كان أسوأ ما حدث له هو دخوله إلى حقل ألغام في طريقه إلى نقطة الإنقاذ، لتنفجر إحداها لتقطع رجل صديقه، وفي نفس اللحظة يدوس هو على آخر فيتجمد في مكانه خوفًا من انفجاره، وبعد موت صديقه أجبر على البقاء فوق اللغم مدة تسع وخمسين ساعة متواصلة تناوبت فيها كل من الزوابع الرملية والذئاب والهلوسات على إخافته، التقى خلال هذه الفترة أيضًا بأحد المواطنين المحليين لتلك الدولة الأفريقية، فقال له ذلك المواطن «لم تقف مكانك دون حراك، يجب أن تستمر في المشي، يجب أن تخطو الخطوة المقبلة لتستمر في الحياة»، وكشف له عن رجله الخشبية التي خلفت الرجل الحقيقية بعد انفجار لغم عليها، وقال له إنه داس مرة على إحداها لكنه برغم ذلك قام بمواصلة السير مضحيًا بقدمه من أجل إنقاذ نفسه، لكن الجندي لم يستمع للنصيحة ولم يتقدم إلى أن انقضت الساعات التسع والخمسون ليقرر اتخاذ الخطوة الموالية لينقذ نفسه ويتخلى عن قدمه، فيتفاجأ بأن اللغم غير موجود، إنها مجرد علبة طماطم صدئة زرعت مكان اللغم بعدما استخرجه صيادو الألغام، لقد كان وهم هذا الأخير مسيطرًا على عقله فقيده في مكانه بكل سهولة!

لقد كانت تلك أحداث فيلم اللغم «MINE» باختصار والتي تعني أن الإنسان قد يقف في الحياة على ألغام وهمية تمنعه من مواصلة المسير وتمنعه من مواصلة الحياة، ذكرني الفيلم بالأزمة بين المغرب والجزائر والتي لم يصل فيها الطرفان إلى حل بعد، حتى إنه من حين لآخر تحدث مناوشات كلامية دون وجود سبب مقنع، فمنذ مدة قصيرة شاهدت الأغنية المغربية الجميلة «ونقول مالي» لفرقة فناير الراقية ثم قمت كعادتي بقراءة التعليقات التي يتركها المشاهدون في قناة الفرقة على موقع يوتيوب، وكالعادة وجدت تناحرًا بالكلمات بين بعض المغاربة والجزائريين في التعليقات، فهذا يقول إن أصل اللحن جزائري وقد قامت الفرقة بسرقته وأنه لحن أغنية «قومري» الجزائرية الشهيرة، والآخر يقول إن هذه الأخيرة بحد ذاتها مغربية الأصل وقد قام الجزائريون بسرقتها والدليل على ذلك هو أن قبر «لالة ميمونة» المذكورة في الأغنية موجود بالمغرب!

لم يتوقف الخلاف عند الأغنية فقط بل كانت الأغنية مجرد حلقة من السلسلة الكبيرة للاتهامات بالسرقة في المجال الثقافي فكان لباس «القفطان» أيضًا محل خلاف وحتى كلمة «بزاف» والتي تعني الكثير بالفصحى قد قام من أجلها خلاف على أصلها بين جزائريتها أو مغربيتها!

في الحقيقة لو نظرنا إلى جذور الصراع لوجدناه صراعًا سياسيًا بدرجة أولى، وهو ليس وليد اللحظة إنما هو ضارب في القدم بل من وقت الاستدمار الفرنسي الغاشم الذي رسم الحدود الجديدة وفقًا لهواه، فلم يرض بعض الأطراف بهذا التقسيم ورأوه ظالمًا فأرادوا وضع خريطة أخرى وتمادى أمرهم حتى وقع ما يسمى بـ«حرب الرمال» التي قد لا يسعنا المقام لذكرها، وللأسف انجر خلف هذا الصراع القديم المتجدد الكثير من الساسة ومن الشعب أيضًا متجاهلين العمل المشترك للشعبين الشقيقين أثناء الثورة المباركة، ومتجاهلين مواقف الشعب آنذاك والتي كانت الطرف الفاعل في تغيير مواقف الساسة في ذلك الوقت من التخلي عن الثورة الجزائرية إلى مباركتها ودعمها، ومتجاهلين نظرة الشعوب لخريطة شمال أفريقيا نظرة المغاربة المتحدين – وقد عبر عن ذلك بالتنسيقيات الثورية التي كانت آنذلك بين الثوار في كل من الجزائر وتونس والمغرب – لا نظرة دول متفرقة وشعوب مشتتة، لكن هذه النظرة قد اختفت فيما بعد وأصبح الصراع بين الإخوة من أجل الأرض واقعًا مفروضًا ونقطة سوداء في تاريخ الدولتين، وذريعة لكل مناوشة تحصل بينهما.

المحير في الأمر هو استعمال وسائل من شأنها زيادة الوحدة بين الشعبين للتفرقة بينهما كالأغنية التي يدعي كل من الشعبين أحقيته بها والتي تمثل الثقافة المشتركة بين الشعبين، فمن يتغنى بالأغنية جزائري لكن المذكور في الأغنية مدفون بالمغرب، ليس ذلك فقط بل اللهجة المشتركة والكلمات المستعملة عند الشعبين واللباس والكثير من الأمور الأخرى التي من شأنها إذابة الفوارق بين المغرب والجزائر، لكن السؤال الذي يجب طرحه هو: من المستفيد من هذه المناوشات التي تتجدد من حين لآخر وهل هي مجرد ورقة سياسية رابحة يستعملها النظامان لتلهية الشعوب ولاكتساب التعاطف الشعبي والالتفاف حول النظام بعد انهيار الثقة بينه وبين الشعوب، كما استعمل ذلك نظام مبارك في السابق عبر كرة القدم التي كادت تسبب أزمة بين الجزائر ومصر – تقوم الأنظمة عندما تقد ثقة الشعوب بصناعة عدو وهمي خارجي لتستعيد التعاطف والثقة الشعبيين – حسب تحليل أحد المعارضين المصريين آنذاك؟! أم أنه تركة استعمارية تجذرت في لاوعي الشعوب تجعلهم يتشبثون بالحدود التي رسمت لهم وتمنعهم من الوحدة والتعاون، هذه الحدود التي أصبحت تمثل الألغام الوهمية التي لا يجوز على الشعوب تجاوزها أو عدم الاعتراف سوى بها؟! أم أنه شيء آخر؟

مهما يكن المستفيد من الوضع فهو سيقف بكل ما أوتي من قوة لزيادة الهوة بين الشعبين وطمس كل ما من شأنه التقريب بين الأخيرين، فهل سينجح في ذلك في ظل جري بعض وسائل الإعلام إلى النار بالمنفاخ، أم أنه سيفشل في التفريق بين الشعبين الشقيقين ثقافيًا وحضاريًا ودينيًا؟ وهل سيجد مشاريع ورجالًا تسعى لتوحيد الشعبين وتوجيههما إلى الضغط على النظامين للوصول إلى حلول للأزمة؟

إن الوحدة بين الشعبين من شأنها أن تكون أيقونة وشعارًا لتحقيق الوحدة بين الشعوب المسلمة اليوم، هذه الوحدة هي من أهم ما يجب أن يحدث في ظل مشاريع التفكيك التي يخضع لها العالم العربي والإسلامي، بل وأصبح الاتحاد الملجأ الوحيد للشعوب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد حروب الاستنزاف التي يخوضها، والوسيلة المساعدة للنهضة وإنشاء حضارة إسلامية لا تخضع للنزعات القومية والعرقية المؤسسة للتفرق والاندثار، هذه الوحدة التي تستلزم تضحيات كبيرة ومجاهدة عظيمة لتتحرر الشعوب من أوهام ألغام سايكس بيكو وتحقق الأمر الرباني الذي في قوله عز وجل بعد بسم الله الرحمن الرحيم «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» آل عمران الآية 103.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد