مراجعة و تعليق على كتاب

2- في مجال العلاقات العاطفية والشخصية

أي علاقة عاطفية أو شخصية بين شخصين أو أكثر لا يمكن أن تبنى على أكثر من ثلاثة أركان: الشريكين والعلاقة. تحفز عقلية الثبات الإيمان بأن الذات أو الشريك يحمل العبء الأقصى من المسؤولية تجاه العلاقة، وبالتالي هو فقط من يمكن لومه في حالة تدهور العلاقة (158). بالنسبة لهذه العقلية فمنظور ثبات الخصال الشخصية يكون طاغيًا في تفسيره لحالات التوتر الطبيعية التي تحدث لأي علاقة بين الفينة والأخرى، لذا فالقاعدة في حالات انكسار القلب هي: «ما أحلى الانتقام» (145). على الجانب الآخر فمنظور عقلية النمو للعلاقات يمتد لأكثر من رؤية الأشخاص والشخصيات ككائنات تنمو وتتغير، فهي تتعداها لتمعن النظر في الركن الثالث؛ أي طبيعة العلاقة نفسها، فهي أيضًا قابلة للنمو بالتعلم من الأخطاء وهو ما يستتبع مغفرة الأخطاء والمضي إلى الأمام (145).

القصة التالية تقدم مثالًا رائعًا لعقلية النمو (وقد ذكرت سابقًا أن الحاجة نحو العقلية تكون على أشدها في أوقات الأزمات): كان يوم زواج «نيكون كانتوس» مهيبًا، فهي ابنة أحد العوائل الأمريكية الثرية، وقد حظي الحفل بتغطية إعلامية واسعة (147). تبدأ الكارثة حينما انتظر الجميع العريس لفترة طويلة لتكتشف نيكول قبل الجميع لاحقًا أنه هرب. على الرغم من الصدمة الأولية التي عانت منها، فقد استجمعت قواها ولبست الأسود وظهرت أمام المدعوين بكل شجاعة ورقصت لوحدها على أنغام أغنية «I will survive». احتفى الإعلام لاحقًا بشجاعة نيكول، وخلال سنوات معدودة وقفت نيكول أمام نفس المدعوين من جديد مرتدية نفس الفستان وفي نفس الكنيسة لتتزوج من الشاب الذي يستحقها. وعندما سئلت عما إذا كانت خائفة من أن يتكرر المشهد نفسه ردت بكل ثقة بأنها كانت تعلم بأن حبيبها سيكون هناك.

لنعلم كيف يتصرف أصحاب كلا العقليتين إزاء العلاقات العاطفية والزوجية سنلقي نظرة على انفعالات أصحاب عقلية الثبات ونترك للقراء استقراء أصحاب عقلية النمو. ينطلق أصحاب عقلية الثبات من منظورين في العلاقات (148-153): المنظور الأول هو أن علاقة الحب هي علاقة تلقائية لا تستدعي العمل بجد لبلوغ ذروتها. يقابل هذا في الثقافة العربية: «إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة .. فلا خير في ود يجيء تكلفا».

نحن لا نعيب هذا القول للشافعي بقدر ما نشير إلى أن الود لا ينمو بطبعه بقدر ما يحتاج إلى الرعاية كما أشار الشافعي في نفس القصيدة «وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا». إن القول بطبيعة علاقات الحب يحمل صاحبه على استتباعه بعدد من المسلمات تكون في ذاتها مفاتيح للكثير من المشكلات الشخصية. فالقول بأن حبيبي أو شريكي يجب أن يقرأ ما في قلبي وعقلي ويعلم ماذا أحتاج ومتى أحتاج هو مثال على أحد هذه المسلمات، بينما الواجب هو النقاش والتواصل. يعتقد صاحب عقلية الثبات في العلاقات أن الحبيبين هما من لا يختلفان على الأقل في الآراء الجوهرية، وقد يصل الأمر إلى عدم تقبل أي اختلاف في وجهات النظر ولو كان صغيرًا.

ويشبه ذلك الإيمان بثبات دور ومسؤوليات كلا الشريكين في الحياة الزوجية دونما تداخل مع الطرف الآخر. وهذه النقطة بالذات سبب لكثير من الخلافات الزوجية في الشرق والغرب. فالصورة التي يصنعها الرجل لدور المرأة أو العكس تدخله في دوامة عند تداخل هذه الأدوار، فعلى سبيل المثال يصبح الجواب على هذه الأسئلة بؤرة لخلافات أسرية عميقة: «من سيذهب بالصغير إلى الحمام؟»، «من سينظف أعقاب السجائر؟»، و«من سيذهب إلى المتجر للتبضع؟» … إلخ. قليل من التفاهم والنقاش قد ينهي المسألة بتقديم التنازلات طالما أنه لا شيء ثابت (أو أنه يقبل التغيير).

من المشاكل التي تنشأ عن الثبات الإكثار من الافتراض والتقليل من النقاش، حيث يقوم الشريك ببناء سيناريو معقد جاهز في رأسه عن موقف ما ويبدأ بإساءة فهمه للأمور قبل أن يستجيب لهذه الوساوس التي في رأسه بانفعال كان من الممكن تلافيه لو أخذت الأمور منحنى مختلفًا من النقاش والتواصل وقطع الطريق على كل هذه الأفكار. وكما ختمت البروفيسورة دويك هذا الشطر من كتابها بأن نهاية قصص الحب الخيالية القائلة بأنهم «عاشوا في سعادة إلى الأبد» يجدر أن تتغير لتصبح و«عملوا في سعادة إلى الأبد».

المنظور الثاني هو ما أوضحته سابقًا من تشخيصٍ للقضايا واعتبار أن المشاكل تعكس أخطاء في شخصية أصحابها، تبعًا لثبات ذواتهم وعدم قابليتها للتعلم والتغيير (عقلية الثبات). فقد يرى الشريك أن لا معنى للحوار والنقاش فشريكي لا ولن يفهمني لأنه (هكذا \ جامد \ منغلق \ جاف عاطفيًا \ أناني \ رجعي)، وهي أحكام يراد تنميطها في الشريك واعتبارها حقائق أو مسلمات لا ولن تتغير، وبالتالي لا معنى للبحث عن حلول أو التواصل والنقاش حولها.

وإذا تم التوصل إلى حل فلن يكون مقبولاً بالنسبة لكلا الطرفين ما هو أقل من التحول الشامل اللحظي السحري وعدم الاعتقاد بتدرج التغير، فالشخصية بالنسبة لهم ليست كائنًا ناميًا بل مجرد صفيحة لا تتغير بالمجهود والتصحيح المستمر، بل بالانتقال المباشر من حال إلى حال مختلفة. يمكن وصف ذلك بأنه الاعتقاد بأن «القابلية للتغيير» يجب أن تصبح «حتمية التغيير» (could تتحول لتصبح must). وبما أن آخر الداء الكي، وفي حالتنا هذه هو الانفصال أو الطلاق، فالعقلية ستصاحب صاحبها أيضًا إلى ما وراء تلك العلاقة، وسيكون الاعتقاد القائد أن هناك في مكان ما وزمن ما ذلك الإنسان أو الشريك أو الحبيب الكامل الرائع الشخصية الذي يستحقني، والذي لن يحتاج إلى أن يتغير ليفهمني، أو في أحسن الحالات سيحتاج إلى القليل من التغيير ليفعل ذلك. يمكن تلخيص ما سبق في عبارة أن عقلية الثبات تواجه الأشخاص عند حدوث المشكلات بينما عقلية النمو تواجه المشكلات عند اختلاف الأشخاص، فكل شيء قابل للتغيير والمشكلة لا تعكس أخطاء فردية كما هي قابلة للتعلم منها لتفاديها في المستقبل.

3- في مجال التربية والتعليم

إن تطبيق مبادئ عقليتي النمو والثبات على الأطفال هي أخطر وأهم نتيجة لهذه النظرية. فمنشأ كلا العقليتين يكمن في مفتاح الرسائل التي يقدمها الوالدين إلى أطفالهم في المقام الأول، ثم إلى تنشئة المدرسة وتربية المعلم في المقام الثاني (176). إن أحد أهم دراسات البروفيسورة دويك هي تجربة الثناء على الأطفال، حيث قدمت سلسلة من الأحجيات متدرجة الصعوبة من الأسهل إلى الأصعب وقسمت الأطفال إلى مجموعتين بناء على نوع الثناء الذي يقال لهم عند حل الأحجية، مجموعة أثنت على ذواتهم بقولها «أنت ذكي» والأخرى أثنت على عملها بقولها «يبدو أنك بذلت جهدًا لتعلم حلها».

حاولت دويك بذلك أن تستبطن عقلية الثبات في المجموعة الأولى وعقلية النمو في المجموعة الثانية. النتيجة كانت أن الأطفال في مجموعة عقلية الثبات كانوا يميلون إلى رفض المحاولة لحل أحجيات أصعب والاكتفاء بالمستويات السهلة في كل مرة، بينما في مجموعة عقلية النمو كان الأطفال يفضلون محاولة حل أحجيات أصعب في كل مرة. توصلت دويك إلى نتيجتين مهمتين: الأولى أن العقلية يمكن التأثير عليها عن طريق الرسائل والصور التي نغرسها في عقل المتلقي، ولو مؤقتًا. ثانيًا أن الطفل في مجموعة عقلية الثبات كان يحقق نتائج مدحه بأنه ذكي بابتعاده عن كل ما ينافي ذكاءه؛ فإن محاولة حل أحجيات أصعب تعني أنه إذا فشل فلن يكون ذكيًا. يظهر من ذلك أن المديح الخاطئ للأطفال قد يصنع منهم كاذبين لا هم لهم سوى التغطية على عدم نجاح محاولاتهم وإحاطة أنفسهم بهالة تحافظ على منجزاتهم وتمنعهم من الخروج واستكشاف آفاق أرحب (73) تمامًا مثل شركة نوكيا عند عدم تقبلها لنظام أندرويد.

صيغ المديح التي تحفز الطفل على تَبَنِّي عقلية النمو كثيرة وغير منتهية طالما تحمل الطفل على القيام بالمزيد من الجهد والمحاولة والتركيز على التدريب والتعليم وعدم شخصنة نجاحه أو فشله، بل إرجاع ذلك للعمل الذي قام به وليس ذاته أو قدراته أو شخصيته. ذكرت البروفيسورة دويك صيغًا كثيرة نذكر منها: «واو! لقد كان هذا سهلا، لم لا نحاول القيام بشيء يمكن أن نتعلم منه» «واو! يبدو أنك تحاول كثيرًا» «العمل الذي قمت به جيد، هل تريد المحاولة مرة أخرى» (178).

بالنسبة للوالدين فإن مديح الأطفال ليست الطريقة الوحيدة لإيصال رسائل تحمل إشارات لعقلية النمو. أحد أهم أسباب تبني الطفل لعقلية الثبات هو تعنيفه عند الخطأ، فالطفل بذلك سيعتبر أن الطريقة الوحيدة للحصول على الأمان والحب هو عدم القيام بأي خطأ. والنتيجة الطبيعية لذلك هو الاعتقاد أن النجاح أو التفوق أو الفوز لا بد أن يكونا بغير أخطاء، أي دون محاولات؛ وهذا هو جوهر عقلية الثبات. إن الطفل بحاجة إلى أن يشعر بالاطمئنان والحب بغض النظر عن تصرفاته؛ أي حب غير مشروط. لذا فحينما يُسْقِطُ الطفل أو يكسر شيئًا، طمئنه أنه لم يحدث شيء ذو بال ثم باشر معه بإصلاحه فورًا بدلًا من معاقبته ليتعلم بذلك أن أفضل طريقة لعدم القيام بالخطأ هي إصلاحه حينما يحدث، أو أن يتعلم كيف يقوم بها بشكل أفضل. يكفي تغيير مفهوم العقوبة ليتحول إلى الإصلاح بدلًا من إلحاق الأذى. تحكي البروفيسورة دويك قصة مثالية تجسد مبدأ عقلية النمو عن الطفل الذي أسقط علبة المسامير، حيث صاح معلقًا:

الطفل: «كم أنا أحمق! لقد أَسْقَطْتُ علبة المسامير»

يلتفت الأب إليه ويقول في رفق: «لا يوجد شخص أحمق وشخص غير أحمق، هل تعلم ماذا يجب أن نفعل إذا أسقطنا علبة المسامير؟»

نظر الابن إلى أبيه وقال متعجبًا: «ماذا نفعل؟»

قال الأب: «أن نعيد جمعها من جديد».

هز الابن كتفيه متعجبًا قائلاً: «هذا فقط!»

فرد الأب: «نعم يا بني».

إن الصورة المثالية عند الوالدين يمكن أن تكون هودجًا يحمل معه رسائل تحفز عقلية الثبات عند الأبناء. فالأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة لا يرون أنفسهم إلا من خلال أعين والديهم، وهو أمر صحي لتعلم الكلام والمهارات الاجتماعية ليلائموا البيئة المحيطة بهم. إنهم يضعون أنفسهم في عقلية ثبات تتحرى الصورة المثالية عند الوالدين للحصول على الحب والشعور بالاطمئنان (225). تكمن المشكلة عند استمرار ذلك لما بعد الطفولة المبكرة، حيث يبدأ الأطفال بتشكيل شخصياتهم المميزة والخروج عن إطار المثاليات الأبوي.

إِنْ تُرِكَ هذا الأمر بدون توجيه فسينحو المراهق لاحقًا إلى القيام بما يجعله يبدو ذكيًا ومستقلًا سواء في عيني أبويه أو في عيون الآخرين، من جهة ليحقق مثالياتهم إن كان لا يزال أسيرًا لنظرتهم، ومن جهة أخرى ليثبت لهم أنه أصبح بالغًا مستقلاً (58-59). على الوالدين الحذر من الصور المثالية غير الواقعية مثل القول بأننا نريدك أن تكون الأفضل أو وضع تصور متكامل لما «يجب» أن يكون عليه الأبناء. لا يعني ذلك عدم وضع طموح، ولكن لتفادي الوقوع في براثن عقلية الثبات، على الوالدين تحفيز المجهود أكثر من النتيجة والنجاح (192)، وإعطاء مساحة خاصة للنمو وتشكيل الشخصية بما يتناسب مع كل فرد على حدة حتى ما بعد مرحلة المراهقة، ليصبح الأبناء بذلك أصدقاء لوالديهم لا تابعين لهم.

وأخيرًا فالطفل يحتاج إلى ما هو أكثر من المديح والتشجيع لتَبَنِّي عقلية النمو، فمناقشته ومحاولة إقناعه وإخباره الأمثلة والقصص والحديث معه عن ما تعلمه وما يمكن أن يتعلمه ستقدم له مساعدة قيمة (234-236). إنَّ زرع عقلية النمو يحتاج إلى ممارستها في الحياة وتبنيها من قبل الأبوين قبل كل شيء، ففاقد الشيء لا يعطيه.

خاتمة

كما توضح التطبيقات الإدارية والشخصية والتربوية والرياضية لنظرية العقلية، فإن الملامح العامة لكلا العقليتين تتكرر في كل هذه المجالات، وتتلخص بالآتي:

أ- بالنسبة لصاحب عقلية الثبات فإن كل شيء يتعلق به وبذاته، فالذكاء والفوز والنجاح هي أمور تحقق ذاته وجوهره (230)، الحكم على نفسه وعلى الآخرين هو أداته، فهو يتأرجح بين كونه «الأفضل» تارة و«الأكثر فشلاً» تارة أخرى (240)، فكل شيء يمثل جوهره وكينونته الثابتة الأزلية. إنه يحمي نفسه بحرص مستخدمًا مختلف أنواع الدروع النفسية مثل التخصص (كقوله: «هذا ليس تخصصي»)، أو الانعزال أو الشعور بالتميز (كقوله: «أنا لا أجالس هذه النوعية من الناس»، أو قوله: «أنا لا أناقش مثل هذه الأمور»)، حتى لا يعرض ذاته «المقدسة!» للنقد، وهو ما سيقف عائقًا أمام نموه إلى آفاق أوسع (232). إِنْ حاول القيام بعمل خارج حدود منطقة الراحة الخاصة به، فإما أنه لا يبذل مجهودًا كافيًا، أو لا يستخدم ويجرب استراتيجيات مختلفة للوصول إلى الحل، والنتيجة أنه سيتوقف عن المحاولة مرجعًا الخطأ إلى أي عامل عدا ذاته «المعصومة».

ب- بالنسبة لصاحب عقلية النمو فإن كل شيء عنده يتعلق بما يتعلم منه لينتقل إلى الخطوة التالية (227). لا شيء بالنسبة له يتعلق بجوهره، كما هي ليست معركة بين ذاته «السيئة» وذاته «الجيدة»، إنها فقط ببساطة عملية تعلم ملأى بالأخطاء والمحاولات المستمرة (241). لديه الجرأة التي تدفعه إلى مواجهة أسوأ مخاوفه ليتعلم منها، خصوصًا في علاقاته مع الآخرين (233). عندما يحاول أن يتقن شيئًا جديدًا فهو يحاول بكل ما أوتي من قوة، وقاعدته دائمًا: «هناك دائمًا طريقة للقيام بالأمور» (240).

إن قصة عقليتي النمو والثبات يمكن أن تُخْتَمَ بالقول إن عقلية النمو هي إطار عمل للتعلم بينما عقلية الثبات هي إطار عمل للحكم على الذات وعلى الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد