«اقعدي يا ياسمين لسه بدري على الغداء» تلك إحدى العبارات الطريفة التي ما برح رئيس البرلمان المصري أن يجود بها علينا بين جلسة وأخرى، ولسنا في مجال حصر العبارات الطريفة تلك، بالرغم كثرتها، وأحيانا غرابتها.

لكن المقام جد خطير وهام من جهة، وعبثي وهزلي من جهة أخرى؛ ففي الوقت الذي ينبغي – أو كان ينبغي – أن يحتفل المصريون بمرور الخمسين عامًا بعد المائة الأولى على أقدم مؤسسة تشريعية في العالم العربي، بل في العالم أجمع. وما يترتب على ذلك من بدهية وجود مؤسسة تشريعية مستقلة تضطلع بمهامها في أحسن ما يكون، أو إن شئت الدقة، تقوم بمهامها الموكلة لها كما رسمها الدستور.فإن الحديث مازال يدور حول الدور الغائب – أو لنقل المنعدم – لأحد الأركان الثلاثة التي تقوم عليها الدول.

فعلي الرغم من أن الدستور المصري قد وسع من الاختصاصات التي منحت لمجلس النواب، إلا أن البون شاسع بين الواقع العملي لمجلس النواب المصري وبين هذه الاختصاصات من جهة. ومن جهة أخري بين طموحات وآمال الشعب وبين أداء ممثليهم بالبرلمان.

لكن الأمر العبثي والهزلي هنا ليس بصدد الدور المفقود لمجلس النواب في الحياة المصرية بصفة عامة، وفي الحياة التشريعية بصفة خاصة.

لكن الأعمق والأخطر ما يدور الآن في كينونة هذا المجلس، وهل هو بالفعل ممثل عن الشعب المصري؟ أم هو لسان حال الحكومة المصرية؟ وبصيغة أخرى: هل يعد مجلس النواب سلطة مستقلة بذاتها أم هو إحدى وزارات السلطة التنفيذية؟

هذا التصور يعيدنا إلى مرحلة خطيرة من مراحل انتكاس الحياة النيابية بأي مجتمع ديمقراطي يتطلع إلى التقدم والازدهار.

وربما يكون هذا التصور قد جانبه الصواب؛ لكن المطلع إلى التشريعات التي تمخض عنها المجلس، ودوره الرقابي على أعمال السلطة التنفيذية، ناهيك عن أدواره الأخرى. حتمًا سينتهي إلى أن المجلس النيابي المصري يغرد وحده في برج عاجي، بعيدًا عن واقع الشعب المصري، وما يعانيه، وما يعيشه صبح مساء، وحتمًا لن يفيد هذا التغريد طالما لم يعبر عن نبض الشعب.

والبين أن الحياه النيابية في مصر قد أصابها انتكاسة أثرت دون شك على المواطن المصري في كل مناحي الحياة، وينبغي لكي تبث الحياة لهذا المجلس، ويفيق من كبوته ويحقق ما يرنو له الشعب المصري، أن يثبت في يقينه أنه سلطة مستقلة لا تعلوه سلطة ولا يخضع أو يتبع سلطة أخرى، وأن رئيسه هو رئيس مجلس نيابي، وليس الوزير رقم 34 من وزراء السلطة التنفيذية، بل تخضع أعمال السلطة الأخيرة لمراقبته وفقًا للدستور.

وإذا ما وقر في يقين السلطة التشريعية ذلك ناهيك عن معرفة كل نائب بما له وماعليه من حقوق والتزامات، فإن ذلك سينعكس بالإيجاب على المواطن المصري، بل الوطن كله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد