تعيش تونس منذ أسابيع على وقع فضيحة تسريبات اجتماع الهيئة السياسية لحزب حركة نداء تونس وما خلفته من استياء للطبقة السياسية والمواطنين على حد سواء بالعودة لمضمونها الذي رفع الستار عن حقيقة تداخل الحزب مع مؤسسات الدولة وخصوصًا نفوذ الباجي الصغير ونقده وجماعته لأداء حكومة الشاهد، وتحفظاتهم على بعض قراراته وتعاطيه مع نواب الحزب، فضلًا عن انتقادات واسعة لمستشاريه وبعض الوزراء والأحزاب الحليفة بكلام خادش.

لم تقف حملة التسريبات عند فضيحة الهيئة سابقة الذكر، بل تواصلت بفيديو تسجيل جديد مسرّب لنبيل القروي العضو السابق في حزب نداء تونس الحاكم والرئيس المدير العام لقناة نسمة وشركة الاعلانات التابعة لها تحدث فيه بأسلوب لا أخلاقي عن عدد من السياسيين كنجيب الشابي ووصفه بالبغل ومية الجريبي وياسين ابراهيم وراشد الغنوشي والرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي.

كما تحدث عن علاقته وقناة نسمة بالسياسيين وكيف يتم ابتزازهم، وتغيب بعضهم عن العمل على دمغجة المشاهد التونسي، وإبراز فضله في فوز الرئيس الحالي بمنصب رئيس الجمهورية.

الباجي قايد السبسي الذي كثيرًا ما يختار قناة العائلة ليخاطب التونسيين منذ تأسيسه لحزبه، أصبح اليوم يستمع إلى مشاغلهم عبر هذه القناة الخاصة، دون الإعلام العمومي، وتأتي اليوم هذه التسجيلات المسربة لتوضح طبيعة العلاقة وتدحض محاولات سابقة من جانب القائمين على القناة إخفاء انحيازها المطلق للباجي، والتي جعلت منابرها زمن الانتخابات الرئاسية بوقا دعائيًا للسيد الرئيس في وقت كان يفرض عليها كمحطة إعلامية هامّة أن تتميّز بالحياد وإعطاء المترشحين نفس التوقيت ونفس التغطية الإعلامية، ولكن يبدو ان الميولات والمادّة و الدولة العميقة هي من حكم على هذه القناة بالتصرّف دون الالتزام بالقوانين في تحدّ صارخ للهايكا: الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي والبصري، التي لم تجد غير خطيّة ماليّة بــ 20 ألف دينار، وهو مبلغ يعتبر تافهًا أمام المكاسب المتناصفة التي تحصل عليها الطرفان.

وأنا أكتب هذه المقالة أتذكر جوزيف جوبلز، صاحب المقولة الشهيرة: أعطنى إعلاما بلا ضمير، أعطك شعبًا بلا وعي. جوبلز صاحب آلة الدعاية النازية الجبارة، الذى صوّر أدولف هتلر للألمانيين على أنه منقذهم، وأحد أساطير الحرب النفسية، وأبرز وأهم من استثمروا الإعلام لتحقيق مآربهم، صاحب شعار: اكذب حتى يصدقك الناس.

وبالرغم من أن جوبلز انتحر فى النهاية، فقد ترك وراءه مدرسة وأتباعا مجدّوا منهجه وطوّروه، من أجل هدم الأوطان بيد شعوبها، فأصبح من يملك الإعلام، صاحب القول الفصل فى مصير الوطن، والمواطنون ما هم إلا أحجار على رقعته ولنا في تصريحات صاحب قناة نسمة نبيل القروي مثال.

إن الحياة السياسية بتونس ليست بخارج السياق الدولي فمنذ زمن ليس بالبعيد فطنت النخب السياسية في العالم كله لضرورة وأهمية أجهزة الإعلام والسيطرة عليها فكانت السيطرة الكاملة للحكومة وأن تتبع إدارتها السلطة بشكل مباشر عن طريق وزير يتم اختياره بعناية و يكون من تلاميذ جوبلز وتم وضع سياسات إعلامية دقيقة لتوجيه الجماهير وكثيرًا ما يكون الإبداع عربيًا؛ فقد شهدنا مع عبد الناصر والأسد وبورقيبة وغيرهم من الزعماء أمجادًا تصنع في الخيال عن طريق هذه الأجهزة الإعلامية الحكومية، ورأينا معارك وانتصارات لا توجد إلا في المخيلة لأن الإعلام أرادها وزينها للمواطنين، بل رأينا هزائم يتم تحويلها لانتصارات بأمر الحكام. وظلت الجماهير تعيش لعقود طويلة غسيل عقول وبث الأفكار التي تريدها السلطة فقط ومنع الأفكار التي ترى أنها لا تخدم مصالحهم وازدادت أهمية أجهزة الإعلام مع اتساع المسافات وكثرة أعداد السكان وظهور وسائل التواصل الحديثة وثورة الاتصالات وظهور الإنترنت والموبيل والفضائيات التي ساهمت في تغيير الخارطة الجيوسياسية بظهور الربيع العربي.

لم يساهم رحيل النظام السابق في تونس تجاوز الاعلام مرحلة بوق السلطة أو أن يكون أداة للسياسيين والأحزاب يمينًا ويسارًا والتي اقتنصت الفرصة وتحالفت مع رؤوس الأموال التي تحتاج إلى دعمها من أجل تشكيل مجموعات إعلامية تمثل لوبيًا ضاغطًا لتحقيق مصالحها، ورأينا قنوات خاصة، وإذاعات وصحف توالي السلطة وأخرى تحاول إسقاطها دون أو تمارس المعارضة؛ فمكمن الداء عندما سعى جزء كبير من الإعلام التونسي، مثل قناة نسمة تزييف الحقائق في تعامله مع بسطاء الناس، بما يتفق ومصالح القائمين عليه، خاصة إذا عرفنا قدرات الإعلام الحديث في خداع العقول التي تظن بأنها طبقة مثقفة محصنة من مخاطر الإعلام الكاذب، فأصبحت الأكاذيب اليوم في صورة أو حالة واقعية مفروضة على المتلقي جراء التلاعب بالوعى والإغراق السلبى للعقول في تيار المعلومات والصور المغلوطة المتواترة والمتوترة التي يتفننون في عناصر طبخها وإحكام السيطرة عليها لتمرير هداف معينة لصالح كتلة أو حزب أو شخصية سياسية، أو تزيين وجوه كالحة وأياد سارقة وآثمة، ومشاريع قوانين مشبوهة، وما إلى ذلك من أهداف يسعى الإعلام المزيف إلى ترويجها وتثبيتها كحقائق للرأي العام ولصناعة الوهم.

دون أن ننسى مراكز الأبحاث ومؤسسات استطلاع رأي، هدفها الظاهر استطلاع آراء المجتمع حول سياسات  الدولة ومرشحي الانتخابات، وقضاياهم المهمة، لكنها ضمنيًا تعمل على توجيه الرأي العام لهذه المجتمعات، وبما يتناسب مع سياساتها وأجنداتها الخفية.

إن الشعب البسيط ربما لا يعي مخاطر اللعبة الإعلامية وقدرتها على التزييف، لذلك قد ينخدع كثيرون بسرعة، بما يتم طرحه من أجندات خفية ومشبوهة مختلقة لا تمت للحقيقة بصلة، وقد نعطيهم العذر بسبب تدني مستوى الوعي لديهم، وضعف الاطلاع وفهم ما يجري في السياسية وما يدور في فلكها ، ولكن ما هو عذر العقول المثقفة والمشتغلة في الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي عندما ترضخ، إما أمرًا واقعًا ولحسابات سياسوية أو تنطلي عليها مثل هذه الأكاذيب وتؤثر عليها، وتغيّر من قناعاتها وسلوكاتها أيضا؟ بل إن الخطر كل الخطر يكمن في قدرة الإعلام المزيف على التأثير في النخبة كما فعل مريدو الشيخين: الباجي والغنوشي، فاستقطبوا الكثير من الوجهاء والمثقفين وأهل الفن والعقول الذكية لتحجيم دورهم في كشف التضليل والتزييف الإعلامي وفضحه وتنوير الشعب المسكين.

فسقطوا في الفخ والنتيجة أن الجميع انطلت عليه اللعبة، وهذا هو مكمن الخطر بالضبط.

يشرح الكاتب الأمريكي هربرت شيللر ما سبق التطرق له في هذه المقالة بطريقة أكاديمية في كتابه: المتلاعبون بالعقول Mind managers، وشرح مفاهيم مهمّة، كالتضليل الإعلامي، والوعي المعلّب، وكيفية صناعة الوهم للتحكم بالرأى العام، ويرى شيللر أن تضليل وبرمجة عقول البشر ما هو سوى تطويع الجماهير للأهداف والسياسات السائدة حتى يتم ضمان تأييد النظام بغض النظر إذا ما كان هذا النظام يعمل للمصلحة العامة أو ضد الصالح العام للشعوب وحديثنا قياس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد