وسط حشود هائلة من الناس التي كانت مجتمعة أمام متحف «اللوفر» في انتظار دورها للدخول إلى هذه المعلم التاريخي خرج صديقي «ديفيد هيوم»، تفاجئت برؤيته في هذا التوقيت من العام؛ لأنه لم يخبرني سالفا بقدومه إلى «باريس»، ولا حتى عن تواجده بفرنسا في هذه الأيام، أعرفكم عليه أولًا؛ «ديفيد» فتى مثلي في ريعان شبابه، تعرفت عليه في مجموعة للفلسفة، والدين على الفيسبوك، ثم تطور الأمر ليصبح بيننا علاقة صداقة قوية، تحدثنا وتراسلنا كثيرًا خلال الأعوام الماضية؛ لكننا لم نلتق في الواقع إلا مرتين على ما أذكر؛ الأولى كانت عندما ذهبت في رحلة إلى لندن، والثانية عندما جاء هو إلى فرنسا للسياحة.

تقدم إليّ بسرعة، وعانقني ثم جرني من يدي، واتجهنا صوب أقرب مقهى وجلسنا، بدت فيه حماسة وفضول كبيرين، لم أعلم سببهما، تحدثنا عن أحوالنا لبضعة دقائق، ثم بادرني بسؤال، بدا أنه يشغل باله للغاية، وكان ينتظر الفرصة ليطرحه منذ أن رآني، قال : هل صحيح أن في دينكم أمورًا خارقة للطبيعة، أعني معجزاتٍ تؤمنون بها، قرأت عن هذا مؤخرًا لكني لم أصدق أنكم تؤمنون بانشقاق القمر إلى نصفين مثلًا، وأتبعها بابتسامة، هل تؤمن أنت بهذا؟ لا بد أنك تركت دينك بسبب هذه الخرافات الساذجة؟ أخبرني أخبرني. تسمّر في مكانه، وفتح عينيه في انتظار ما سأقوله بشوقٍ كبيرٍ، في الحقيقة فاجأني سؤاله هذا بالرغم من أنني اعتدت على أشياء، وأقوال غريبة من هذا الرجل.

قلت: لا أفهم سبب وصفك هذه الخوارق بالخرافات، نعم توجد في ديننا ونؤمن بها، وأصلًا لابد من وجودها؛ لأنها من الأدلة على صدق النبوة، ولو قرأت تاريخ الأديان؛ لعلمت أن الناس تطالب دائمًا بأشياء خارقة؛ كدليل على أن من يدعي النبوة صادق في ما يقول.

أمسك بيدي وعصرها بقوة ثم قال: يا صديق، لا يمكنك أن تؤمن بهذه الخزعبلات، أنت لست ساذجًا لهذه الدرجة، الطبيعة لا يمكن اختراقها يا غبي، القوانين الثابتة هي التي تحكم عملها، كيف تقول لي إنك تستطيع شق القمر، أو الصعود إلى السماء بين ليلة وليلة. الجاذبية و قوانين الحركة وكل القوانين الأخرى ثابتة لا تتغير، وأنتم اخترتم تصديق الشاذ عنها (هههه) يبدو أنكم مجانين. هذه خرافات الأمم المتخلفة ذات العقليات الأسطورية، نحن في عصر العلم؛ العلم هو المعجزة الوحيدة؛ العلم يفسر كل شيء يا صديق كيف تثق بما يخالف العلم؟

بدا في صديقي حماس زائد لفكرته وعصبية مفرطة كعادته، ورغبة كبيرة لإقناعي بأن المعجزات مجرد خرافات غير صحيحة. أشرت لنادل المقهى كي يحضر لي كأسًا من القهوة، يبدو أن هذا الحوار سيطول أكثر من المعتاد، قلت لـ«ديفيد»: هدئ من روعك أيها الشقي، سأخبرك بكل ما في جعبتي من أقوال -أتبعتها بضحكةٍ خفيفةٍ- ثم استرسلت: إن قولك بأن المعجزات توجد فقط في الحضارات القديمة المتخلفة غير صحيح، لأن العلم المعاصر رغم تطوره الكبير لم يقضي على المعجزات والخرافات كما تدعي، فها هي مهنة العرافة منتشرة بكثرة في أكثر البلاد حضارة (أمريكا)، وهاهم فرق كثيرة تدعي علم الغيب واستحضار الأرواح.. إلخ. توجد في عدة بلدان؛ ثم إن قولك بأن قوانين الطبيعة ثابتة وحتمية لا تتغير، كدليل على عدم إمكانية وقوع المعجزات هو استدلال دائري عقيم ومصادرة على المطلوب؛ لأنك ببساطة تفترض ثبوت قوانين الطبيعة للاستدلال على عدم وقوع المعجزة الذي بدوره يعني حتمية القوانين، تفترض الشيء لتبرهن عليه؛ إضافة إلى هذا؛ فالقول بأن الطبيعة ثابتة ومطردة بدون استثناءات، هو قول ليس عليه أي دليل قاطع؛ فنحن استنتجنا ذلك من خلال التجربة المتكررة لنا مع الطبيعة، وليس من خلال الاستقراء التام، أو اللزوم العقلي، لكن دعني أسألك سؤالًا بسيطًا، باعتبار أنك ربوبي تؤمن بخالق للكون وموجد له، هل القوانين الطبيعية في نظرك حتمية على الإله كذلك أم أنها تابعة لمشيئته؟

صمت صديقي طويلًا، أخذ يتمعن في كأس القهوة؛ الذي وضعه النادل على الطاولة للتو، ثم كمن وجد فكرة عظيمة، قفز قائلًا: إذا كان هناك خالق للكون، وهذا ما أعتقده، فلا بد من أن تكون هذه القوانين تابعة لمشيئته، لا يمكن أن تتصرف ضد هذه المشيئة طبعًا.

قاطعته قائلًا: هاااا، أنت محق ومنه؛ فالقوانين إذن هي وصف للطبيعة، وكما تصف الثبات، فيمكنها وصف الشذوذ، وهي من آثار مشيئة الخالق، وليست فائضة عنه كي تكون ضرورةً بالصيغة التي هي عليها، أي أن الخالق إذا أراد، يمكن أن يجعل هذه القوانين ثابتةً، كما تقول أنت أو يمكنه أن يخرقها كما في المعجزات.

قبل أن أكمل حديثي، وبنبرةٍ حادةٍ قال «ديفيد»: يا عزيزي، أنا كل ما أؤمن به هو الأدلة، وأردف بنبرةٍ مستهزئةٍ مع ضحكةٍ: هذه مشكلة عقلي لا يؤمن بالشيء حتى تكون عليه براهين. أعتقد أن خوارقكم ومعجزاتكم فوق الطبيعية، تحتاج إلى أدلةٍ فوق طبيعية لإثباتها، وهذا غير ممكن، أنتم في ورطة يا صديقي، تؤمنون بأشياء لا أدلة عليها البتة.

ضحكت من ثقته العالية في نفسه ثم قلت: ها أنت وقعت مجددًا في مصادرة على المطلوب دون أن تدري، كيف تريد أن تبرهن على ما هو فوق طبيعي بدليلٍ فوق طبيعي، تريد أن تستدل على خارقةٍ بخارقةٍ أخرى، أتعلم ما الذي سيحصل (هههه) هذا الدليل فوق الطبيعي الذي تريده حتى لو وجدته، ستطلب دليلًا فوق طبيعي آخر للبرهنة عليه، ويستمر الأمر إلى ما لا نهاية، ثم هناك مشكلة أخرى في أقوالك، أنت قلت بأنك لا تؤمن إلا بالأدلة التجريبية العلمية، ثم رجعت وطلبت دليلًا فوق طبيعي على المعجزة، هذا تناقض واضح، أليس كذلك؟ ارتشفت بعض القهوة ثم أكملت: دعني أخبرك أمرًا مهمًّا؛ وسيكون مفصليًّا في حديثنا هذا، المعجزة أو الخارقة ليست من محالات العقول أصلًا، فأنت يمكنك تصور انشقاق القمر أو البحر إلى نصفين، هذا يقبله العقل بكل سهولة، وبالتالي؛ فالمعجزات لا تناقض العقل؛ لذلك فإمكان حدوثها وارد جدًّا.

قاطعني مجددًا قائلًا: لماذا تتثقون في الناس الذي ينقلون هذه الخرافات، ولا تتثقون في عقولكم؟ من ينقلون الخوارق ليسوا أكثر من أناسٍ سذجٍ، تقودهم العقلية الغرائبية الأسطورية، وربما كانوا فساقًا، وكذابين، وتأتون أنتم لتصدقوا ما أخبروا عنه بعد مئات السنين، هل يوجد أغبى وأغرب من هذا؟ لا أعلم كيف تصدقون أحداثًا غير متكررة شاهدها شخص أو شخصان.

اقتربت منه، ثم سألته: هل تصدق وقوع الانفجار العظيم؟ أنت تصدق وقوعه طبعًا؛ من شاهده؟ لا أحد؛ فلماذا تصدقه إذن إذا مشينا بنفس منطقك. قل لي: أتعرف نظرية الاحتمالات؟ لا بد أنك تعرفها. هل تعرف علام تنص عليه هذه النظرية؟ انتظرت أن يجيبني لبضعة ثوان؛ فلم يفعل، فاسترسلت قائلًا: إنها تقول إن الأحداث النادرة إذا كان احتمال وقوعها ضعيفًا جدًّا؛ فإننا نأخذ مباشرةً بشهادة من رآها، هذا هو الطريق الوحيد، ثم هناك أمر آخر، هل هناك لزوم عقلي بين درجة تكرار الحدث وصحته؟

رد قائلًا: طبعًا، الأدلة التي تشهد لصالح قوانين الطبيعة أقوى، وأوضح من تلك التي تشهد للمعجزة، رغم أن هذه الأخيرة لا توجد أصلًا. أنتم تثقون بشيء، ليس عليه أي دليل، وتنكرون ما تدل كل الأشياء عليه.

أجبت بسرعةٍ: يا صديق، أنت تخلط بين الأمور خلطًا كبيرًا، أنت تخلط بين قيمة الأدلة وعددها أولًا؛ فالمقارنة بين شهادة قوانين الطبيعة ضد شهادة المعجزة خطأ؛ أما الأصح فهو المقارنة بين شهادة المعجزة مع شهادة عدم وقوعها، ثم ما الذي يمنع من الجمع بين الاثنين، بين قوانين الطبيعة، وبين المعجزة كاستثناءٍ لها؟ لا مانع. ثانيًا: أنت تريد إقحام المعجزة في إطار العلم التجريبي، وهذا ليس ممكنًا، إن العلم ليس قادرًا على إثبات المعجزة، لأنها ببساطة تخرج عن إطاره، كما أنه بنفس المنطق ليس قادرًا على نفيها.

أخذ صديقي يطأطئ رأسه، نهض واتجه صوب النادل، وطلب شيئًا ليشربه، انتابتني نوبة من الضحك لم أعلم سببها، ربما لأني شعرت بأن «ديفيد» أحس بضعف موقفه، وسيبدأ في الانسحاب من الحديث كغير عادته. عاد إلى مكانه جلس وزفر بقوة ثم قال لي: ألا ترى أن المعجزات توجد في كل الأديان وهذه الأديان متعارضة، بالنسبة لي هذا يقودنا إلى إسقاط المعجزات؛ لأنها لا يمكن أن تكون متواجدةً في كل الديانات، ثم ألا تلاحظ كذلك أن الخوارق تنتشر في غير مكان وقوعها؟ ببساطةٍ لكي لا يكون هناك من يكذبها.

قلت له : هذا غير صحيح، لا يمكنك أن تنكر الأديان جميعها، والمعجزات جميعها لحجةٍ واهيةٍ، ثم إنه في المنظور الإسلامي لا نقبل المعجزة هكذا ببساطة، بل هناك علمٌ خاصٌّ مستقلٌ يقوم بجمع الروايات والأخبار والتحقق من رواتها، وترجيح قويها وإزالة ضعيفها، هذه التي تسميها أنت خرافاتٍ، هي معجزاتٌ حقيقيةٌ وقعت، ثم وصلت إلينا بالتواتر من خلال أناسٍ ثقاةٍ، وإلا فإذا أخدنا بمنهجك التشكيكي فلا يمكن تصديق أي شيء تاريخي.

همهم صديقي ببضعة كلماتٍ، لم أتمكن من التقاطها، ثم سألني: متى ستأتي إلى لندن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد