إلى متى ستظل الأقليات في العالم تواجه مخاطر جسيمة وتمييزات عنصرية؟ إلى متى ستظل تستبعد من المشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تنعم بها الغالبية في كل بلاد العالم؟

تتعدد الأقليات وتنتشر في أنحاء العالم بل داخل البلد الواحد، وغالبًا ما تتعرض تلك الأقليات لضياع حقوقها المدنية والإنسانية ولا تستطيع الدفاع عن نفسها، ليس هذا وحسب بل أحيانًا يتعرض البعض منها للاضطهاد والتعذيب والإبادة الجماعية، مثل ما يعرف باسم التطهير العرقي، هذا كله كان دافعًا لإنشاء المنظمات الحقوقية التي تدافع عنها، وتجعل لها ضوابط وحقوق تجاه المجتمع الدولي.
وهناك العديد من الأقليات بين قومية ودينية وعرقية واقتصادية وثقافية ومذهبية إلى غيرها من الاختلافات، وقد نرى أسماء مختلفة لتلك الأقليات، مثل جالية أو فرقة أو جماعة وغيرها؛ فهي متعددة ومنتشرة وتختلف من حيث الأيديولوجية والاسم.
والأقليات مجموعات ذات عدد يقل عن الأغلبية المحيطة بها، وهي إما تتميز بفكر أو اعتقاد أو سلوك أو ممارسات مختلفة، وإذا أحضرنا ورقة ورسمنا فيها دائرة كبيرة، ثم داخل تلك الدائرة الكبيرة رسمنا عددًا من الدوائر الأقل حجمًا، وحول تلك الدوائر نرسم عددًا من الدوائر الصغيرة بألوان مختلفة، إن الدائرة الكبيرة تمثل العالم، والدوائر الأقل حجمًا التي بداخلها تمثل البلاد، والدوائر الصغيرة المحيطة والمنتشرة مختلفة الألوان تمثل الأقليات في العالم، إن تعبيرنا عن الدائرة الكبيرة بالدولة والدوائر الصغيرة بالأقليات يعني أنه يمكن أن نجد في الدولة الواحدة العديد من الأقليات، التي عادة ما تظهر بناء على عمليتي الهجرة أو التهجير؛ فالهجرة تكون طواعية، أي خروج مجموعة بإرادتها على أعقاب دوافع اقتصادية أو اعتقادية، كهجرة الهنود والباكستانيين إلى دول الخليج العربي بدافع اقتصادي، وهو تحسين مستوى المعيشة، أو كهجرة جماعة، أو مجموعة كبيرة على خلفية اعتقاد سياسي، أو ديني؛ فرارًا من الاضطهاد، وحرصًا على حياتهم وأمنهم وسلامتهم، وأملًا في تحقيق معتقداتهم ونشر أفكارهم في مجتمعات أخرى تكفل لهم سبل الحرية وحق التعبير.
كما يسعون أيضًا إلى مناصرة من لم يتمكن من تلك الهجرة شبه الجبرية ودعمه، أما التهجير فهو حركة قسرية، يطرد فيها السكان من ديارهم بالقوة إلى مكان آخر يصبحون فيه أقلية، مثل تهجير مسلمي شعب الروهينغا وطردهم إلى بنجلادش من قبل السلطة البوذية الحاكمة في ميانمار «بورما»، وفي أواخر القرن العشرين أيضًا تم تهجير شعب Karen المسيحي إلى تايلاند من قبل السلطة البوذية الحاكمة نفسها في ميانمار، وما نراه في سوريا واليمن والعراق من صراعات تدفع بالعديد من مواطنين تلك البلاد إلى الهجرة القسرية حرصًا على أرواحهم وبدافع البحث عن الأمن والأمان، ما نتج عنه نشأه أقليات منهم في بلاد كثيرة طلبوا فيها اللجوء الإنساني يلتمسون توفير أبسط الحقوق الإنسانية حق الحياة.
وتعد تركيا وكندا والسويد وأستراليا وألمانيا وبريطانيا وهولندا من أبرز البلدان التي قدمت العون للاجئين، رغم بعض العقبات التي تواجه اللاجئ ويحاول التغلب عليها في تلك البلدان، إلا أن لتركيا النصيب الأكبر في دعم اللاجئين السوريين؛ حيث استوعبت وحدها عددًا أوشك أن يتجاوز الثلاثة ملايين لاجئ سوري من إجمالي 4.85 مليون لاجئ سوري بالعالم، زاد عليه 250 ألف لاجئ في بدايات العام الحالي.
ومن هنا يجب التركيز على دور المنظمات الدولية والمحلية لحقوق الإنسان من أجل نصرة اللاجئين والدفاع عن تلك الأقليات وكفالة حقوقهم، وجدير أن نشيد بدور الحكومة التركية في هذا، وقد لمست دور وزارة العدل الكورية بشكل عام في استيعاب العديد من اللاجئين وبحث قضاياهم للتأكد من أحقيتهم في الحصول على اللجوء وتقديم إقامة مؤقتة لهم، ورغم سهولة بعض الإجراءات وطول الفترة الزمنية واحتمالات الخطأ والضغوط التي يقع فيها مقدم طلب اللجوء يجعل كثرة الخطوات والإجراءات رغم سهولتها عبئًا عليه يتعرض معه للخطأ والسهو والنسيان في بعض الأحوال، مما يقلل فرصة حصوله على اللجوء، وهنا يظهر دور المنظمات الحقوقية في دعم قضايا اللاجئين كمنظمة Nancen بكوريا الجنوبية؛ حيث تحتوي اللاجئين بشكل عام، فتيسر لهم ترتيب أوراقهم وتكون على صلة بالحكومة وعلى دراية بقوانين الدولة وتقوم بمخاطبة الهيئات الدفاعية كمكتب Lee&Ko الذي يتبنى قضايا اللاجئين، وكذلك أيضًا مكتب الأمم المتحدة UNHCR لشؤون اللاجئين الذي يفتح أبوابه مقدمًا يد العون والمساعدة في توفير مسكن ملائم ونفقات معيشية بعد دراسة مدى صدق اللاجئ وأحقيته في ذلك، وربما تأخذ مناقشة تلك الأمور فترات زمنية لا يستطيع بعض اللاجئين تحملها مما تعرضهم لمخاطر وضغوط.
إن عصبة الأمم المتحدة تضمن حقوق الأقليات في العالم بشكل مباشر أو من خلال الدول التي تلجأ لها تلك الأقليات، كما أن الأسس والمعايير التي يتم عليها حماية تلك الأقليات تكون على أساس الجنس واللغة والدين أو العرق وفق ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) 1948 على أساس الحرية والعدل والسلام في العالم للجميع، وبما أن الحقوق المدنية والسياسية الموقعة في السادس عشر من ديسمبر 1966 تنص في مادتيها «26، 27» على أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون، بغض النظر عن العنصر، أو الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو الدين، أو الآراء السياسية، أو الأصل القومي والاجتماعي، أو مكان المولد وغيره.
ومما لا شك فيه أن حقوق الإنسان التي هي أحد أهم مطالب الأقليات ترتبط بشكل أساسي بجودة الصحة والتعليم؛ ففي ظل ضياع التعليم والصحة وحرية الرأي والتعبير في المناخ الديكتاتوري، والذي يظهر فيه سلب الفرقة الموالية للحاكم كل الخيرات للدولة عن غيرهم فنجدهم يتمتعون بتعليم جيد ونفوذ ودعم مادي ورعاية صحية متميزة وأندية خاصة؛ بحيث تراهم يشكلون دولة داخل الدولة، دولة قامت على أساس التمايز والعنصرية تحميها قوى الإكراه المادي، وهذا يدفع تلك الشعوب المسمومة إعلاميًّا والمنشغلة بتدابير تكاليف المعيشة طامعة في أن تصل إلى حد الكفاف إلى القيام بثورة جياع، وهذا ما سنراه مستقبلًا بتلك الدول التي فيها أقلية غريبة عن سياق الأقليات المعذبة، إنها أقلية منعمة تتمتع بما يزيد عن احتياجاتها من أجل الحفاظ على منظومة الفساد في تلك الدول، وخلال تلك الفترة تظهر جماعات أو فرق تنحرف عن المسار تسعى إلى تحقيق العدالة دون قانون بعد ضياع العدالة وقمع حرية الرأي والتعبير ضمن أهدافها الانتقام من كبار رموز الفساد الذين تسببوا في ضياع العدل وقمعوا الحريات، وهذا ما يفسر لنا أحداث العنف في بعض تلك الدول التي تنتهج هذا النهج في سياستها، مما يوحى للعالم خارج دائرة تلك الدولة أنه إرهاب دولي ممنهج، وإنما هو في واقع الأمر إرهاب تمخض من عباءة تلك الأقلية الفاسدة حكومة وحكامًا وموالين لهم من رجال الاقتصاد والإعلام، أو ربما تتم صناعته على يد الأجهزة الأمنية لتنفيذ أهداف سياسية داخلية وخارجية.
إن النماذج الناجحة التي قامت على تصحيح مساراتها، والارتقاء بشعوبها، وتحقيق العدالة وحقوق الإنسان في أراضيها سريعًا، مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة، تلك الدول تمثل قوى اقتصادية ويتوفر فيها أعلى مستويات التعليم والصحة عما كان من ذي قبل في فترة زمنية وجيزة؛ بل تتمتع أيضًا بحرية الرأي والتعبير.
إن القوانين الدولية تنص على حماية الهوية الثقافية والاجتماعية وتعزيزها، بما في ذلك حق الأفراد في اختيار أي من الجماعات العرقية أو اللغوية أو الدينية يعرفون بها، كما يجب أن يكفل لهم الحق في المشاركة الفعالة في الحياة العامة ولا يدفع بهم إلى الانفصال عن هذا المجتمع.
إن أهم حقوق الأقليات يتلخص في كفالة حق الحياة الكريمة لهم بالحفاظ على ما يعتنقون من أفكار وسياسات أو دين، بشرط ألا تمثل خطرًا على حياة الآخر وحريته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد