«قد لا تملك الإمكانيات، لكن إن وظفت القدرات التي تملكها في إطار جماعي منظّم فقد تحصل على الفرصة التي تؤهلك للمنافسة»، هذه هي قصة ليستر سيتي، النادي الإنجليزي العريق الذي أدهش الجميع بمنافسته على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم.  أؤكد لك عزيزي القارئ أن هذا المقال لا يتحدث عن كرة القدم بقدر ما يتحدث عن الشغف والإيمان بالقدرات التي يمتلكها الشخص في سبيل تحقيق ما يريد.

 

دعونا نبدأ حديثنا بالتعريف بالنادي، ليستر سيتي تأسس في العام 1884، وعلى الرغم من عراقته إلا أن أفضل ترتيب  له في الدوري الإنجليزي الممتاز كان الثاني في العام 1929، ولم يفز سوى بألقاب في الدرجات الدنيا في إنجلترا، كما فاز بكأس الرابطة الإنجليزية 3 مرات، بل منذ العام 1884 قضي 62 موسمًا في دوري الدرجة الثانية، أما في الموسم الماضي فحصل على المركز الرابع عشر بفارق ست نقاط عن منطقة الهبوط. وكلها أرقام تؤكد أن ليستر يحقق المستحيل الآن، فكيف حدث ذلك؟

 

في الثالث عشر من يوليو من العام الماضي أعلن نادي ليستر سيتي تعيين الإيطالي كلاوديو رانيري مدربأ جديدًا للفريق، المدرب الذي لم يعمل في إنجلترا منذ أحد عشر عامًا بعد رحيله عن تدريب نادي تشلسي، وبفريق لا يختلف كثيرًا عن هذا الذي احتل المركز الرابع عشر بدأ ليستر موسمه الثاني تواليًا في الدوري الإنجليزي الممتاز بعد صعوده في العام 2014.

 

يقول رانيري لصحيفة كوريري ديلا سيرا عن تعيينه مدربًا لليستر: «عندما وصلت في أغسطس، بدأت أتابع تسجيلات لمباريات الفريق في الموسم الماضي، وفي حديثي مع اللاعبين أدركت أنهم كانوا خائفين من التكتيك الإيطالي الذي ظنوا أني سأتبعه، فكرة القدم بالنسبة للمدرب الإيطالي هي تكتيكات، محاولة السيطرة على المباراة بناءً على خطط وأفكار المدرب، ويتخلل ذلك الحديث بشكل مكثف عن كرة القدم».

 

ويضيف رانيري: «لم يبدوا مقتنعين، وأنا أيضًا كذلك. دائمًا ما نظرت بإعجاب لهؤلاء الذين يخترعون طرقًا جديدة في التكتيك، لكن في رأيي أن الشيء الأهم الذي يجب أن يتوفر في المدرب الجيد هو أن يستطيع أن يبني فريقًا حول شخصيات لاعبيه، لذا قلت للاعبين إنني أثق فيهم ولن أتحدث كثيرًا عن التكتيك، كل ما كان مهمًا بالنسبة لي هو أن يركضوا».

 

وهو ما فعله رانيري بالتأكيد، فبالرغم من أنه امتلك لاعبين مغمورين أو عفا عليهم الزمن، إلا أنه استطاع أن يحصل على ما يريد من كل واحدٍ منهم، فبنظرة سريعة على اللاعبين الذين يمتلكهم الفريق نجد في المرمي كاسبر شمايكل، ابن أسطورة مانشستر يونايتد بيتر شمايكل، هو حارس مرمى عاش في ظل شهرة أبيه، وكانت له تجربة مع مانشستر سيتي تخللتها الكثير من الإعارات لفرق أقل، قبل أن يستقر في ليستر منذ خمسة أعوام مقدمًا هذا الموسم أداءً جعله أحد أفضل حراس الدوري الإنجليزي هذا الموسم.

 

في الدفاع نجد الألماني روبرت هوث صاحب الـ 31 عامًا، مدافع متمرس في الدوري الإنجليزي حيث قضي بعض السنوات الأولى من مشواره الاحترافي في نادي تشلسي قبل أن يمر بميدلزبره وستوك سيتي وآخيرًا مع ليستر مقدمًا مع زميله وقائد الفريق ويس مورجان البالغ من العمر 32 عامًا أداءً جعلهم من أفضل الثنائيات الدفاعية هذا الموسم.

 

في وسط الملعب نجد داني درينكوتر، بدأ في مانشستر يونايتد ولكن كالعادة فرّط الفريق في خدماته ليستقر في ليستر منذ العام 2012، ليصبح هذا الموسم مرشحًا قويًا للدخول لقائمة إنجلترا في يورو 2016. بجانبه نجد نجولو كانتي الذي جاء للفريق فقط هذا الموسم، اللاعب صاحب المجهود الأوفر في ليستر، يقول عنه رانيري: «لن أتفاجأ منه إن لعب الكرة من أحد جانبي الملعب ثم ذهب بنفسه إلى منطقة الجزاء ليركلها برأسه».

 

في الهجوم الثنائي الأكثر حديثًا عنه في إنجلترا، نجد الجزائري رياض محرز، أتى منذ عامين إلى ليستر قادمًا من دوري الدرجة الثانية في فرنسا، والآن هو أحد أبرز المرشّحين للفوز بجائزة أفضل لاعب في إنجلترا لهذا العام.

 

أما بجانبه فنجد لاعبًا ربما يكون من صاحب القصص الأبرز في تاريخ الدوري الإنجليزي، جيمي فاردي. منذ خمس سنوات فقط كان فاردي يلعب في أحد أندية الدرجة الخامسة الإنجليزية، والآن يجد نفسه هدافًا للدوري الإنجليزي وصاحب الرقم القياسي في التسجيل في مباريات متتالية في الدوري الإنجليزي حيث سجل في إحدى عشر مباراة على التوالي، كما أنه بالتأكيد مُرشّح فوق العادة للدخول لقائمة إنجلترا في يورو 2016.

 

وفوق كل ذلك يأتي بالتأكيد رانيري، المدرب الذي حظي بالكثير من التجارب التدريبية لكنه لم يفز بشيءٍ يُذكر، والآن هو على أعتاب تحقيق إنجاز تاريخي مع ليستر، يقول رانيري عن ذلك: «عندما أتيت إلى هنا طلب مني الرئيس الحصول على 24 نقطة بحلول عيد الميلاد، حصلنا على 37 أو 39 نقطة، لا أستطيع حتى أن أتذكر على كم نقطة حصلنا، وحتى الآن نحن في الصدارة».

 

بالعودة للحديث عما فعله رانيري للفريق يقول الإيطالي: «هنا في ليستر الكل يشعر أنه مشارك، لذلك إن لعب أحدهم بطريقة سيئة فهذا يعني أنه يخون زملاءه. لديهم كامل الحرية بالتأكيد، لكنهم يدركون أن لديهم عمل ومسؤولية، وهم يستمتعون بذلك».

 

ويضيف رانيري: «قلت للاعبين منذ اليوم الأول إنني سأتحدث عن كرة القدم بين الحين والآخر وليس دائمًا طالما أعطيتموني كل ذرة أداء تملكونها، أعرف أن هذا ليس تصرفًا صحيحًا لكن كرة القدم ليست كعلم الكيمياء، ليس هناك قوانين محددة تستطيع أن تساير كل الظروف، ما يهم هو أن تستطيع أن تخرج الأفضل من فريقك. دائمًا أقول للاعبين أن يجدوا الحماس بداخلهم، ففرصة كهذه لن تتاح مجددًا. أعلم بالتأكيد أن الأمور لا تسير هكذا دائمًا، لكن لا أحد يعلم كيف تسير فعلًا، وجدنا شيئًا هنا في ليستر يعمل من تلقاء نفسه وعلينا احترامه. لذلك ليستر هو ما كنت أبحث عنه دائمًا، بعض من كرة القدم ممزوجة بالانتباه لهدف معين، لا أحد منا يظن أنه يعمل فقط من أجل كسب لقمة العيش وإلا كنا سنستيقظ كل يوم متعبين، إن عكسنا الأمور وعشنا لنعمل، فعلينا أن نعطي معنى لما نفعل».

 

ينهى رانيري حديثه قائلًا: «في زمن يسيطر عليه المال، أعتقد أننا نمنح الأمل للجميع»، وهذا بالتحديد ما أريد إيصاله عبر هذا المقال، في زمن أصبح فيه المال متحكمًا في كل شيء، أتى فريق مغمور بميزانية صغيرة وبلاعبين لم يعرفهم أحد واستطاع أن يقلب الطاولة على كبار وأغنياء الدوري الإنجليزي محققًا ما يشبه المعجزة وموجهًا رسالة لكل شخص في هذا العالم محتواها أنه إن وثقت بإمكانياتك دون أن تلقي باللوم على الظروف، ربما تقترب يومًا ما من تحقيق (معجزة ليستر).

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ليستر
عرض التعليقات
تحميل المزيد