كانت من أهمّ الأشياء الفاصلة والجوهرية في حدوث انقلاب فكري في رأسي، وتَزَلْزُل الأفكار في عقلي رأسًا على عقب، هي القراءة لبعض الأشخاص الذين رفعوا سقفَ النقد والتفكير إلى أعلى قَدْرٍ ممكن.

وُلدنا صغارًا ونشأنا شبابًا وهرمنا شيوخًا لنجد حدودًا وأسقفًا وُضعت لنا، لا نعرف مَن وضعها، ولا نعرف لماذا إلى هذا المقدار تحديدًا وليس إلى أعلى ذلك أو أقل؟ المهم أن لدينا حدودًا في مجالات التفكير السياسية والدينية والاجتماعية ليس من المسموح أن تتجاوزها وتتخطاها عقولُنا، ولا أن تنطق بها ألسنتُنا، بل ولا حتى أن نفكر أن يسأل عنها فضولُنا.

ويحضرني الآن كلمات الدكتور طه حسين التي قالها في كتابه «في الشعر الجاهلي» معترضًا على هذه الحدود التي وُضعت في دراسة الأدب والتي نشأ الناسُ عليها لا يملكون أن يطرحوا أسئلةً ولا أن يخوضوا لجاجَ أي شيء وراء تلك الحدود الموضوعة لنا سلفًا، وإنما مسموح لنا فقط بأن نُعمِلَ عقولَنا، ونُطلق ألسنتَنا في حدودٍ ونطاقٍ ضيق.

عميد الأدب العربي في مقدمة هذا الكتاب أراد أن يقول أننا أفقنا من نومنا وجئنا لتلك الحياة فوجدنا الناسَ قد أجمعوا على أمورٍ في الأدب (وقس على ذلك أي مجال آخر)، ولك مساحة صغيرة من النقد تتحرك فيها. تستطيع فقط أن تقولَ بأن فلانًا أخطأ وفلانًا أصاب، تستطيع أن تقولَ إن هذا الحديثَ صحيحٌ وذاك الحديث ضعيفٌ، النقاب إما سنة أو فرض أو فضيلة.

هذا النطاق هو فقط المسموح لنا أن نتكلمَ فيه، أما أن ترنوا عقولُنا إلى أبعد من ذلك! فالشمس أقرب لنا من أن نال ما نريد.

لذلك كانت صدمةً صاعقةً بالنسبة لي حين خرج وتمرد د. طه حسين في نفس الكتاب عن السقف المرسوم والمحدد له سلفًا، وبدلًا من الحكم على أن الكوفيين قد أخطأوا أو أن البصريين أصابوا، بدلًا عن ذلك، فقد أنكر طه حسين الشعر الجاهلي كُلَّه. قال لا يوجد شعر جاهلي أصلًا ولا شعراء جاهليين، وكل هذا منحول من المسلمين بعد الإسلام، وأورد في ذلك حججًا وأدلةً.

إن هذا السقف لم يسبق إليه أحد – على حد علمي – فنحن فقط نناقش ما وصل إلينا من شعرٍ وأدب، أما أن نسألَ عن مصدر هذا الشعر، وأن نقول إنه كذب ومنحول بالكلية، فهذا ما لم يستوعبه عقلي.

كانت الصدمة أننا بدلًا عن حكمنا عن حديث ما أنه صحيح أم ضعيف، مقبول أم متروك، مرفوع أم مرسل، فقد جاء محمود أبو رية في كتابه «أضواء على السنة المحمدية» وأورد كلام المُحدّثين ليثبت أن الأحاديث كلها –صحيحها وضعيفها– لم يُكتب منها شيء، وإنما كُتبت بعد تسعين سنةً من موت الرسول –صلى الله عليه وسلم–، والأحاديث في مجملها أحاديث آحاد ظنية الثبوت لا تفيد اليقين وإنما تفيد الشك والظن، وأنه لا يوجد حديث واحد مروي عن الرسول نصًا، وإنما كل هذه الأحاديث مروية بالمعنى فقط.

بل لقد رفع السقف أعلى من هذا ليتم السؤال: هل الأحاديث دين ووحي من الله كالقرآن أم لا؟ وإذا كانت دينًا مثلها مثل القرآن؟ فلماذا لم يكتبها النبيُ في حياته مثلما كتب القرآنَ؟ لماذا لم يخصص لها النبيُ كاتبين مثلما خصص للقرآن؟ بل لماذا لم يجمعها الصحابة كما جمعوا القرآن؟ ولماذا لم يوزعوها ويرسلوها في البلاد الإسلامية كما وزعوا نسخ القرآن في الأمصار؟ ولماذا استمرت الأمة الإسلامية قرابة قرن من الزمان تقيم أمرَ دينها دون أن يُكتب حديثٌ واحد؟

بل السؤال الذي يفرض نفسَه: إذا كانت هذه الأحاديث وحيًا من الله، فكيف يُعقل أن يكون الوحيُ متروكًا هكذا للناس، يصححه فلان، ويضعفه علان؟ يرويه زيدٌ بالنص، وعُمَر بالمعنى؟ يقول المحدثون عن الرواة أن هذا صادق وذاك كاذب وهذا ثقة وذاك مدلس؟

كيف يُترك الوحي الذي هو دين الله بهذا العبث؟ يضعفه مَن شاء ويصححه مَن شاء؟ يضع الإمام البخاري قواعد لصحة الحديث، ثم يضع الإمام مسلم قواعد أخرى لصحة الحديث، ثم يضع الألباني قواعد تختلف عن قواعد البخاري ومسلم معًا لصحة الأحاديث، وكل يضع قواعده وشروطه التي يرتئيها مناسبةً من وجهة نظره. فهل بهذا الشكل سيكون الرسول قد بلغ رسالته كما ينبغي؟ وأدى أمانته كما ينبغي؟ وترك الأمة على دين واضح؟ ثم ما هذه التبريرات اللامعقولة التي يردون بها على هذا السؤال!

قرأت في موقع «إسلام ويب» إجابتهم عن نهي الرسول عن تدوين الحديث، فوجدت عجبًا عجابًا، قالوا: إن النهي كان مخافة أن يختلط القرآنُ بالحديث، ثم إن الأمر بالنهي كان في بداية الإسلام، ثم نسخته بعد ذلك أحاديثُ الإباحة.

ولا أدري كيف يجرؤ مسلم على أن يقول هذا الكلام؟ كيف يجرؤ أن يقول مسلم أن الرسول نهى عن كتابة الأحاديث مخافة أن تختلطَ بالقرآن! هل مِن المعقول أن العربَ الأقحاح الفصحاء لا يستطيعون التفريق بين كلامِ الله المُعجز الذي تحدى الدنيا كلَّها بأن يأتوا بمثلِه، هل من المعقول أنهم لا يستطيعون التفريق بين كلام الله الذي تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، وبين كلام النبي الذي هو بشر؟ إلى هذه الدرجة لا تستطيع العرب التمييز بين كلام الله وكلام البشر؟ إن هذا قدح صارخ في بلاغة القرآن وتفرده وإعجازه، لدرجة أن يخاف النبيُ من أن يختلط كلامُه –وهو بشر– بكلامِ الله البليغ المعجز!

ليس أكثر لامعقوليةً من هذا الجواب، إلا تبريرهم الآخر، بأن أحاديث الإباحة نسخت أحاديثَ النهي. حسنًا، إذا كان النهيُ في بداية الأمر ثم سمح الرسولُ بعد ذلك بتدوين الحديث، فأين هذه الصحائف التي دونها الصحابة  كما دونوا القرآن؟ ألم يجمعوا القرآن وهو وحي من عند الله؟ فلماذا لم نسمع بحادثة واحدة يتيمة روي فيها أن المحدثين جمعوا حديثًا واحدًا مكتوبًا؟

بل لماذا أمر الخليفةُ أبو جعفر المنصور الإمامَ مالكٍ بأن يكتب الحديث، وبالفعل كتب الإمام مالك كتابه الشهير «الموطأ» الذي هو أول كتاب في الحديث بين أيدينا، لماذا أمره الخليفة بأن يكتب الحديث إذا كان الحديث أصلًا مكتوبًا ومدونًا من قبل في زمن النبي؟ ألا يستطيع أحدٌ منهم أن يأتينا بنصٍ واحد مكتوب لحديث واحد قبل سنة 90 هجرية؟
فإذا كان الرسولُ سمح لهم في نهاية الأمر بكتابة الحديث، فأين تلك الكتابات طوال ثمانية أو تسعة عقود؟

لقد وضع القدماء مصادر للتشريع، قرآن وسنة وإجماع وقياس، وكنا نتجادل: هل في هذه المسألة إجماع؟ فإذا وجدنا فلزامًا على ألسنتنا أن تخرس، وعقولنا أن تقف. وإذا لم نجد، فمعناها أننا لا نزال تحت السقف المسموح بنا بالتفكير فيه والأخذ والرد.

ولكن الصدمة كانت حين قرأت لإبراهيم النظام وغيره.. وهم يناقشون السقفَ نفسَه ويسألون: مَن الذي قال أن الإجماعَ نفسَه حجةٌ أصلا؟ من أين أتيتم بأنه إذا أجمع العلماء على شيء فهو شرع الله ودينه وهو أصل من أصول التشريع؟ على أي شيء استندتم وحديث «لا تجتمع أمتي على ضلالة» حديث ضعيف لم تصح له طريق واحدة، فهل تُبنى أصول الدين على الأحاديث الضعيفة؟

كانت الصدمة حين قرأت للشيخ محمد الغزالي كتاب «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»، ووجدته يورد أحاديث تخالف العقل والمنطق بل تخالف القرآن ذاته.

كانت الصدمة حين قرأت لجورج طرابيشي وهو يتحدث عن معجزات النبي، وكيف أن كتب السيرة تزداد فيها المعجزات كلما ازداد الزمن، فأول سيرة كتبها ابن اسحاق أورد فيها عشر معجزات فقط للنبي. ثم جاء بعده الموتردي في كتابه «أعلام النبوة»، لنجد أن معجزات النبي تضاعفت أربع مرات – بقدرة قادر – لتصل إلى أربعين معجزة. ثم يأتي بعده البيهقي في كتابه «دلائل النبوة» فنجده أورد معجزات ليست فقط للنبي، بل للصحابة أيضًا، فصار لدينا نبي له معجزات، وأيضًا صحابة لهم معجزات.

ثم يأتي بعد ذلك القاضي عياض في كتابه «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»، ونجد أن المعجزات تكاثرت وأصبح عددها 120 معجزة. ثم ابن كثير يأتي هو الآخر ليضيف معجزات أخرى، فنجد النبي وهو يمشي على الماء، ونجده وهو يكلم الموتى ويحيهم. حتى قال الإمام النووي إن معجزات النبي بلغت 1200 معجزة وقال بعضهم أنها بلغت 3000 معجزة.
وهكذا نرى معجزات النبي تتكاثر وتزيد من تلقاء ذاتها كلما زاد الزمن وابتعدنا عن زمان النبي.

السقف المتاح والمحدد لنا هو التحقق من صحة هذا الروايات، ولكن السؤال الذي هو فوق السقف، هل كان للنبي محمد معجزات أخرى غير القرآن؟ وكيف تكون له معجزات أخرى والقرآن نفسه يقول: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ}؟ كيف يكون له معجزات والقرآن يقول: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}؟

إن قصة المعجزات – سواءً كانت واحدة أو ثلاثة آلاف – تخالف القرآن برمتها من الأصل. كانت الصدمة حين قرأت لمحمد رشيد رضا وهو ينكر علامات الساعة، والمسيح الدجال والمهدي المنتظر، وانشقاق القمر.

هنا السقف ارتفع، وعلمت أنني لا يجب أن أظل محشورًا داخل صندوقٍ في مساحة محددة رسمها لنا القدماء، بل لا بد أن نضع كل شيء موضع الشك كما قال طه حسين قديمًا: نحن بين اثنتين: إما أن نقبل كل ما قال القدماء، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث، والذي يتيح لنا أن نقول: أخطأ الأصمعي أو أصاب، ووفق أبو عبيدة أو لم يُوفق، واهتدى الكسائي أو ضل الطريق. وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث. لقد أنسيت؛ فلست أريد أن أقول: البحث، وإنما أريد أن أقول: الشك. أريد ألا نقبل شيئًا مما قال القدماء إلا بعد بحث وتثبيت إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرجحان.

يقول علي الوردي في كتابه «مهزلة العقل البشري»: «والفكر البشري حين يتحرر ويخرج عن التقاليد لا يستطيع أن يحتفظ بطابع اليقين على أية صورة، إنه حين يشك في أمرٍ واحدٍ من أمور حياته لا يستطيع أن يقفَ في شكّه عند هذا الحد؛ فالشك كالمرض المُعدي لا يكاد يبدأ في ناحية حتى يعم جميع النواحي. والإنسان إذ يكسر تقليدًا واحدًا لا بد أن يأتي يوم يكسر فيه جميع التقاليد».

نعم، إنها «عدوى» التفكير وعدم الرجوع إلى الخلف، هكذا وصفها علي الوردي في كتابه، وهكذا وصفها من قبل الدكتور زكي نجيب محمود أيضًا، هذه العدوى حين تصيب العقلَ لن يرجع عنها أبدًا ولن يعود إلى حالته السابقة، فسيسأل عن أي شيء وكل شيء، ولن يكون له حدود أو قيود في فكره وأسئلته.

أذكر أنني قرأت للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط وهو يقول إن العقل محدود، ولكن أسئلته غير محدودة، فالعقل رغم محدوديته إلا أنه يطرح أسئلةً تتجاوز حدوده وقدراته.

وقد أعجبني كتاب كتبه بروفيسور الرياضيات الأمريكي جيفري لانج تحت عنوان «Even Angels Ask – حتى الملائكة تسأل» فهو يريد أن يستفز العقل المسلم ويقول له: إن الملائكة الذين هم مفطورون على العبادة ليلًا ونهارًا، سألوا الله واستفهموا وتعجبوا، إذا كانت هذه هي حال الملائكة المخلوقين أصلًا للعبادة ولا يعصون الله ما أمرهم، فما بال الإنسان الذي كرمه الله عن سائر المخلوقات والبهائم بالعقل، ما باله لا يستخدمه ويقص جناحي عقله ليكون عقلًا عاجزًا عن التحليق في سماء التفكير والتأمل والعمل.

وأقول أخيرًا: القضية ليست في أن تتفق أو تختلف مع هذا الطرح، وإنما القضية في أن تفكر في أي شيء، وتضع كل شيء محل شك ومحل نظر، وأختم بمقولة قالها القاضي عبدالجبار المعتزلي: كيف نقلد أحدًا دون دليل، والله تعالى نفسه لم يكتفِ ببيان الحق، بل ساق الأدلة والبراهين والحجج ليقنعنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد