من منكم أيها الشعب العراقي لا يحلم أن يترك العراق وويلاته الدامية؛ ليعيش في اليابان؟

من منكم لا يمصمص شفاهه عندما يسمع عن التقدم والرفاهية والتحضر الذى تعيشه اليابان؟

لا تذهبوا بعيدًا؛ لستم في حاجة لأن تطيلوا التأمل في موجات بحر الخيال التي لا تنتهي، سنأتي لكم بكل ما قد تسمعونه عن اليابان ـ بل أكثر ـ إلى هنا، إلى أرض العراق!

هكذا روجت الحكومة العراقية ورموزها للاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة في العام 2008 .

 

«إن الطموح الصادق للشعب الياباني للسلام العالمي يعتمد على العدل والقانون، اللذين يرفضان الحرب أو استخدام القوة لحل الخلافات الدولية ولتحقيق ذلك لن تمتلك اليابان، وللأبد، أية قوة حربية هجومية في البحر أو الجو أو على الأرض، أو أي نوع آخر من الإمكانات العسكرية العدوانية، كما لن تعترف بحق الدولة في العدوان الحربي الهجومي».

وعلى هذا تنص المادة التاسعة من الدستور الياباني السلمي الذي تم إقراره في مايو (آيار) 1947، والذي بنيت عليه أركان الاتفاقية الأمنية بين اليابان والولايات المتحدة في عام 1960 من القرن الماضي.

 

العراق بعد الغزو

كما هو معلوم فقد أدى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 إلى حل الجيش العراقي، وتأسيس جيش جديد، بني في معظمه على الولاء للطائفة الشيعية، وعلى عجل تم إعداده، حتى إن الباحث ليحصي عددًا كبيرًا من قياداته العليا صاحبة الرتب التي نادرًا ما يجتمع منها العدد الكثير في الخدمة، كرتبة الفريق مثلًا.

هذا الجيش الوليد لم يستطع الوقوف في وجه تنظيم كـ«داعش» ـ الذى مهما بلغت قوته، فهو في النهاية مجموعة من الأفراد التي مهما بلغت من التنظيم فإنها، إنما تمارس حرب العصابات ـ وسيطر بذلك على أجزاء واسعة من أراضي الدولة العراقية، ولما يتغلب عليها بعد مرور أكثر من عامين.

الحالتان مختلفتان تمامًا

ويبدو الاختلاف كبيرًا وواضحًا بين الحالة العراقية واليابانية، وذلك في:

أولًا: التركيبة الطائفية، والتعددية الإثنية للشعب العراقي، التي لم تُذِق الأمريكان حلاوة النصر ـ فما كان هزيمة للسنة، كان انتصارًا للشيعة ـ فأفراح قومٍ عند قومٍ مصائبُ!

فقد وجدوا أنفسهم، وببساطة أمام حرب أهلية بين قوميات متعددة كان يجمعها ـ فقط ـ الإذعان للديكتاتور.

ثانيا: في الوضع الياباني حافظت الولايات المتحدة على بنية المجتمع ونظام الحكم، حتى إن الحاكم العسكري الأمريكي لليابان «دوغلاس ماك آرثر»، رفض أي مطالبات من دول التحالف لمحاكمة الإمبراطور «هيرو هيتو» كمجرم حرب، كما عمل على إقناع العائلة الإمبراطورية التي طالبت الإمبراطور بالتخلي عن سلطته بالبقاء عليها لعدم إشعال أي اضطراب في الشعب الياباني غير متوقعة.

العراق البائس

(صورة دوغلاس ماك آرثر مع الإمبراطور هيروهيتو)

ثالثا : الطابع العدواني الذى سُبِغت به الحرب الأمريكية على العراق، وحافل هو سجل انتهاكات الجنود الأمريكيين في العراق، على عكس الحالة اليابانية، ففور وصوله إلى اليابان أصدر الحاكم العسكري الأمريكي ماك آرثر عدة قوانين، كان على رأسها «عدم السماح لأي من جنود الحلفاء بإهانة أي مواطن ياباني».

دائما أحلامنا متأخرة

حقق الائتلاف الحاكم في اليابان بزعامة «شينزو آبى» يوم الأحد العاشر من هذا الشهر يوليو (تموز) 2016 فوزًا ساحقًا في انتخابات مجلس المستشارين (المجلس الأعلى للبرلمان).

وهذا الفوز إلى جانب تمتع الائتلاف الحاكم بالفعل بأغلبية مطلقة في مجلس النواب يمهدان الطريق أمام تعديل الدستور السلمي بمادته التاسعة، التي يبدو أن رقمها مفتاحًا للجدل في كثير من دساتير العالم! لأول مرة منذ بدء العمل به، بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية.

وبغض النظر عن الملابسات الكثيرة والتفاصيل المتكررة، فما أقصده أننا الآن أمام نخبة حاكمة يابانية ـ ومن ورائها بالطبع أغلبية شعبية ـ تطمح إلى تغيير «الدستور السلمي» لليابان الذي يتماشى مع بنود الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، فمتى ستتوقف نخب الحكم العربية عن خداع شعوبها بتلك الدعاية فارغة المضمون، والأوهام سرابية النتائج؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق
عرض التعليقات
تحميل المزيد