في صحيح البخاري، وفي صحيح مسلم ورد حديث كثيرًا ما أثار الجدل، ولا زال يثيره؛ وهو حديث «النساء ناقصات عقل ودين»، وهو من أكثر الأحاديث التي يُساء فهمها قديمًا وحديثًا، ويُساء للإسلام بها.

روايات الحديث في الصحيحين

الحديث أورده الإمام البخاري بأربع روايات في أربعة كتب وأبواب مختلفة من صحيحه. في كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (‏304)، وفي كتاب الزكاة، ‏باب الزكاة على الأقارب ‏(‏1462)، وهاتان الروايتان كانتا كاملتين للحديث، بينما في الحديث (1951) في كتاب الصوم، باب الحائض تترك الصوم والصلاة، لم يُذكر فيه ظروف رواية الحديث، ولا أمر نقص العقل، وفقط اقتصر على ذكر نقص الدين. أما الحديث (2658) بكتاب الشهادات، باب شهادة النساء، فلم يُذكر فيه ظروف رواية الحديث، ولا أمر نقص الدين، وفقط اقتصر على ذكر نقص العقل.‏ والروايات الأربع اللاتي أوردهن الإمام البخاري كُن بنفس الإسناد إلى أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه.

ورواية الحديث الثانية (1462)، التي رواها الإمام البخاري في كتاب الزكاة، ‏باب الزكاة على الأقارب، كانت أدق رواية في توضيح ظروف وملابسات الحديث، حيث يتبين أن النبي كان قد وعظ في خطبة العيد وأمر بالصدقة عمومًا، ولمّا رأى نساء ربما ظن أنهن لم يسمعن ما قاله في خطبته، نظر إليهن، وأعاد الأمر والوعظ بالصدقة، وجاء ذكر نقص العقل والدين في السياق، لكن هذه الرواية يسقط منها عِلّة نسبة نقص العقل والدين إلى النساء، والذي يظهر من روايات أخرى، وهو أن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل، وأن المرأة إذا حاضت لم تصل ولم تصم.

(‏1462) حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر قال: أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله، عن أبي ‏سعيد الخدري رضي الله عنه،‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المُصلى، ثم انصرف، فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال: «أيها الناس، تصدقوا». فمرّ على النساء فقال: «يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار». ‏فقلن: وبِم ذلك يا رسول الله؟ قال: «تُكثرن اللعن، وتكفِّرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، ‏أذهب لِلُب الرجل الحازم من إحداكن، يا معشر النساء…».

بينما نجد الإمام مسلم قد رأى في الحديث بعدًا أعمق من أن تُستخلص منه فقط بعض الأحكام، الخاصة بالشهادة والصوم والصلاة والزكاة، فنراه أخرجه في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات، برواية عن ابن عمر، بإسنادين إليه، رقم 79، وكذا بنفس السند الذي أورده البخاري عن أبي سعيد، وبسند آخر عن أبي هريرة، رقم 80. وبالتالي يكون الإمام مسلم قد صحّح إسناد الحديث بأربعة أسانيد مختلفة، ليس في أي منها ذكر أن أمر الرسول للنساء كان يوم عيد، ولكن الروايات نصّت على أمر النساء بكثرة الصدقة وكثرة الاستغفار، وأثبتت قول الرسول للنساء أنهن ناقصات عقل ودين.

كوامل النساء!

في صحيحيّ البخاري ومسلم، وردت روايات حديث آخر نسب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الكمال لبعض النساء وحدّدهن. صحيح أنه قد أورد بعض رواة الحديث الآخرين نساء أُخريات إضافة إليهن في روايات أخرى، لكن لا يعنينا تحديد هويات هؤلاء السيدات العظيمات، ولا تدرج أفضليتهن، وغيرها من المباحث. يعنينا فقط بحث معنى الكمال المنسوب لعينة محددة منسوبة لمجتمع أكبر موصوف بالنقص!

روايات الحديث الأربع في صحيح البخاري والرواية في صحيح مسلم، كلها تصل إلى شُعبَةَ، عَن عَمرِو بنِ مُرةَ، عَن مُرةَ الهَمدَانِي، عَن أَبِي مُوسَى ‏الأشعري. والروايات الأربع بصحيح البخاري، اثنتان منها وردتا في كتاب أحاديث الأنبياء، برقميّ (3411) و (3433)، وفي كتاب فضائل الصحابة (3769)، وفي كتاب الأطعمة (5418). وأخرجه الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة (2431).

(3411) حَدثَنَا يَحيَى بنُ جَعفَرٍ، حَدثنَا وَكِيعٌ، عَن شُعبَةَ، عَن عَمرِو بنِ مُرةَ، عَن مُرةَ الهَمدَانِي، عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلمَ: » كَمَلَ مِنَ الرجَالِ كَثِيرٌ، وَلَم يَكمُل مِنَ النسَاءِ: إِلا آسِيَةُ امرَأَةُ فِرعَونَ، ومَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ، وَإِن فَضلَ عَائِشَةَ عَلَى النسَاءِ كَفَضلِ الثرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطعَامِ».

تفسير علمائنا لكمال النساء

لمّا كانت روايات أحاديث نقص العقل والدين قد جاء في متنها تعليل ذلك النقص المنسوب لعموم النساء في العقل والدين، عدا الرواية التي أوردها البخاري في كتاب الزكاة، والتي انفردت بتحديد الظروف التي وجّه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النساء فيها هذا القول، فلم يحاول المفسرون إعطاء أي تفسيرات لنقص العقل والدين غير ما نصّ عليه متن الروايات، فشهادة المرأة بنصف شهادة الرجل؛ وذلك نقص العقل، والمرأة إذا حاضت لم تُصل ولم تصم، وذلك نقص الدين.‏

لكن لم يكن الأمر على هذا النحو فيما يخص تفسير الروايات التي ذكرت كمال نساء محددات بأعينهن. وبالرجوع إلى «فتح الباري» و «المنهاج» لنرى ما ذكره وما نقله الإمامان ابن حجر العسقلاني والنووي في شروح تلك الأحاديث، نجد أن الملاحظ على تفسير علمائنا للأحاديث التي ورد فيها لفظ كمال بعض النساء أنها تكاد تكون انحصرت في بعض من استدل بها على نبوة السيدتين آسية ومريم تحديدًا، وغيرهن كالسيدات حواء وسارة وهاجر وأم موسى؛ لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء، بينما رد عليهم الجمهور بأن السيدة مريم بنص القرآن «صدِّيقة»، ولم تُوصف بأنها نبية، كما أن هناك روايات تثبت فضل وكمال السيدة خديجة والسيدة فاطمة والسيدة عائشة، ومعلوم أن أيًا منهن لم تكن نبية.

واكتفى علماؤنا بتعريف الكمال المقصود. قال النووي في «المنهاج» (ج15، ص198: 199): «ولفظة الكمال تُطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه. والمراد هنا التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى».

لكن لم يحاول أي من علمائنا ربط أحاديث كمال بعض النساء، بالأحاديث التي نسبت لعمومهن النقص، رغم أني أرى ذلك كان أولى بهم من الرد على القائلين بأن المراد بالكمال النبوة.

فكأن علماءنا قد عزّ عليهم أن يكون الكمال المقصود لهذه الفئة المنزورة هو كمال العقل والدين. والمفترض أن التفسير الأقرب للكمال هو عكس ما أخبر به عن نقص عموم جنسها.

وكي لا نظلمهم أقول: ربما كان المانع من هذا الربط أنه سيقطع بأن هؤلاء النساء المذكورات تامات العقل والدين، وتمام العقل إن خصّ هؤلاء الفضليات تحديدًا لم يكن ليُثير الحفيظة الذكورية للعلماء، لكن تمام الدين بالنسبة للعلماء يعاكس نقص الصلاة والصوم المعروفين عن عموم النساء.

نقص الدين

نعلم أن هناك خلافًا حول مسألة زيادة ونقص الإيمان بين علماء المسلمين، ورُكنية العمل من الإيمان. سبق أن تناولته في مقال «كيف يزيد الإيمان وينقص؟». وكبار أئمة المسلمين على أن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله، وهو الشهادتين، والعمل هو شرط كمال للإيمان، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوّت على نفسه الكمال.

وأعتقد أن حديث «ناقصات عقل ودين» يُرجِّح رأي جمهور المسلمين بأن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله، وترك العمل أيًا كان طالما ليس إنكارًا له، فإنه وإن أنقص الإيمان، فهو لا يُزيله، وإلا فعموم النساء في أوقات حيضهن غير مؤمنات! وذكرنا توسع الإمام مسلم تحديدًا في دلالة حديث نقصان العقل والدين؛ فوضعه في كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات، فيكون قد استشف منه ما هو أكبر من مجرد أحكام، مثلما فعل الإمام البخاري.

وكما هو معلوم فإن الله سبحانه وتعالى هو من حطّ عن المرأة التكليف بالصلاة والصوم وقت حيضها تخفيفًا عنها. والمقصود بالحديث أن المرأة، ومهما كانت درجة إيمانها، فهي بطبيعتها يُنزع عنها التكليف بالصلاة والصوم في أوقات معينة، وبالتالي ستظل عبادتها ناقصة مقارنة بالرجال المواظبين على أداء فرائضهم.

لكن، هل نقص العبادة يقع من النساء وحدهن؟ أم أنه من المنطقي أنه يحدث من كثير من الرجال أيضًا ولأسباب لا يُعذرون فيها؟ وكم من رجال لا يؤدون العبادات، فكيف فهم من فهم أن كل رجل كامل الدين بالضرورة، وبعضهم لا دين له؟!

والأغرب أنه بينما لم يتقبل علماؤنا فكرة أن كوامل النساء الفضليات لم يكنّ يُحطّ عنهن التكليف بالصلاة والصيام في أي وقت كما يعرض لعموم النساء، فإن هذا التفسير لم يغفل عنه العامة، فكثيرًا ما أخبرتنا جداتنا أن السيدة مريم حملت بالمسيح عليه السلام ولم تشعر به في بداية الحمل، لأن عوارض النساء لم تكن تأتيها. ونفس الشيء يُشاع عن السيدة فاطمة الزهراء، وأنها كانت تطهر وتصلي بعد ولادتها مباشرة، ولكن هذا الأمر لا سبيل إلى التأكد منه بالنسبة لهن ولا لغيرهن ممن وُصِفن بالكمال، وربما لهذا السبب لم يتبن أي من علمائنا هذا التفسير، فيما أعرف.

نقص العقل

جاء في متن أغلب روايات حديث «النساء ناقصات عقل ودين» تحديد سبب نقص العقل بأن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل. وهذا موافق لنص الآية الكريمة ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]. وقد علّل الله سبحانه وتعالى السبب الذي لأجله يستلزم وجود امرأتان وليس امرأة واحدة بالنسيان، وتحديدًا نسيان تفاصيل الحوادث. فكثيرًا ما يخلط الشهود في ترتيب الحوادث أو دقة وصف ما حدث، وقد يترتب على هذا إلحاق الظلم بالأبرياء.

ولكن، نعود فنُذكّر بأن الحق سبحانه وتعالى لم يجعل شهادة أي رجل بشهادة امرأتين، لأن عقول الناس تتفاوت رجالًا ونساءً، وقد تُقبل شهادة امرأة مرضيّة بينما هناك من الرجال من لا تُقبل شهادتهم من الأساس، وكان مؤرخو العصر العباسي يحتفون بمن تُقبل شهادته عند القضاة؛ حيث كانت تلك مفخرة كبيرة في العصور القديمة.

كما أن قيمة شهادة المرأة تختلف وفقًا لموضوع الشهادة، فتُقبل شهادة المرأة منفردة في مسائل حيث لا مجال لتطرق الشك حول إلمامها بتفاصيل ما تشهد فيه، كالولادة والرضاعة والعيوب المستورة، فليست حادثة قتل أو سرقة يُخشى أنها لم تر كل التفاصيل خوفًا على نفسها، أو ربما أثّرت فداحة الوقائع على ذاكرتها.

لكن مع ذلك فإن الإشارة القرآنية بأن المرأة، ولو كانت مرضيّة الشهادة، إلا أنها تظل بحاجة لمن تساعدها في بعض مواقف الشهادة، نستنتج منها بالضرورة وجود اختلاف بين عقل الرجل وعقل المرأة، ولكن يبقى الحديث يدور على الإجمال وليس التفصيل، ولا يُفهم منه تفوق الرجال عقليًا عمومًا على النساء.

عقل الرجل وعقل المرأة

هناك الكثير مما يُقال عن تركيب المخ، لكن نذكر باختصار ما يعنينا في مبحثنا هذا.

ينقسم المخ إلى فصين، فص أيمن وفص أيسر، يُشار إليهما عادة بالمخ الأيمن والمخ الأيسر. والنصفان الكرويان Cerebrum: يُعدان الكتلة العلوية الرئيسية لمخ الإنسان، حيث يملآن الجزء العلوي من الجمجمة، ويُعتبران أساس العمليات العقلية المعرفية، ويكون انقسامهما بالطول إلى أسفل عن طريق شق رونالدو وحتى المنتصف، بينما يرتبطان بعمق لأسفل قريبًا من مركز المخ بواسطة الجسم الجاسئ «المقرن الأعظم» Corpus Callosum، والذي يعمل باعتباره جسرًا بين النصفين الكرويين جاعلًا الاتصال بينهما ممكنًا. قطعه يخلق مخين منفصلين يعملان بشكل مستقل عن بعضهما البعض.

ويتحكم كل نصف كروي للمخ في الجانب المعاكس من الجسم نتيجة لتقاطع الحزم العصبية عبر الجسم في طريقها من المخ وإليه، ولا ينطبق هذا على مناطق الترابط The Association Areas التي توجد في الفصين الأماميين والفصين الجداريين فهي تتلقى رسائل من كلا جانبيّ الجسم.

بالنسبة للفروق بين أمخاخ الذكور والإناث، نجد أن الدراسات قد ركزت على الفروق بين الجنسين في (حجم المخ الكلي- الجسم الجاسئ- المهاد التحتاني)، حيث تظهر كل الدراسات تقريبًا أن مخ الذكور يكون أكبر حجمًا من مخ الإناث في مختلف الأعمار، لكن إذا أُخذت مقارنة حجم المخ بوزن الجسم في الاعتبار فإن حجم المخ المطلق ربما لا يكون القياس الأفضل للذكاء، كذلك أثبت العلماء وجود فروق بين أمخاخ الذكور والإناث في منطقتين من مناطق المهاد التحتاني إحداهما تكون الفروق بها في الحجم وعدد الخلايا، والأخرى في الشكل، لكنهما بحاجة للمزيد من الدراسات لتحديد وظائفهما بشكل أكثر تحديدًا.

وفيما يخص الفروق في الجسم الجاسئ الذي يربط نصفيّ المخ، وهي أكثر ما تعنينا عند الحديث عن أنماط التعلم والتفكير:

يذكر أحد الباحثين في المجال؛ تشادلر Chudler أنه بالرغم من أن الكثير من الدراسات قد حاولت أن تجد فروقًا بين الجنسين في النصفين الكرويين للمخ الأيمن والأيسر لتقترح أن أمخاخ الذكور والإناث تكون مختلفة، فإن القليل من هذه التجارب قد وجدت فروقًا ذات معنى بين الرجال والنساء، وأنه إذا كان هذا حقيقة فإننا يمكننا القول أن هناك الكثير من التشابهات بين النصفين الكرويين للرجال والنساء، وأنه حتى بالنسبة للادعاءات التي ذُكرت بأن الجسم الجاسئ يكون أكبر وأكثر تطورًا في النساء عنه في الرجال، فإنه باستخدام طرق الرنين المغناطيسي لم يجد بعض الباحثين فروقًا في حجم الجسم الجاسئ في الرجال والنساء، مما يجعله –تشادلر- يقترح في ضوء مراجعته لنتائج الدراسات العلمية الحالية أن الفروق في الكثير من السلوكيات المعرفية تكون متعلقة بالفروق الفردية بين البشر أكثر من كونها متعلقة بما إذا كان الأفراد ذكورًا أم إناثًا.

في المقابل، يشير باحثون إلى اختلاف في أسبقية تطور النصفين الكرويين في المخ بين أفراد كلا الجنسين، واختلاف في السيادة المخية، ومعلوم أن لكل نصف مخي وظائف مختلفة عن النصف الآخر؛ فتكون الفروق في سيادة النصف الأيسر أو النصف الأيمن من المخ أو التكامل بينهما له انعكاسه على تفكير الأفراد.

كذلك يوافق أغلب الباحثين في المجال على أن الإناث لديهن جزء خلفي متسع من الجسم الجاسئ، وهذا يشير إلى أنه قد تكون هناك ألياف عصبية أكثر تمر للخلف والأمام عبر الجسم الجاسئ مع احتمال لاتصال أكثر بين التراكيب المخية. مما يعني انتشار النمط المتكامل من أنماط التعلم والتفكير بينهن.‏ وتوجد دراسات كثيرة أشارت إلى أن النساء يستخدمن كلا نصفيّ المخ بتزامن، وكانت الفروق بين الجنسين ذات دلالة إحصائية.

وبوجه عام، يمكن القول أن الدراسات الحديثة قد أثبتت فكرة تكاملية المخ، كما أثبتت أيضًا فكرة السيادة لأحد النصفين الكرويين على حساب النصف الآخر؛ ذلك أنه إذا كان كل من النصفين الكرويين يعمل بشكل منفصل فما الفائدة من وجود الجسم الجاسئ الذي يربط بينهما، ولكن بينما يكون كلا النصفين الكرويين ضروريين في دمج المعلومات إلا أنهما لا يساهمان بشكل متساو، وهذا يختلف كما أرى عن التصور بأن أحد نصفيّ المخ الذي تكون له السيادة هو القادر وحده على التعلم، إذ أنه من المؤكد أن كلا النصفين الكرويين قادران على التعلم. وقدرة البشر على أداء مهام متزامنة دون تداخل يقطع بأن جميع البشر، رجالًا ونساءً، يدمجون المعلومات من كلا نصفيّ المخ، وأنهم يستخدمون نطاقات مختلفة منه في وقت واحد.

ويُشبِّه بعض الباحثين مخ المرأة بأنه مثل المنزل الذي تكون به حجرات كثيرة مُنيرة مفتوحة على بعضها، بينما يكون مخ الرجل مثل الحجرات المغلقة التي يُنير أي منها عندما يستلزم الأمر، لأن المرأة تستلزم منها طبيعتها الانشغال بأمور شتى لا يمكن تقديم أحدها على الآخر، لكن الرجل تكون له أولوياته في التفكير.

وبالعودة إلى مسألة الشهادة، فإنه والحال كذلك فإن الرجل العدل الذي شهد واقعة ما أقدر على تذكر تفاصيلها من امرأة مرضيّة الشهادة ومن العدول أيضًا، ليس لخيانة فيها، ولكن لأنها ربما تكون منشغلة في تفاصيل أشياء أخرى غير الواقعة المطلوب شهادتها فيها. فإن كانت الواقعة موضع الشهادة حادثة قتل أو سطو أو ما شابه فاحتمال أن تشهد كل تفاصيلها وتذكرها دون اختلاط لا شك سيكون أصعب.

النساء أكثر ميلًا للانحدار نحو المتوسط

عودٌ على بدء، فإنه بالنظر إلى متن الحديث الشريف سبب الإشكالية «النساء ناقصات عقل ودين»، سنجده كلامًا في المجمل، والشاذ –كما هو معلوم- لا حكم له. ولو نحينا نقص الدين المرتبط بأداء العبادات، فهل النساء في المجمل ناقصات عقل؟

هنا يكون الحديث الآخر عن كوامل النساء مفتاحًا للإجابة.

كل من درس الفروق النوعية بين الذكور والإناث يلاحظ أن النساء أكثر ميلًا للانحدار نحو المتوسط من الذكور، وذلك في جميع الصفات، النفسية والجسدية والعقلية.

لو أخذنا صفة جسمية كالطول على سبيل المثال، سنجد الانحراف المعياري عن المتوسط في النساء أقل بكثير من انحراف الذكور. نادرًا ما سنجد امرأة قزمة، كما أنه نادرًا ما سنجد امرأة فارعة الطول، بينما أغلب الأقزام رجال، وأغلب من يتعدى طولهم الحد الطبيعي أيضًا رجال.

يكفيك زيارة واحدة لفصل دراسي طلابه من الذكور، وآخر طالباته من الإناث لملاحظة الفرق. في حال الإناث تشعر وكأنك وضعت مسطرة على ارتفاع ما، والاختلاف طفيف عنه علوًا ونقصانًا، بينما في فصل الذكور ستجد أطوالًا شديدة التباين.

والذكاء العام كصفة عقلية كذلك يظهر فيه انحدار النساء نحو المتوسط، فالمتفوقون عقليًا أغلبهم رجال وكذلك المتخلفون. نادرًا ما نجد امرأة متخلفة أو امرأة عبقرية. التاريخ كتبه الرجال، والعظماء أغلبهم رجال، وأغلب المثقفين عبر التاريخ وحتى عصرنا الحاضر رجال، ومقدار إسهام المرأة عمومًا في العلم والثقافة لا يُقارن بإسهام الرجل. هذه حقيقة.

لكن لا ينبغي أيضًا أن نغفل دور التنشئة الاجتماعية في وجود هذه الفروق، فلا زالت أكثرية النساء تتم تنشئتهن على أن العلم ليس لهن، وأن الثقافة لا تناسب الأنوثة، وأن رأسك كلما امتلأ  فقدتي أنوثتك.

 

ولنقرر النقاط الآتية جليًا للحقائق

  • النساء أكثر تشابهًا فيما بينهن من الرجال، وأقرب في أي صفة إلى متوسط يجمعهن.
  • حتى لو أخذنا العظمة بمقاييسها البشرية وليس بمقاييس الكمال الديني سنجد آلاف العظماء من الرجال، وقلة قليلة من النساء في نفس ميادين المقارنة.
  • من يعيشون الآن على ظهر الأرض أغلبهم –إن لم يكونوا جميعهم- ناقصون، رجالًا ونساء. أقصى ما يمكن الطموح إليه هو الاقتراب من الكمال، وقلّ من يبلغه. الزمن الذي كان يوجد به كوامل البشر قد انقضى. لا أنبياء، لا صدِّيقين.
  • مشكلة بعض الرجال أنهم يظنون أنهم أكمل عقلًا من جميع النساء، فيظن أنه كامل العقل لأنه رجل!، ويظن أنها أنقص منه عقلًا كونها امرأة!. ولا أدري من أين فهموا هذا من متن الحديث أو من غيره.
  • بالتالي يكون وصف الرسول صلى الله عليه وسلم عموم النساء بأنهن ناقصات عقل، وأن قليلات من كمل منهن، هو كلام صحيح، لأنه وصف للعموم، وليس يعني أن كل الرجال كاملون، ولا أن أي رجل هو أكمل من أي امرأة مهما علت، كما يتصور أغلب الرجال.

وأختم بحديث يلزم المقام عن حكم النساء.

حكم النساء

نعلم جميعًا أن أعداد الأنبياء الذين بُعثوا يربو على مائة ألف نبي، تخيّر لنا سبحانه وتعالى قصص بعضهم فقط ليذكرها لنا في القرآن الكريم، وكل قصة من قصص الذكر الحكيم إنما رُويت لحكمة وغاية ومقصد تعليمي، فهل سألت نفسك ما هي الحكمة من ذكر قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان؟

قد يعتقد البعض أن القصد كان إظهار قدر عظمة مُلك سليمان عليه السلام، ولا شك أن هناك الكثير من القصص التي تزخر به حياة هذا الملك النبي مما لم يروها لنا الحق تبارك وتعالى، وكانت ستُظهر عظمة ملكه، وإحداها مذكورة بالفعل في سورة (ص)، كما أنه لو كان هذا هو الهدف فقط لكانت التفاصيل المروية في القصة القرآنية تختص بسليمان عليه السلام وحده وما حدث في مجلسه، ولما كان ضروريًا أن تروي آيات القرآن الكريم ما حدث في مجلسها من حوار بينها وبين الملأ من قومها، والذي يظهر عقلها وحكمتها بإزاء رعونة قومها.

أكاد أجزم بأن الله سبحانه قد روى لنا قصة ملكة سبأ في التوراة ثم في القرآن ليخبرنا عن المرأة الحكيمة العاقلة، التي كان حُكمها خيرًا على قومها. وأسلموا بفضل حكمتها لله رب العالمين بعد أن كانوا يعبدون الشمس من دون الله.

وليت الرجال يكفّون عن توقع الخراب عندما تتأمر النساء، فقصة كسرى نعرفها، ونعلم أن ملكه كان لا بد زائلًا بدعوة رسول الله عليه، فوالله ما قصد رسول الله أن كل امرأة تحكم تجلب خرابًا. وكفاكم إضحاك العالم علينا عندما تشيعون أن النساء -جميعهن- لا يصلحن للقيادة، وأنتم ترون بأم أعينكم نساء تقدن أكبر الدول بينما انحدر بكم أشباه رجال نحو الوحل.

ولا ينسى التاريخ أن يُخبرنا كيف أنقذت شجرة الدُر بحكمتها مصر في وقت عاصف، وإذا بالخليفة العباسي يبعث رسوله برسالة متهكمة فيها «إن كنتم قد عدمتم الرجال، فأخبرونا كي نُسيِّر لكم رجلًا»، وبعدها ضاعت الخلافة من يد سيد الرجال، وأسلم بغداد دون حرب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد