للفن علاقة وثيقة مع التكنولوجيا منذ أمدٍ بعيد، وقد تمكن الفنانون بفعل التقنيات والمواد الجديدة من الابتكار، وإنشاء أنواع جديدة من الأعمال. في هذا المقال نتطرق إلى تأثير التقنيات الرقمية على الفن، وكيف يقوم الفنانون بإنشاء أشكال جديدة من الفن باستخدام تلك الأدوات الحديثة.

في عام 2009 صدرت النسخة التطويرية من لعبة «ماين كرافت» Minecraft للجمهور. وتحولت اللعبة إلى ضربة تجارية عملاقة. وبحلول عام 2011 حققت اللعبة أكثر من مليون عملية شراء دون أي إعلانات تجارية. دخلت اللعبة كتب الأرقام القياسية في عام 2014 لتحصل على أكثر النقرات على الإطلاق مع 100 مليون مستخدم مسجل. في العام نفسه اشترت شركة «مايكروسوفت» المجموعة والحزمة الكاملة مقابل 2.5 مليار دولار.

إنها واحدة من أوائل ألعاب الفيديو في تاريخ الألعاب التي وفرت العديد من الفرص لإثراء العقل البشري من خلال الخبرات في دروس محددة سلفًا من قبل المدربين. وبينما كانت هناك سابقًا ألعاب فيديوية تركزت حول دروس تعليمية محددة على النحو الذي تم ترميزه بواسطة منشئي اللعبة، فلم توجد لعبة فيديوية قابلة للتخصيص مثل الماين كرافت. ففي هذه اللعبة يستطيع المعلمون إعادة طلابهم عبر الزمن في تمثيل مرئي للأماكن والأحداث الواقعية دون مغادرة الفصل الدراسي.

استُخدمت الماين كرافت ضمنيًا في ثقافة البوب بالعديد من الطرق المختلفة. ظهرت تلك اللعبة المكونة من الكتل في التلفزيون وقد أشير إليها في الإعلانات ومقاطع الفيديو الموسيقية وأكثر من ذلك بكثير.

بعد أن أدرك المطورون أن تصميم الماين كرافت الكتلي حظي باهتمام الملايين من اللاعبين حول العالم، قرر العديد منهم استخدام هذا النوع من الأساليب الفنية لجذب المزيد من الاهتمام للعبتهم.

يركز عالم اللعبة المولَّد إجرائيًا بشكل أساس على كسر ووضع الكتل، لكن أسلوبًا واحدًا يُعرف باسم الوضع الإبداعي، أثبت أنه مصدر الإلهام للاعبين ذوي الأفكار. يركز هذا الأسلوب على جوانب بناء اللعبة، ويسمح للاعبين بالتركيز على إنشاء مشاريع عملاقة ثلاثية الأبعاد.

قام مصمم الماين كرافت السويدي «ماركوس بيرسون» بتحويل برنامج التصميم بمساعدة الحاسوب «كاد» إلى لعبة حاسوبية مما جعل ملايين المستخدمين يصبحون شبه فنانين او مصممين. يقول «كودي سمتر» من مختبر الميديا «إم آي تي»: إن «بيرسون» خدع 40 مليون شخص لتعلم استخدام برنامج التصميم بمساعد الحاسوب «كاد» «دون علمهم»!

يقوم لاعبو الماين كرافت ببناء هياكل افتراضية متقنة، وقد ابتكر «سومتر» برنامجًا يسمح للمستخدمين بإدخالها في العالم الحقيقي باستخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد. إذ يقوم اللاعبون ببناء معالمهم الرقمية في اللعبة نفسها، سواء كانت مركبات فضائية أو معالم معروفة مثل تاج محل. ثم يضعون كتل الزجاج والألماس والذهب والحديد عند نقاط محددة لتحديد المنطقة الثلاثية الأبعاد التي ستتم طباعتها.

تقدم لعبة الماين كرافت نقطة دخول رائعة الى عالم العمارة. بغض النظر عن الأسلوب المتبع في الإنشاء أو اللعب، فعلى اللاعبين أن يواجهوا العديد من نفس القيود الموجودة في العمارة الحقيقية. ومن استخدام الفضاء إلى علم الجمال، تقدم اللعبة مكانًا رائعًا لاستكشاف التناغم وعدم التماثل ومبادئ التصميم المعماري الأخرى.

إن أفضل ميزة في اللعبة هي إمكانية رؤية التصاميم التي تصممها تأتي إلى الحياة وتستكشفها من الداخل والخارج وتجري التغييرات أينما تريد. ثاني أفضل ميزة هي أن نقل الجدار الذي وضعته في مكان سيئ لن يكلف أي شيء.

بدأنا في الآونة الأخيرة في رؤية فن الماين كرافت وقد أصبح معروفًا من قبل المعارض الفنية الكبرى. أثار متحف «تيت مودرن» في لندن هذا الاتجاه في أواخر عام 2014، معلنًا عن مشروع تعاوني بعنوان «عوالم تيت». جمع المشروع بعضًا من أكثر رسامي الخرائط نجاحًا في اللعبة وكلفهم بإنشاء بيئات ثلاثية الأبعاد في الماين كرافت استنادًا إلى الأعمال الفنية الكلاسيكية.

طُرحت المنتجات ثلاثية الأبعاد النهائية علنيًا من قبل «تيت» لأي لاعب للماين كرافت مهتم بتنزيلها والإقامة فيها. وهناك بالطبع عالم سلفادور دالي الملهم.

وفي الآونة الأخيرة انضم متحف لندن إلى مجموعة تصميم الماين كرافت التي تسمى «بلوك وركس» لإنشاء عرض ثلاثي الأبعاد لحريق لندن الكبير الذي حدث في عام 1666. بُني أنموذج افتراضي مفصل للمدينة في فترة بنائها مما سمح للاعبين باستكشاف مدينة القرن السابع عشر قبل وأثناء وبعد هذا الحدث التاريخي المدمر.

قام المدير الإداري لشركة بلوك وركس «جيمس ديليني» مؤخرًا بتأليف كتاب رائع يضم تصاميم الماين كرافت المذهلة بعنوان ماين كرافت الجميلة. الكتاب يخلق حالة قوية للقيمة الفنية للماين كرافت كمنفذ إبداعي جاد.

لقد بدأ تأثير الماين كرافت على العالم في الظهور. وقدم اللاعبون في مجتمع الماين كرافت الكثير من الإبداعات الملهمة. تدفع هذه الإبداعات الحدود بين عالمنا المادي وعالمنا الرقمي.

في هذا المقال أدرجنا العديد من الأسباب التي تقف وراء أهمية الماين كرافت وهناك الكثير من الأسباب الأخرى. لقد أوجدت الماين كرافت العديد من الطرق التي يحاول فيها اللاعبون تطوير مهاراتهم الإبداعية وتعليمهم وغير ذلك. وعلى الرغم من إطلاق العاب الفيديو تكرارًا كل عام فمن الصعب العثور على لعبة من النوع الذي يترك انطباعًا دائمًا مثل الماين كرافت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد