ينبغي أن يُعلم أن هناك فارقًا كبيرًا بين الإسلام كدين، وبين الفكر البشري الذي يستنبط من نصوصه ويحاول فهمها، فالإسلام دين الرسل جميعًا؛ لأن مصدره واحد من عند الله «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» «النساء: 82»، «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» «النساء: 122»، «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا» «النساء: 87»، وأما الفكر البشري الذي يخرج من عقول العلماء فإنه يقبل الخطأ والصواب، والحق والباطل، والأخذ والرد، وليس في فكر أهل السنة بشر معصوم غير رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، فما يفعله بعض المعاصرين اليوم من تقديس أفكار العلماء وأقوالهم بلسان حاله، وإن لم يصرح بلسان مقاله، خطأ عظيم، وليُعلم لزامًا أن علماء الأزمنة الأولى ليسوا كعلماء هذا الزمان، فقد كانوا من أعظم الناس خلقـًا وديانة، لا يجاملون ولا يهابون المخالفين، ويتعبدون بعلمهم ويهبونه للناس أجمعين، وقد كان أكثرهم يفر من المناصب والجاه، ويكتم أعماله الصالحة قدر ما يستطيع من الكتمان، مع جرأة عظيمة في الجهر بالحق والصبر على الأذى، وانظر إلى إمامنا أحمد، وكيف صبر على الأذى!

ويمتازون أيضًا بشدة الورع حتى أحرق البعض كتبه أو غسلها، خوفـًا من أن تقع في أيدي شرار الورى، وقد أوصى أبو كريب محمد بن العلاء بِكُتُبِهِ أَنْ تُدفَنَ، فَدُفِنَتْ، قال الذهبي في السير معلقـًا: فَعَلَ هَذَا بِكُتُبِه مِنَ الدَّفْنِ وَالغَسلِ وَالإِحرَاقِ عِدَّةٌ مِنَ الحُفَّاظِ خَوْفـًا مِنْ أَنْ يَظْفَرَ بِهَا مُحَدِّثٌ قَلِيْلُ الدِّيْنِ، فَيُغَيِّرَ فِيْهَا، وَيَزِيْدَ فِيْهَا، فَيُنْسَبَ ذَلِكَ إِلَى الحَافِظِ، أَوْ أَنَّ أُصُوْلَه كَانَ فِيْهَا مَقَاطِيعُ وَوَاهِيَاتٌ مَا حَدَّثَ بِهَا أَبَدًا، وَإِنَّمَا انْتَخَبَ مِنْ أُصُوْلِه مَا رَوَاهُ وَمَا بَقِيَ، فَرَغِبَ عَنْهُ، وَمَا وَجَدُوا لِذَلِكَ سِوَى الإِعدَامِ، فلِهَذَا وَنَحْوِهِ دَفَنَ -رَحِمَهُ اللهُ- كُتُبَهُ.

وانظر إلى هذه القصة العجيبة في سير أعلام النبلاء «10/ 459» لتعرف قدرهم: قال عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد: سمعت أبي يقول: أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض لبعض حاجته ثم خرج فقام له كل من في المجلس إلا علي بن الجعد، فنظر إليه كالمغضب، ثم استخلاه.

فقال: يا شيخ، ما منعك أن تقوم؟

قال: أجللتُ أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي – صلى الله عليه وسلم -.

قال: وما هو؟

قال: سمعت مبارك بن فضالة، سمعت الحسن يقول:

قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار». «1»

فأطرق المأمون، ثم رفع رأسه، فقال: لا يشترى إلا من هذا فاشتروا منه يومئذ بثلاثين ألف دينار.

وقد أوصى عثمان بن عبد الله الطبري ثم البصري نزيل أنطاكية، وعالمها أصحاب الحديث بقوله: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمت واحدة فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تُعرف منه.

وهنا وقفة لا بد منها، وهي أننا لا نمنع الناس من البحث والسؤال، والنقد والاستفسار، شريطة أن تكون لهم قواعد علمية يسيرون عليها؛ لنستطيع محاكمتهم إليها، ثم نعرض مُنتجهم الفكري على قواعد العقل والنقل، وقبل ذلك نعرضه على قواعدهم، ويسبق ذلك كله عرض القواعد التي رأوها على العقل والنقل، فالفكر يقابل بالفكر، والمنطق يقابله المنطق.

بعد ما سبق ذكره من كلام، ونقاش عقلي على خير ما يرام، تبقى بعض العقول المتحجرة التي ربيت على السفاهة، والغفلة وقلة الديانة، مع تشهيرهم بالخصم وسبه، وتحقيره ورميه، ولا يهدفون الحق طريقـًا، ولا يرمون الصواب سبيلاً، فمثل هؤلاء علاجهم القانون، فمن لم يردعه القرآن ردعه سيف السلطان، والسيف هنا القانون الرباني الذي أناطه الله بيد السلطان لتطبيقه، وعهد إليه بتنفيذه؛ لتستقيم الحياة البشرية، وتنعم البشر بالكرامة والحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تعليم, عقل, فهم, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد