مراجعة و تعليق على كتاب

مدخل

قدمت البروفيسورة كارول دويك نظرية رائدة في مجال علم النفس الاجتماعي سميت بنظرية «العقلية»، وضعت خلالها منظورا جديدا لتأثير المعتقدات البسيطة على السلوك الاجتماعي. لقد وجدت أن مجرد تبني الأشخاص لنظريات بسيطة في تصور قدراتهم يمكن أن يغير حياتهم جذريا. قد يبدو الفارق ضئيلا إلى درجة لا يصدقها عقل ما لم تدعمها نتائج الأبحاث العلمية. تتلخص النظرية بأنه يمكن تقسيم الأشخاص بناء على نظرياتهم البسيطة عن قدراتهم إلى قسمين: أشخاص يؤمنون بأن قدراتهم قد تم تحديدها مسبقا وأنها ثابتة لا تتغير وأنه لم يبق لهم سوى العمل بمقتضى تلك القدرات التي تكونت لهم مسبقا (سُمِّيَ هذا النمط من الاعتقاد بعقلية الثبات). وقسم آخر يعتقد أن قدراتهم (أيا كانت) قابلة للنمو والزيادة وأنه تتغير استجابة لمدى استخدامهم لهذه القدرات وعدد التحديات التي يواجهونها (سُمِّيَ هذا النمط من الاعتقاد بعقلية النمو).

أَوْضَحَتْ النتائج التجريبية بما لا يَدَعُ مجالاً للشك بأن التأثير السلوكي المترتب على تبني أيا من العقليتين هو تأثير حقيقي. وإذ أننا لسنا بصدد تفصيل تلك التجارب، سنقدم ملخصا توصيفياً لكلا العقليتين وملامحهما الرئيسية والنتائج والتطبيقات المترتبة على تبني إحداهما؛ فهما متقابلين لا يرتفعا معا ولا يجتمعا في نفس العمل، فهما أقرب إلى كونهما متضايفين، ما أن يدرك أحدهما حتى يمكن إدراك الآخر. كما ننوه أن جميع ما سيرد في المقال سيكون مشاراً إليه بصفحة المصدر في الكتاب.

عقليتا الثبات والنمو وملامحهما المميزة

يميل الأشخاص ذوو عقلية الثبات إلى الهرب من التحديات (50-51)، البحث عن تحقيق الذات والخوف من الفشل (6)، الميل إلى إصدار الأحكام (10) وافتراض ديمومتها (31)، والتهرب والخوف من التقييم (26). لماذا إذاً كل ذلك؟! ما الذي يجعل هذه العقلية متشبثة بهذه النتائج؟ إن الاعتقاد بثبات القدرات تجعل الشخص يربط تعريفه لذاته بهذا القدرات دونما سبيل إلى تغييرها أو الخلاص منها. بالتالي فإن أي تحدٍ أو موقفٍ تظهر فيه هذه القدرات أقل عند مقارنتها بقدرات الآخرين يجعل ذاته وتعريفه لنفسه في موقف خطر. على سبيل المثال، فخسارة سباق ما تعادل القول بأن هذا الشخص يصبح “فاشلاً دائما!” بحسب تعريف ذلك الشخص لذاته وقدراته على أنها أمور ثابتة لا يمكن الفكاك منها. من جهة أخرى فكيفما هو “فاشل دائما” أو “ناجح دائما” فإنه يصدر أحكامه على الآخرين بنفس الكيفية، بل ولا يتوقع منهم أي تغيير محولا العمل (action) إلى كينونة (identity)، مما يجعله يقف على موقف النقيض من عقلية النمو (33). فالاعتقاد أن القدرات تنمو عن طريق التحديات تجعل أصحاب هذه العقلية يُقْبِلُون على التحدي ولا يخافون من الفشل أو التقييم، فهو الوسيلة المثلى لهم ليتعلموا من أخطائهم ولينمو ويصبحوا أفضل وأقوى وأكثر ذكاءًا. فلا معنى من ربط ذواتهم بقدراتهم، فهي تتغير باستمرار تبعا لمستوى التحدي والخبرات الحياتية التي يواجهونها ومدى استخدامهم لهذه القدرات. هم لا يرون أن النتائج هي المهمة بالدرجة الأولى بقدر أهمية العمل الذي يقومون به ومستوى الجهد المبذول للقيام بذلك العمل (48). أما الفوز أو النجاح فهو النتيجة الجانبية لعملهم الدائم والدؤوب والشاق، حيث يكونون في أفضل حالاتهم، لا عند الفوز فقط مثل أصحاب عقلية الثبات، بل وعند الهزيمة أيضا طالما بذلوا أفضل ما في وسعهم (99). إن تبني عقلية النمو يحفز التركيز على تطوير الذات، زيادة الشعور بالمسؤولية (107)، واللعب بروح الفريق؛ فلا ينصب التركيز على تحقيق الذات على حساب الآخرين، بل نمو تلك الذات ومن يحيطون بها (105). بل وُجِدَ أن أصحاب عقلية النمو يكونون أكثر دقة في تقييم قدراتهم مقارنة بأصحاب عقلية الثبات (11)، فهم لا يتوقون إلى إظهار فوقيتهم، بقدر ما يريدون معرفة حالتهم للانطلاق إلى آفاق أرحب.

إن أحد أهم ملامح تبني أيا من العقليتين هو الموقف من عملية المحاولة وبذل الجهد في سبيل تحقيق الهدف. فإن الاعتقاد بفوقية القدرات (عقلية الثبات) يجعل المرء مائلاً نحو الاعتماد على هذه القدرات دونما القيام بجهد لتطويرها وتنميتها (41)، وإِنَّ أي فشل يمكن إرجاعه إلى أي عامل بعيدا عن هذه القدرات (فيقول: حظي سيء \ الطقس لم يساعدني \ هناك من يترصدني \ الموقف كان أكثر من قدرتي … الخ ). يقول مدرب كرة السلة الأسطوري جون وودن: «أنت لست بفاشل حتى تبدأ بالتبرم. توقف عن إنكار أخطائك وابدأ في التعلم منها» (37). بالمقابل فإن عقلية النمو ترفع من تقدير الأشياء الصغيرة والمساهمات الفردية فهي تمثل الأشياء في طور نموها وتؤدي إلى خلق حالة من التواضع أمام الإنجازات الشخصية. ليس هناك مثال يشير إلى هذه الثنائية (التواضع مقابل التكبر) والعقلية (النمو مقابل الثبات) مثل شخصيتي لاعب السلة الأسطوري مايكل جوردون ولاعب التنس الشهير جون ماكنرو (31). ففي الوقت الذي يقال فيه عن مايكل بأنه «المسيح مرتديا حذاء كرة السلة»، فنجاحه لم يكن متيسرا، بل هو نتيجة للكثير من الجهد الذي بذله ما جعله لا يرى نفسه متميزا بتلك الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الأبطال (سنعود إلى هذا الجزء لاحقا). من جهة أخرى فجون ماكنرو لا يترك موقفا إلا ويبرز فيه فوقيته وبطولته وتعاليه على الناس ويرجع أي خسارة يتعرض لها إلى أي عامل عدا نفسه؛ فتارة يتعذر بعدم كفاية نومه أو رداءة حذائه وتارة أخرى إلى إزعاج أحد الصحفيين، وهلم جرا. إن عقلية الثبات تبقي صاحبها محصنا عن أي محاولات لتغيير ذاته نحو الأفضل. إن لم يدرك المرء مدى تغلغل هذه العقلية في ذاته ستصبح العديد من كتب تطوير الذات -التي تتكلم عن بذل الجهد والمحاولة لأجل التغيير- بالنسبة له مثل مصل لمرض حصان يراد إعطائه لإنسان يعاني من مرض مشابه (44). والنتيجة الكارثية لمثل هذه الفكرة هو أن الجهد والمحاولة لا تلائم الإنسان الذكي أو صاحب الموهبة، بل هي للأشخاص العاديين «و أنا لست عاديا!» (10). ولا يعني هذا بحال من الأحوال أن يتميز أصحاب أيا من العقليتين بمعدلات ذكاء أو كمية إنجازات أو مقدار ثقة بالنفس أكثر من الأخرى، بل على العكس فكليهما يتميزان بنفس الشيء، ولكن الأمر المهم هو طريقة تعاملهما مع التحديات وحالات الفشل (50).

انطلاقا من الحكم على الأشياء، فالعنونة هي أحد أخطر أسلحة عقلية الثبات. فالحكم على الأشخاص باعتبارهم (جيدين \ سيئين \ أذكياء \ أغبياء) لا يجعل أصحاب عقلية الثبات ينمطون الأشياء فحسب، بل ويجعلون أولئك المعنونين يخلقون تعريفا لأنفسهم انطلاقا من هذه العناوين، خصوصا الأطفال! فمتى ما تم مدح الطفل بأنه ذكي، فإن أي خطأ طبيعي ينشأ أثناء عملية التعلم سيكون محل عار بالنسبة له وسيسعى لإخفائه هو ما سيصنع منه كاذبا (73)، وهذا هو بالذات مربط الفرس بين العقليتين. إن مدح الأطفال (كما سيأتي) هو أحد أهم التطبيقات الناجحة عن هذه النظرية. وعلى نفس المنوال فتذكير الأشخاص بالأنماط الإجتماعية التي وضعوا فيها يخلق تأثيرا سلبيا محفزا لعقلية الثبات، كما وَجَدَ الباحثان كلاودا ستيل وجوشوا أرونسون أن مجرد الطلب من الأشخاص أن يحددوا عرقهم (أبيض \ أسود) أو جنسهم (ذكر \ أنثى) يمكن أن يستدعي أفكار النقص التي يتداولها المجتمع في تلك اللحظة، وهو ما يؤثر سلبا على نتائج الدراسات (75).

عودة إلى الأشخاص الموهوبين والأذكياء، تبعا لعقلية الثبات، فالناس ترفض التصديق أن الأبطال الخارقين أو الموهوبين يمكن أن يكونوا أفراداً عاديين مثلنا، بل يريدونهم مختلفين عنا في كل شيء (95). يعيدنا هذا إلى مايكل جوردون وجون ماكنرو، فالفارق في الحقيقة فرق في العقليات لا في حقيقة هل هم موهوبون أم لا. القصة التالية للاعب كرة القدم الأمريكية الأسطوري جيم مارشال توضح ما أعني. في إحدى مبارياته قام جيم بتسجيل هدف في مرمى فريقه وهو ما حطم روحه المعنوية أثناء المباراة، ولكن بدلا من الاستسلام لجلد الذات والنظر إلى نفسه كفاشل قرر جيم أن يستثمر الوقت المتبقي للمباراة في اللعب بكل ما أوتي من قوة، وهذا ما حصل، فقد أصبحت هذه المباراة أحد أفضل المباريات التي لعبها طوال مسيرته الرياضية (33). إن البطولة واستثمار الموهبة كما توضح قصة جيم مارشال تتكون من ثلاثة عناصر هي: خسارة أولية، ضعف قبل الهزيمة، وأخيرا نصر نهائي ساحق (95). تظهر أهمية العقلية المتبناة في حالات الهزيمة، العجز، الشعور بعدم الثقة في النفس، وانعدام الأمان (97)، فإما أن يتحطم الإنسان ويعتبر نفسه فاشلاً ويلقي باللائمة على أحد أو شيء ما، أو أن يولد بطل ينفض عن نفسه حطام الهزيمة وينطلق بعزم وثبات متعلما من أخطائه غير عابيء بمرارة الهزيمة، مستثمرا طاقاتها السلبية، محولا إياها إلى طاقة إيجابية متدفقة خلاقة.

درس أستاذ العلوم التربوية بنجامين بلوم أكثر من 120 شخصية متميزة في شتى المجالات العلمية والأدبية والفنية، وخلص بنتيجة واحدة، أن كثيرا منهم لم يكونوا متميزين في بداية مشوارهم الإبداعي ولكن ما يجمعهم هو أمر واحد: الإلتزام والتحفيز المستمر (65). قد لا تكون عقلية النمو هي أكسير النجاح، ولكنها على الأقل تجعلنا َنِشيْدُ بقدرة الإنسان على التطور بفعل الجهد أكثر بكثير مما نظن (65). ونحن لا ننتقص من قدر الموهبة بحال ، كما أوضحت سابقا، ولكن بدون الانكباب والاستمرار في العمل، فهي لا تعدو عن كونها قابلية لا أكثر، لم تنتقل من نطاق القدرة إلى نطاق الفعل. قدمت الفنانة بيتي إدواردز مثالا لما يعنيه قابلية تعلم أمر متقدم كالرسم بشكل يكسر فيه التصور السائد. فعن طريق دورة تدريبية لمدة ثلاثة أيام قدمت درسا ثمينا في أن الرسم ليس إلا عدد من المهارات، متى ما أتقنها الشخص تمكن منها، ومن ثم فعليه المتابعة إن كان يريد أن يحترفها (69). وما الرسام الموهوب إلا شخص قد تعلم هذه المهارات ولاحظها لوحده ومن ثم فإذا لم يتابع شغفه ويمارس هذه المهارات فسوف يفقدها أو لن تنفعه أبدا. يقول جون وودن «القدرة تستطيع أن تأخذك إلى القمة ولكن فقط الشخصية هي ما تبقيك هناك» (97).

تطبيقات النظرية

1- في مجال الإدارة

تحدثنا سابقا عن علاقة أصحاب عقلية النمو بروح الفريق والشعور بالمسؤولية وهو ما يؤثر إيجابا على جميع الموظفين والمرؤوسين في شركة ما أو إدارة ما. إنَّ أحد أفضل الأمثلة على التغيير في الإنتاجية الذي تصنعه العقلية هو تبني نظام أندرويد من قبل شركة غوغل بعدما رفضته شركة نوكيا التي تربعت على عرش الهواتف المتنقلة لأكثر من 15 عاما بعد أن انتهت تلك الفترة بهبوط حاد وخسارة هائلة، فما الذي حدث إذاً؟ الجواب يكمن في عقلية الثبات للمدير التنفيذي الذي رفض الخروج من منطقة الأمان والتعلم عن طريق تجربة منتجات جديدة (122). بدأت أزمة العقليات في مجال الإدارة منذ أن قدمت شركة ماكنزي للإستشارات فكرتها حول أهمية الموهبة كعنصر فعال في الإدارة مثلها مثل الرياضة والفنون (108). تدفق عدد هائل من (الموهوبين) أصحاب معدلات الذكاء العالية والعقلية الثابتة إلى المنصات الإدارية كلٌ يحاول إثبات نفسه وتفوقه ولو على حساب الآخرين، بل وعلى حساب مصالح الشركة. وقد وصل الأمر إلى أن قام البعض بتدمير الشركة بعد انتهاء عهده في إدارتها ليظهر كم أصبحت الشركة سيئة بعد رحيله (112). أصبحت الممارسات السادية والسيكوباثية أمرا لا مفر منه تحت إدارة هؤلاء الأذكياء الموهوبين أصحاب عقلية الثبات كما أوضحت الدراسات (123). إن دراسة سير أشخاص مثل “لي إياكوكا” المدير التنفيذي السابق لشركة (كرايسلر) وألبرت دنلوب المدير التنفيذي السابق لشركة (سن بيم) وكين لاي المدير التنفيذي السابق ومؤسس عملاق الطاقة (إنرون) كما قدمتها البروفيسورة دويك (114-120) يدرك مدى الأضرار التي يمكن أن تحدثها عقلية الثبات على الشركات والمؤسسات على المستويين البشري والإنتاجي. إن الازدواجية بين عقليتي الثبات والنمو في الإدارة هي نفسها الازدواجية بين (أنا ونحن)، (الكراهية والامتنان)، (الانعزال والمشاركة)، و(التميز الفردي والبطولة الجماعية) (133). إن قصصا عظيمة مثل قصة نمو (جينيرال إليكتريك) على يد جاك ويلش في الثمانينات وقصة إعادة IBM إلى طريق النجاح على يد لويس جيرستنر، وصعود شركة زيروكس نحو القمة على يد أنا مولكاهي (124-133) تعطي أملاً ومثالاً على الاحترام والتقدير وكفاءة الإنتاج التي يمكن أن يصل لها المرء على صعيد العمل المشترك. وهو أمر يبدأ من تغيير نظام مكافأة الموظفين وتوزيع المدائح عليهم بما يتوافق مع عقلية النمو (مثل القول «عملكم جيد» والبعد عن التشخيص مثل القول «أنتم جيدون») (137)، وانتهاء بتطوير تفكير الفريق لا ليوافق الجميع على رأي واحد، بل أن يدركوا مكامن ضعف كل فكرة اُقتُرِحَتْ قبل طرحها (134). وكما تذكر البروفيسورة دويك: «ليس القادة هم من يناسبون الوظيفة، بل هم من يستثمرون في التعليم والتطوير».

نكمل تطبيقات النظرية في الجزء الثاني من المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد