لكل نظام استبدادي ودكتاتوري ومتوحش هناك معارضين له من الشعب، يختلفون في طريقة تبيانهم لمواقفهم ضد تلك الأنظمة، إلا أنهم ليسوا بالضرورة راضين عنها حينما يحاولون العيش دون أي تصادم مع جلاوزة تلك الأنظمة القمعية، ولكن هناك من يحاول الوقوف بوجه الظلم ويسير عكس تلك التيارات، ولأن هذه الأنظمة تريد السير على نهج الطواغيت الذين سبقوهم، فإنها برجالاتها تحاول ألا تصنع من الناس رموزًا وشهداء، فالشهيد حي لا يموت في ذاكرة الناس، بل هو شعلة تضيء للسالكين دروب الخطر وطرق المخاطرة.

عندما تحرص الأنظمة على عدم صناعة الشهداء فانهم يحاولون قمع الأصوات بالسجون والتعذيب والتغييب، وهذا ما أظهر كمًا كبيرًا وعددًا لا يستهان به من السجناء السياسيين في العراق، وهم نقطة نقاش مستمر، أكثر من الشهداء الذين توضحت صورتهم بالدليل الواضح، فلا مكان للشك بشهادة من وجدوه في المقابر الجماعية، ولا الذين أعدموا بالديناميت أو بالرصاص أو ذوبوا بأحواض ماء النار (التيزاب) أو فرموا أو اختفوا وسجلوا مفقودين ولا يعلم لهم أثر، أما السجناء فاختلط الصحيح بالمزيف، لعدة أسباب من أهمها:

1. كان نظام البعث يحكم بالسجن على السياسيين بوجوه مختلفة، إما بالعمالة والتبعية، ولا عدو أفضل من عدو العالم العربي والذي تربوا على عداوته، وهم الفرس، والعدو الآخر الذي يلحق به السجين هو الحزب الشيوعي، وإما بالوجه الثاني وهو وجه تشويه السمعة، من خلال سجنه لأسباب كأن تكون سرقة أو اختلاسًا أو أية تهمة أخرى تحط من سمعة ذلك المعارض، وهنا يصبح التمييز بين الفريقين من السجناء صعبًا، فقد ادعى المسجون بسبب فساد حقيقي مظلوميته، وادعى كونه سجن عدوانًا وزورًا بسبب معارضته للنظام، ليتساوى مع صاحب الحق جنبًا إلى جنب.

2. لم تكن هناك توجهات واضحة للمعارضة، ولم يكن التنظيم بالمستوى الإداري العالي، بل كان مجرد تجمع وتناقل للأفكار من أجل النهوض والتحريض والتعريف بمساوئ النظام، لذلك وبعد أن أعدمت القيادات الفعلية، لم يتبق دليل حقيقي لنا بمصداقية السجناء المدعين من عدمها.

3. المئات ممن عادوا كمعارضين للنظام شهدوا للمئات أيضًا بأنهم كانوا معارضين وسياسيين وقد سجنوا لهذا السبب، وهذا أعطى للذين لا يملكون أوراقًا ثبوتية بالحكم عليهم، بالاعتماد على شهادة هؤلاء كونهم من الثقات.

حتى هذه اللحظة لا توجد أي مشاكل تذكر، ولكن ما سلط الضوء على هذه الطبقة من المجتمع، هو كثرتهم ومطالبتهم بالتعويضات المادية، على شكل مبالغ مباشرة أو رواتب أو إعادة تعيين، وهذا لم يشمل الذين سجنوا في العراق فقط، بل تعدى إلى الذين هجروا قسرًا أو هربوا من بطش النظام فعلاً، أو هربوا من الحرب ليجدوا أنفسهم لاجئين في دول الجوار، جمهورية إيران الإسلامية والمملكة العربية السعودية، وهكذا كثرت أعداد السياسيين لتشمل حتى الكرد.

أما الشهداء فزادت رقعة هذه الكلمة لتشمل السياسيين والمعارضين وأيضًا من قتل في الاعتداءات الإرهابية وكذلك الذين تعرضوا للقتل غير المتعمد أثناء العمليات العسكرية وشهداء الحشد والأجهزة الأمنية وشهداء التظاهرات، كل هؤلاء بحاجة إلى التعويض، ولكن هذا التعويض بدأ يستهلك قدرات البلد المالية، وهذا ما يجعل بعض الشعب يرغبون برفع ما يعطى للسجناء السياسيين وغيرهم ولا سيما سجناء رفحاء.

وهنا نقف أمام فكرتين:

1. الأولى تقول بأن الجميع متساو ولا فضل لهم على الآخرين، ولهذا فان إعطائهم رواتب بمبالغ كبيرة يعتبر جريمة بحق الذين كانوا مستضعفين في زمن حكم نظام البعث المجرم، لأنهم لم تسنح لهم فرصة الهرب من بطش النظام، ومن أجل ذلك باعوا ما عندهم من أجل أن يحصلوا على لقمة العيش، وعاشوا في فقر وتعب وضيم، ليجدوا أنفسهم في آخر المشوار بلا حقوق، وبلا تقدير أو تمييز.

2. الثانية ترى أن من هجر وأخرج من بيته وأهله وعاش في غربة ومعاناة حتى وجد لنفسه عملاً وأعاد بناء ذاته من جديد، يستحق أن يعوض عن حياته التي خسرها في بلده، وعن أموالهم التي سلبت منهم، ولا توجد عقوبة للإنسان أكبر من طرده ونفيه عن موطنه والأرض التي ولد وترعرع فيها.

ونحن بحاجة إلى إنصاف الطرفين معًا، فعوائل الشهداء والسجناء والمهجرين واستحقاقهم للتعويض، وفقراء الشعب الذين عاشوا تحت الضغط والخوف والجوع والعوز، وفصلهما عما بينهما من كذابين ومنتحلي صفة المظلومية والمعارضة السياسية، ولكن الموضوع ليس بالسهولة التي نظنها، وإنصاف الجميع صعب للغاية، لأن أساس الحكومات المتعاقبة على العراق وسياسيين المرحلة بعد عام 2003 هم من طبقة السجناء والمعارضين والمهجرين، ولهذا هم يحملون جنسية غير الجنسية العراقية، وولاؤهم ليس للعراق، فعليهم ضغوطات من دولهم التي ما ربتهم ورعتهم جزافًا، وإنما ليصبحوا لها عونًا في سحب خيرات العراق ودفعها لهم، وهذا يعني أن الشعب العراقي منقسم وفق هذا المبدأ إلى ثلاثة أصناف، إما مستفيد من امتيازات الشهداء والسجناء والمهجرين وهو لا يقبل بمساس هذه الامتيازات وهو على استعداد لسفك الدماء في سبيلها، وإما غير مستفيد وهذا لا حلول عنده سوى المطالبة والاعتراض على هذه الامتيازات ويطالب برفعها عنهم لأنه متيقن بأنهم لن يعطوه مميزات لبقائه في العراق، وإما مستفيد من المستفيدين ووجد لنفسه مكانًا في جيوبهم فربط مصلحته بمصالحهم وهذا أخطر من المستفيدين في الواقع، لأن المستفيد يستطيع أن يرجع إلى بلده الآخر، أما هذا الأحمق فلا بلد له إلا العراق، وهذا يجعله أمام خيار واحد وهو العنف ليدافع عما وصل إليه.

الحلول تكمن في إعادة بناء وتوجيه الحكومة، لتصحيح الوضع الداخلي للبلد دون إيقاظ جيراننا المتربصين بنا، التصحيح يكمن في جلب المستثمرين من الدول الإقليمية ذات التأثير السياسي على حكومة العراق، وجعلها تضع أموالها في أرض العراق، هكذا نضمن استقرار الوضع الداخلي والخارجي للبلد، فهم سيدافعون عن استثماراتهم وأموالهم، ولن يقبلوا بأي مساس لأمن البلد، وهنا يستطيع الشعب من تصحيح القوانين وتوزيع الامتيازات، بل يستطيع تشريع قانون يعطي لكل مواطن عراقي عاطل عن العمل أو طفل أو طالب أو ربة بيت راتبًا شهريًا مجزيًا، ويستقطع منه نسبة للضمان الصحي، يقابله تطوير استثمارات الصحة وتحديد أسعار الكشفيات والعمليات وغيرها كالمستلزمات والأدوية، بذلك نضمن بأن غليان الشعب سيسبب مشكلة للمستثمرين، وسيجبرون عملاءهم الذين يحكمون البلد لفعل ما يريده الشعب منهم.

مشكلتنا تكمن في الدول الإقليمية وجيراننا، إذ لا علاقة لنا طيبة مع أحد منهم، فقد حاربنا إيران والكويت والسعودية، واختلفنا سياسيًا مع الأردن وسوريا وتركيا، ولا علاقة لنا طيبة مع حلفائهم من الدول الإقليمية، نحن حاليًا متواجدون على خارطة الفوضى، استقرار البلد ليس مطلبًا لهذه الدول، وإحدى أساليب خلق الخلافات بين أطياف الشعب الواحد هي التمييز بينهم، تارة بالطائفية والمناطقية والعشائرية وأخرى بالامتيازات التي ينالها أمثال السجناء وعوائل الشهداء، وإيجاد حالة من عدم الإنصاف حتى بين السياسيين أنفسهم، وبين عوائل الشهداء، بل وحتى بين الشهداء أنفسهم فهناك نفس التمييز والتغييب.

لن يتغير الواقع في العراق ما لم نستطع كبح جماح الدول الأخرى، والالتفاف عليهم بمسكهم من مصالحهم، وتغيير قوانين اللعبة، ومن ثم ضرب جميع ما سنته أذرع تلك الدول من قوانين عرض الجدار، وإعادة سن القوانين بما يحقق العدل والمساواة بين أطياف المجتمع العراقي كافة.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الامتيازات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد