لطالما ظلت صورة المرأة في الفوتوغرافيا الإشهارية، نمطيةٌ بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ لقد كانت صورة مسكوكة كسيحة، لا تكرسُّ عدا ذلك الدور التقليدي «الفاشل»، الذي يحصر المرأة بين الحيطان العازلة داخل البيت، وتلك الوظائف البَدَهِية، المتمثلة في خدمة الوسط العائلي، وحمل كل أعبائه من طبخ وغسيل، وغيرهما من الوظائف، التي تساهم الثقافة الشعبية بريها لتربو وتربو. ولأن الخطاب الإشهاري له استراتيجيات تسويقية محضة، يمكن وصفها بسدرة المنتهى، فإنه يتبنى «التكرار» المبتذل والممل، إذ إن إعادة إنتاج ما أنتج آنفا، لا يغرد بدوره خارج سرب التأثير على المتلقي (المستهلك المحتمل، أو المستهلك الوفي للمنتوج)، وتطويع رغباته ونزواته، توسلًا بصورة إشهارية، تتخذ فيها الجوانب الإغرائية لجسد المرأة الحيز السمين. إن الجسد الأنثوي في الشعار الإشهاري كان دائمًا خاضعًا «للتبضيع» و«التسليع»، وقد أُفرغتْ بهذا المعنى من محتواها الروحي، وغَدَت جغرافيات «جثتها»، بهضابها وسهولها، هي مربط الفرس الذي لا غنى عنه لتحقيق إغراء خانق، يضمن للمستشهر تسويق القدر الأقصى من المنتوجات، وتلك هي الماهية الحقيقية لتكرار الصور الجاهزة، في الحياة المجتمعية.

ولهذا، يقول السيميائي المغربي سعيد بنكراد: «هناك توزيع للمهام: المؤسسة تبيع المنتج، والإشهار يقدم الإرشاد والنصح والتوجيه بالمجان، ولا تقوم المرأة في هذه الفرجة سوى بالتنفيذ». فهي تبعًا لذلك تعيد إنتاج سلوكات سائدة في المكون الثقافي، طواعية وبمحض إرادتها، مما يؤكد بالملموس أن المرأة، تتواطؤ مع شركات الإشهار. وعليه، فهي راضية عن ذلك «العار»، الذي سيظل وصمة على جبينها، كلما أرادت أن تكون جزءًا من أيَّةَ صورةٍ إشهاريةٍ.

ومنه، دخل المثقف على الخط، ولم يتردد في سكب مداد غزير في سبيل هذا الموضوع، ومحاولة تطويق ذلك التشيؤ Chosification الشنيع، اللصيق بالمرأة في «المشهد الإعلاني». بيد أنه، مع الأسف، لم يغير منه شيئًا، لكون الغاية الربحية تكتسي الأهمية القصوى، وتبقى فوق كل اعتبار لدى شركات الإشهار المتوحشة. ناهيك عن الهوة الصارخة، بين التنظير والتطبيق، على المستوى العملي الإشهاري. مما أدخل البلاد العربية في غمار حرب فكرية ضروس، واكبتها حرب اجتماعية، حول مكانة المرأة، من حيث اجترار تلك الصيغ الحياتية النمطية للأنثى في الوصلات الإشهارية، ونقد البَدَاهَات المبتذلة والعقيمة. وبما أن «الأدلوجة» قناع، حسب عبد الله العروي، فالإشهار هو تلك الأوهام اللامرئية التي تعكر صفاء الفكر، وتعطل المنطق لدى الرائي. وهو (الإشهار) بذلك يدير ظهره للعقل.

إن تمزيق تلك الصورة النمطية والمسكوكات التي تنغرس في ذواتنا منذ نعومة أظفارنا، تناسل ليخرج من ذلك المخاض، رأي عام حداثي وتنويري، يحترم المرأة، ويقدس كيانها حق تقديس، ويدوس على تلك الوصلات الإشهارية، المجسدة لوعي ثقافي ذكوري، ويعيد للمرأة ذلك الاعتبار المفقود والمنشود، الذي طال أمد غيابه عن «المشهد الإعلاني»، فظلت الفوتوغرافيا الإشهارية شحيحة وبخيلة، من حيث التغيير والجدة، وفق الأفق الإنساني الكوني.

وإشهار «Mio» الجديد، يعتبر من النماذج الجميلة، التي حاولت إشعال فتيل خلع المعاني السابقة، والتمثلات الجاهزة، اِتكاءً على قيم الحداثة والتحديث. والقوة الضاربة والجبارة لهذه الصورة الإشهارية، تكمن في تبشيرها بفلسفة جديدة، وبنمط من المبادئ الحداثية، والقيم الكونية الإنسانية، التي تنتصب على محاور أَسَاسَة، هي قيم المساواة، وروح التعاون، وثقافة المساعدة، بين الرجل والمرأة. الأمر الذي ينم عن دخول الثقافة الذكورية بالمغرب منعطفًا جديدًا، لتمتزج مع عوالم الأنوثة، وبالتالي بناء التوازن بين الجنسين، الذي حاولت الصورة الفلكلورية الشعبية والشعبوية درأه حتى الأقاصي.

ويمكن القول أن الدعاية تتبوأ الصدارة في هذا الإشهار، لأن هذا الأخير في هذه التجربة، وثيق الصلة بخطاب الدعاية البروباغاندية، التي تحوي بين ثناياها ملامح الدعاية للقيم، أكثر منه للبضاعة. ولأن «الحقيقة أن مرسلة يمكن أن تشهر، ليس البضاعة فحسب، بل الأفكار كذلك، بغية حمل المستهلك على تبنيها». فالمكون الدلالي العلاماتي، يقر بوجود ترسانة حجاجية دامغة، تدفع المتلقي إلى استهلاك المنتج ‏‎(Mio)‎‏، واستهلاك عوالم موازية رمزية مخضبة بالعدل، ومعطرة بالمساواة، هي روح توزيع الأعمال داخل البيت؛ بين الزوج والزوجة، الأب والأم، أو الأخ والأخت… وتكسير بعض الأنساق الثقافية الرجعية المتحكمة في المسألة. وهذا بالضبط ما يفتح أبعاد التأويل السيميائي لهذه الوصلة. وكأن توزيع الأشغال بالتساوي، رهين باستهلاك منتوجات MIO. ولذلك نلاحظ أن الوصف الموضوعي للمنتوج غائب بالمطلق. واِكتفى الشعار الإشهاري هذا، بما يصطلح عليه في علم الإعلام والاتصال، بـ«استراتيجية التموقع‎‏ Positionnement»، حيث عمدت العوالم الخفية واللامرئية، في تسليط الضوء على ما هو نفسي سيكولوجي، تم لفه بغطاء عاطفي، عبر مطاردة الأحوال العاطفية والذهنية للمخاطب. وكذلك كل ما هو اجتماعي، من خلال ركل قيم الانهزامية والدونية، المخيم على كنه المرأة وكينونتها، والتي كانت تعزز، بمباركة وتزكية المنتجين للوصلات الإشهارية سلفًا.

وتصور لنا هذه الفوتوغرافيا الإشهارية، عالما يهيج بالصفاء والتغيير، وبتشكيلة ثائرة ومتجاوزة للثابت والمألوف، حيث إن الأنساق البصرية المرئية تدور داخل رحى رؤى معاصرة ومابعد حداثية وهذا ما أورده سعيد بنكراد، باسم «النفس المابعد حداثي للوصلة». والعين المشاهدة تحس بعذوبة المشهد من خلال العمق البصري المسرب عبر «مسام» الرؤية. فهي «أمارة بالتأويل». واللغة الإيمائية للشخوص التي رحبت بالصورة، تدل على النسق الأيقوني المتزن، من حيث الشكل، إذ إن الحضور المهيمن للرجل بابتسامة مشرقة، وهو يقوم بجملة الأعمال، (غسل الأواني والملابس، والتسوق، والتنظيف…) التي كرستها الصورة الإشهارية باعتبارها حكرًا على المرأة بين جدران البيت الأربعة. يسير وفق منظومة التعالي عن كل التصورات الراديكالية التي تذوبه في الجماعة حيث ينصهر ويختفي.

ولذلك نلفي هذه الصورة المرئية تكتنز بدلالات شتى، باعتبارها تحتفي بالمحتويات والأشكال، حيث تظهر الصورة، المرأة بجانب زوجها، بطواعية وأريحية يمليها الحب والمودة والإعلاء من قدر المرأة شأنها. وما يزكي هذا الطرح، كون تصوير جسد المرأة وإيماءاته، أُلتُقط من زاوية معتدلة، من حيث التركيز على النصف الفوقي للجسد الأنثوي، وذلك بغية تفنيد تلك المقولة المبتذلة : «المرأة عورة»، والإعلاء من قيمتها الفردية، بعيدًا عن أية تمثلات راديكالية وأيديولوجية ثقافية. وهكذا، تحولت الصورة إلى أداة للخلق من خلال مكوناتها ذاتها -كما يقول سعيد بنكراد-، «وهذا ما يفسر الأهمية القصوى التي تمنح في ميدان الصورة إلى الشكل والكشف عن كل مكوناتها : التأطير والرؤية والضوء والتركيب والمسافة والألوان وزمن الوضعة والإخراج».(1)

وبالانتقال إلى المعطى اللساني، المتمثل في اللغة اللفظية، فهو متوالية دلالية لا يمكن فصل مقدمتها عن نتائجها، حيث نجده يتضمن كلام رجل مسؤول يخاطب امرأة. فـ«نتعاونو على الشقا» دلالة رمزية على «النحن»، و«الشقا» هو العبء الذي ظل على عاتق المرأة لقرون وعقود، ليحرز هذا الإشهار قصب السبق، في القطيعة مع كل التمثلات السابقة، التي تعضد اختلال المقاييس بين الجنسين. و«غير نتي لي عندي»، بدورها تروم بلورة مكانة المرأة داخل الأسرة، حيث يتم إخبارها بأنها صانعة قرار، ولا غنى عنها لبناء تجربة أسرية حداثية.

إن هذا الخطاب الإشهاري، الذي تمكن ‏«MIO» من الإبداع الجميل في إنتاجه، أعاد ثنائية الكائن والممكن، أو جدلية التخييل والتداول، إلى أوج النقاش المحتدم إزاء قضايا المرأة في الإعلام المغربي؛ فقد نظف جبينها من التمثلات الموشومة عليه، ودعا إلى بناء مجتمع مثقف ومسؤول، ينبِّئ بوجود مناخ العدل والديمقراطية وحقوق الإنسان. إنه نموذج للوصلة الإشهارية، عندما تتغيى التسويق من جهة، كما تسعى إلى الترويج لثقافة معينة من جهة ثانية. إنه حمال أوجه ومعان، لذلك قررنا أن ننزله منزلة رفيعة، ونجعله من المكرمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) La photographie : André Rouillé
عرض التعليقات
تحميل المزيد