤيته وعلى كونه فارغًا.

حتى جاءَ رجلٌ أُميٌّ، أمين، وعُرف بالصدق، وقال «هذا الكوب مُمتلئ عن آخره» فلم يعبأ به الناس، بل سخر منه الكثيرون. لم ييأس، وحاول مرارًا «ماذا لو كان الكوب مصنوعًا من زجاج عاكس، لذا لا تستطيعون رؤية ما بداخله…» أبدى العديد من الحجج، وصدّقَه البعض، وأخذوا في مساعدته لنشر أفكاره وسط أجواء مُعادية. إلى أن انتشرت أفكاره وعمَّتِ الأرجاء.

ربما لم يكن هذا مثالًا دقيقًا، ربما هو لا يصلح للقياس، لكنه مجرد تشبيه، للمبعوث بالدين الإسلامي وأفكاره، مُحمد ﷺ. فهذا هو رد الفعل الدائم للعقل البشري تجاه أي جديد، فبعد الصدمة بأشياء جديدة، يستطيع القليلون تقَبُّل الحقيقة والتعامل معها والأخذ بها، أما الأكثرون فيتمادون في النُكران.

لكن ما يحدث الآن في العالم من حولنا أكبر كثيرًا من مجرد جدالٍ حول كوب. أقرب مثال لتعقُد العالم وتطوره واتساعه هي تلك الآلات التي تنطق وتتحكم وتحلل الأفكار وتتصرف مثل: «الروبوت صوفيا». فما الذي يجعل الإنسان يؤمن بعظمة الخَلق والخالق، في حين أن الكثير والكثير من العجائب يتم صنعها بأيدي أقرانه في هذه الأيام؟

إن التمسُك بالدين في الأيام الحالية، لَهُوَ أصعبُ كثيرًا من ذي قبل، تمامًا كالقبض على الجمر، في كُل يوم تُقابل الجديد من التحديات والصراعات والأسئلة والقضايا التي تجعلك في مهب الريح؛ لذا فإنه من الملحوظ أيضًا أن ظاهرة الالحاد آخذةٌ في الانتشار بشكل سريع وكبير عن أي وقت سابق!

ولم تعد حُجج الالحاد والمُلحدين -غير المُصدقين- تقتصرُ على الأسئلة والتابوهات المعهودة، بل اتسع نطاق الأسئلة والشكوك، وانضمت قضية -قديمة المنشأ- حديثة الصوغ، لكنها هامة جدًا للائحة الأسئلة الأهم لدى التفكير الإلحادي ومُريديه وهي (هل يسبق العقل النقل؟) والنقل هو القرآن المنقول إلينا على لسان الرسول عن طريق الوحي، لكن هذا هو مجرد منشأ القضية، أما السؤال نفسه الآن تطور إلى (هل يسبق العقل العلم كُله -سواء المنقول عن طريق القرآن أو غيره-، وهل يسبق العقل الطبيعة، وهل إن افتُرِض وجود خالق فهل تفوق عليه العقل في نهاية المطاف -كما لو أنها مُفاجأة ارتدادية-؟).

ودعني أعود بك خطوة إلى الوراء مرة أخرى، تنظر الآن إلى تلك الآلة، التي تتحرك وتتكلم وتتصرف، فتتذكر على الفور قول الله تعالى: «هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا».

وتشعرُ بضآلتك، فقد أصبح هناك ما يُشبهك من الآلات، صُنعت بيد أقرانك، بينما عجز أقرانك عن اختراع أو صنع البقية من المخلوقات، فلا يوجد سماءٌ آلية أو بعوضة آلية أو… أو… إلى آخره.

والرابط بين هذا وذاك أمران: فالعقل البشري وهو مخلوق مُذهل، زينة المخلوقات، صحيحٌ أنه ليس ملموس، لكنه في الأخير مخلوق، يقوم في رأيي على أمرين، هُما «المُحاكاة والمُجاراة».

يُجاري عقلك ما يحدث في واقعك ويحاول التكيُف معه. ويُحاكي ما يراه في الدنيا، يرى الطائر؛ فيصنع طائرةً، ويرى الدواب كالجمال والخيول، فيصنع سيارةً، يرى الغراب يُهيل التراب على الجيفة، فيتعلم الدفن وهكذا.

وبسؤالٍ بسيط يُمكننا التوصل إلى استنتاج: تخيل معي، وأرجو أن يكون خيالك واسعًا، أن الله قد خلق الإنسان بعقله الذي يُفكر ويستخلص ويستنبط، هداه النجدين، وأعطاه القدرة على التمييز، وكل تلك المَزيات، ولكن جعل شكله وهيئته تُشابِه، فلنقل مثلًا الفيل؟!

مثلًا مثلًا، يا أخي أفسح صدرك، فهل في رأيك في ذاك الحين، عندما يُفكر ويخترع ويصل عقل هذا الإنسان -بصورة فيل- إلى درجاتٍ عُليا في التفكير، هل كان سيخترع (صوفيا) هذا الروبوت الرائع بشكله وصورته الحالية، المُطورة، الحُسنى؟ بيدين ورجلين وليس أربع، بعينين جميلين وأنف وأذن مُتناسقين، وفم جميل الهيئة، حسن التصوير، أم بخرطوم للماء وهيئة ضخمة؟!

بالطبع لم يكن ليتوصل هذا العقل مهما بلغ من درجات، لصُنع الله العظيم في هيئة الإنسان وحُسن صورته وسلاسة بُنيان جسده -وهذا ليس هُزوًا بهيئة الفيل، ولكن الإنسان بالفعل خُلق في أحسن صورة- وإنما كان سيُحاكي ما يراه.

هُنا، نستطيع القول بأن العقل لا يُمكن له أبدًا أن يسبق علم الله كُله، أو التفوق على خالقه. وأنه سيظل كل شيء حولنا في هذا العالم ينطق باسم الله ويبرهن بوجوده. ونأمل أن نكون قادرين على إبصار ذلك على الدوام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد