– يظهر الأستاذ مش عاجباه الغنوة..
– هي دي غنوة برده يا اسطى؟!
– أنا برده أول ماسمعتها مدخلتش دماغي، لكن لما ودني خدت عليها عششت في نفوخي وكيفتني.
دار هذا الحوار العبقري بين سائق تاكسي ويحيى الفخراني في فيلم الكيف، أثناء سماع أغنية “البيلي بيلي با”.

 

لنسافر الآن لأميركا عام 1967، إلى جامعة أوريجون، بينما يجلس الطلاب في أماكنهم المعتادة بفصلهم، أطلت عليهم حقيبة سوداء، كل ما يظهر منها هو قدمان آدميتان، استأذنت الحقيبة لدخول الفصل في هدوء، بعد أن تم منح الإذن لها من المُحاضر، تقدمت بتروٍ مجتازة جميع الطلاب حتى جلست في آخر الفصل، عاملها جميع الطلاب بعدوانية زائدة وتعرضت للكثير من المضايقات، ومع تكرار حضور الحقيبة معهم على مدار شهرين متتاليين دون الإفصاح عن هويتها، تغير سلوك الطلاب معها من العدوانية، إلى قليل من الفضول، ثم الصداقة، ثم دافعوا عنها ضد أي مضايقات خارجية!

 

كانت هذه تجربة سلوكية أعدها البروفيسور تشارلز جوإتسينجر ليلاحظ تطور سلوك الإنسان تجاه ما لا يعرف، وتم نشر نتيجة التجربة في إحدى الصحف.

 

قرأ هذه الصحيفة أحدهم وقام بعرض صور متعاقبة عشوائية على عدد من الأشخاص في قاعة من قاعاته، كرموز صينية ورسومات وصور أشخاص ويتم تكرار إحدى الصور، لكن يتم عرضها بسرعة كبيرة تجعل المشاركين غير قادرين على ملاحظة وجود أي تكرار في الصور، ثم عند عرض الصور منفردة عليهم مرة أخرى، وسؤال كل واحد منهم على حدة أي الصور يفضل؟

 

اختار جميعهم الصورة التي تم تكرارها في العرض الأول، دون أن يدركوا أنها كانت مكررة . قام بهذه التجربة الدكتور روبرت تزاجونك، ونشر ورقته العلمية معلنًا قانون الألفة، والذي نص على ( كلما تكررت مشاهدتنا أو سماعنا للأشياء كلما زاد تفضيلنا لها).

 

دعنا من هذه التجارب التي أصابتك وأصابتني بالصداع، ولنستمع لأغنية: “Hey Ya” لـ Outkast ، في عام 2003 أذاعت محطة WIQQ (وهي محطة إذاعية تُبث على الراديو في فيلاديلفيا)، هذه الأغنية في أفضل وقت للإذاعة وهو 7:15 مساءً، وتم تكرار الأغنية 7 مرات في هذا الأسبوع، وتشغيلها 37 مرة خلال الشهر. في هذا الوقت كانت هناك شركة تسمى آربيترون، قادرة على تحديد عدد الناس الذين يستمعون لمحطة ما في لحظة معينة، وكم من المستمعين غيّر المحطة خلال بث أغنية ما. عندما سجلت شركة آربيترون بياناتها وجدت أن الناس كرهوا الأغنية لدرجة أن ثلث المستمعين غيروا المحطة بعد 30 ثانية فقط من تشغيلها، ولم يكن ذلك في فيلاديلفيا فقط ولكن في باقي الولايات!

لم تستسلم شركة آريستا التي سجلت هذا الألبوم لأذواق المستمعين بالطبع، فقد تم إنفاق الكثير من المال على الألبوم ويجب جني الأرباح بلا هوادة، استعانت الشركة بأحد الخبراء ليحول هذه الأغنية لأغنية ناجحة “Hit Song”، اقترح عليهم الخبير ريتش ماير بث الأغنية بين اثنتين من أكثر الأغاني سماعًا و”ألفة” في هذا الوقت، وقامت المحطة بتنفيذ اقتراحه.

 

بعد أن كان ثلث المستمعين يغيرون المحطة بعد أول 30 ثانية، انخفض هذا الرقم ل 13.7% من المستمعين في أول شهر، ثم إلى 5.7% بعد ثاني شهر، كانت المحطة تذيع الأغنية لأكثر من 50 مرة في اليوم، وأصبحت الأغنية مألوفة، ثم فازت الأغنية بجائزة جرامي، وتم بيع أكثر من 5.5 مليون ألبوم لنفس الأغنية التي كرهها المستمعون، يمكنك البحث عنها على يوتيوب لترى لِم كرهها الناس في البداية وأيضًا لترى عدد المشاهدات غير المنطقي الذي يتخطى الثمانين مليونًا!

– أنا برده أول ماسمعتها مدخلتش دماغي، لكن لما ودني خدت عليها عششت في نفوخي وكيفتني.
وهذه إحدى الطرق التي تتلاعب بها الشركات الكبرى لإجبارك على شراء منتجاتها حتى وإن كنت تكره تلك المنتجات، يُطلق على هذه الطريقة (الساندوتش)، فبها يتم تغليف ما تكره بما تعتاد أو تحب، وبالتالي يتم تحييد كرهك بالتدريج ثم تحويله إلى حب، ومن ثم تسعى لشراء ما كنت تكرهه، يمكنك أيضًا رؤية كيف تستغل الشركات الأبحاث والتجارب النفسية التي تُنفذ كي يفهم الإنسان نفسه أكثر لزيادة الربح دون الالتفات لأخلاقية العملية من عدمها، فأنت بالنسبة لأي شركة بعض العملات الورقية، وأي طريقة لأخذ تلك العملات بالنسبة لهم هي طريقة مباحة.

فهل مازلت تؤمن حقًا بأن ذوقك نابعٌ منك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد