يتميز عصرنا الحالي بالسرعة الفائقة في نمو تطور المعرفة الإنسانية، و ما تستلزمه هذه الحياة من معارف أصبحت أمرًا لا بد منه لكل مجتمع نامٍ متطور، وفي خضم هذا التسارع نحو التقدم العلمي لم تعد الأساليب التعليمية المتبعة في المجتمع الجزائري قادرة على خلق جيل يجاري مسيرة التقدم والإبداع؛ مما يجعل المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات التربوية تكبر يومًا بعد يوم، كما ظهرت الحاجة الملحة لتحسين طرق التعليم ووسائله للوصول إلى أكثر هذه الوسائل كفاية وفاعلية لإعداد البرامج التعليمية المناسبة، والتي توفر للطالب أو التلميذ التدريب الجيد، حيث تأخذ طابع التدريب على المهارات التعليمية، ثم مراجعتها، وقياسها، وبعد ذلك تبدأ مرحلة جديدة من إعادة التدريب، للتأكد من سلامة وصحة تلك المهارات المقدمة، وقد سجلت هذه البرامج نجاحًا ملموسًا في التعليم مقارنة بالجلسات قصيرة المدى، والتي لا تحدث أثرًا واضحًا في البيئة التعليمية.

كما أن هذه البرامج التعليمية تحتوي على محتوى علمي، بالإضافة إلى الطرق والوسائل التي يجري التدريب من خلالها على خبرات مخطط لها وتقدمها المدرسة لمساعدة التلاميذ على اكتساب النتائج التعليمية المطموح لها.

وتعد مهارة التفكير من الضروريات لكل فرد لتحقيق التكيف مع محيطه، وتحقيق أهدافه وطموحاته، مما يؤدي إلى نمو مجتمعه وتطويره، الأمر الذي جعل المؤسسات التربوية تولي التفكير بمختلف أنواعه اهتمامًا بالغًا، وتنادي بضرورة التدرب عليه، وقد أوصى الباحثون بضرورة التدريب على نوعي التفكير معًا، وهما التفكير المنطقي (التقريري)، والتفكير الإبداعي (التغييري )، نجد في الآونة الأخيرة أنه زاد الاهتمام بالتفكير الإبداعي بشكل خاص نظرًا لاعتباره النمط الأكثر كفاية في مواجهة التقدم التكنولوجي، والانفجار المعرفي السائد في الألفية الثالثة، حيث لم يعد الإبداع ضرورة فقط، بل أصبح من أساسيات الحياة.

في حين تركزت الجهود الأولى للباحثين على تدريب التلاميذ على مهارات التفكير المنطقي، التفكير الإبداعي ليس بديلًا للتفكير المنطقي ولكن لكل منهما اعتمادًا على الآخر، ويمثلان عمليتين متكاملتين، وقد حاول بارتليت التمييز بين التفكير الإبداعي والمنطقي من عدة جوانب منها: أن التفكير المنطقي يمكننا من تفتيت الأشياء إلى مكوناتها، بينما يساعدنا التفكير الإبداعي على فهم كيفية عمل أجزاء موقف أو موضوع ما معًا في توافق وتكامل، أيضًا نجد التفكير الإبداعي يحاول اكتشاف الأنماط المتكررة عبر النسق أو الموقف محل الاهتمام، على نحو أعمق مما نجده في التفكير المنطقي.

ومن هنا ظهر التساؤل هل بالإمكان إيجاد وسيلة، أو استراتيجية من خلالها نستخدم نوعي التفكير الإبداعي، والمنطقي، لتحسين مهارات التعلم لدى التلاميذ؟

إن طرق وأساليب التدريس السائدة، مثل الإلقاء والمحاضرة، والشرح والعرض، لم تنجح وحدها في توصيل المادة العلمية، وأحيانًا تصبح هي نفسها مصدرًا من مصادر صعوبات تكوين المفاهيم العلمية لدى المتعلمين واكتسابها.

وبالنظر بشكل نسبي إلى معظم طرائق التدريس والمقررات الدراسية التقليدية، على النصف الأيسر من المخ الذي يتناول المنطق، والقوائم، والأرقام، والتسلسل، والكلمات، والتحليل، وهي المهارات التي تعنى بالتفكير المنطقي، وهذا أكثر ما تدرب عليه تلاميذنا في المدارس والمؤسسات التعليمية، كما يندر أيضًا استعمال النصف الأيمن من المخ الذي يهتم بالنغمة والألوان، والخيال، والأبعاد، والمساحة والحيز، وهي غالبًا من مهارات التفكير الإبداعي، لذا لا نستغرب عندما يعاني الكثير من التلاميذ من صعوبة التعلم، والتذكر وصولًا إلى الاختبارات ومخرجات التعليم.[1]

لقد وضع التربويون حدودًا لقدرات العقل العظيمة لتلاميذنا في التعليم، وحصروها عندما ألزموهم بتلك الطرائق بحيث كونت لديهم عادات تعلم غير فعالة، لذا تتضح أهمية الوسائل والاستراتيجيات التعليمية واستعمالها لإثراء المقررات الدراسية.

وبالتالي فإن اقتصار تخطيط المنهج واستراتيجيات التدريس على تنشيط وتدعيم أنشطة تشغيل قدرات نصفي المخ؛ يؤدي إلى إضعاف وتعطيل نمو قدرات النصف الآخر، كما يؤدي إلى اضطراب التزامن مع المخ كله، لذلك من المهم أن يؤخذ مخطط المنهج والمعلم بعين الاعتبار أن تشغيل النصف الأيسر يعد متطلبًا أساسيًّا لتشغيل قدرات النصف الأيمن (المسؤول عن التخليق وإعادة التركيب) وأن أي مشكلة يمكن حلها باستخدام قدرات نصفي المخ.

فعلى سبيل المثال لا يستطيع النصف الكروي الأيمن التعبير عما يعرفه أو يعيه من معلومات تعبيرًا لفظيًّا؛ حيث إن لغة هذا النصف تكون بدون كلمات بحيث تكون المعلومة مخزنة في صورة ذهنية وأحاسيس ورموز، أما النصف الأيسر فلغته التعرف وإعادة صياغة الصور الذهنية قبل تواصلها في النصف الأيمن على هيئة كلمات.

ولهذا تشير الأبحاث المعاصرة إلى ضرورة تخطيط المناهج وتدريسها على أساس التوازن بين وظائف نصفي المخ معًا في تكامل، ومن هذه التقنيات خريطة المفاهيم والاكتشاف المتعدد، وتقنيات التفكير المتباعد والإبداعي، كالخريطة الذهنية.

وقد عرَّف بوزان الخريطة الذهنية بأنها «أداة فكرية مثالية لتنظيم الأفكار»، كما أنها تصنف وتنظم الحقائق والأفكار مستخدمة الألوان والرسوم، وتعتمد هذه الخرائط على تكوين مفهوم أساسي في مركز الخريطة، تتشعب منه عدة مفاهيم فرعية، يجري تحديدها إما بكلمات وإما برموز وإما بصور، وبهذه الطريقة فإنها تعكس أسلوب عمل دماغ الإنسان، واستثمار طاقاته كاملة بنصفيه الأيمن والأيسر، إضافة إلى تزويد الطلاب بطرق جديدة ممتعة للحفظ واستدعاء المعلومات، واستعمالها لتحسين الذاكرة وزيادة التركيز والإبداع بإحياء التخيل، وبالتالي توفر أفضل السبل لاستخدام موارد الطالب الذهنية.

وعلى هذا برزت الخريطة الذهنية من بين مختلف وسائل التدريس، بوصفها وسيلة وأداة فعالة لما تنتجه من تنظيم وتحفيز وحث لشقي المخ، فقد قام لويتن وزملاؤه عام 1980 بمراجعة 135 دراسة تبحث في تأثير الاكتساب والاحتفاظ بالمعلومات بمساعدة الأشكال التنظيمية التحفيزية في التعلم، وقد كشفت نتائج البحث عن أن الأشكال التنظيمية من أي نوع لها تأثير إيجابي دائمًا، كما أن رسم الأفكار من شأنه تعميق فهم التلاميذ لما يعرفونه.

إن الاهتمام بالإبداع لدى أفراد المجتمع يقع بالدرجة الأولى على جهاز التربية، إذ لا بد من التحرك نحو المعرفة وتوليدها لا تلقيها وحفظها.


[1]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد