1

“الحكومة لا تعرف الحب” عبارة كتبت على أحد أسوار وسط البلد بالقاهرة

2
لم يكن شيئًا اعتياديا وقتها، كانت الثورة مازالت في أيامها الأولى، كنا نخاف أن نردد مصطلحات الليبرالية والعلمانية. قامت الثورة والفصيل الأصولي المتشدد يطلق سهام التكفير بلا رادع ولا حساب ولا خوف. كان مختلفا. بعد أشهر من المعركة ساهم في تنظيم عرض “كاذبون” لكشف انتهاكات المجلس العسكري في فض اعتصام مجلس الوزراء، طاقة لا تنضب وقدرة مذهلة على النقاش دون كلل أو ملل. بعد ثلاث سنوات، أسس صديقي نادي البؤساء؛ لأنه اكتشف أخيرًا أن البؤس – على عكس المتعارف عليه – بيحب “اللمة”.

3
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام

4
أعضاء النادي صاغوا بديهيات البؤس بالنسبة لهم في قوانين ويعاقب من يخالفها. يمنع منعًا باتًا عضو النادي سواء كان ذكرًا أو أنثى من الارتباط، بل إن النادي يمنع دخول من سبق لهم الارتباط!
نعم .. أعضاء النادي جميعم مروا بتجارب مؤسفة انتهت بنهايات بشعة قبل أن تبدأ أصلا! لم نعرف في فترة المراهقة التسكع أمام دور السينما، أو مراقبة الفتيات في الجامعة، الخروج سويًا. لم نعرف شيئًا من كل هذا. أضعنا سنوات عمرنا الأكثر زخمًا في البحث عن شيء يناسب الملحمة التي خٌلقنا من أجلها. وحينما وجدنا الثورة، اكتشفنا أن الملحمة هشة، وأن الصخب والإزعاج الذي بداخلنا يغطي تماما على ضجيج الهتافات. لم تكن الثورة شيئا يليق بنا. كانت الهزيمة تليق بنا!

5
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟

6
يوسف.. واحد من أصدقاء قلائل كانت لهم بصمة في المناقشات العميقة التي تخص مستقبلنا المبهم. يوسف يقضي الآن فترة الحبس الاحتياطي على ذمة تهم لا تمت للعقل بصلة، ولا تتناسب مع بعضها. بل إنها تشكل تضادًا غريبًا يعتبر في حد ذاته تهمة لكاتبها. قبل اعتقال يوسف بثلاثة أيام سأل إن كانت هناك جدوى من الزواج وإنجاب الأبناء في مصر؟ سرد مبررات يعجز المكان عن ذكرها. قضينا ثلاثة أيام في أسوان على ضفاف النيل واحتد النقاش كثيرا. عدنا من أسوان واعتقل يوسف. بعد ثلاثة أسابيع أدركت أن ثوابته تتكسر، علمت أنه لا يريد إنجاب الأبناء في أي مكان في العالم. سينكفئ صديقي حزينًا بعد أن يخرج من محبسه ينادي ربه، ولا أحد سيجيب!

7
لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كلّ قيصر يموت: قيصر جديد
وخلف كلّ ثائر يموت: أحزان بلا جدوى..
و دمعة سدى !

8
أما إن كانت الهزيمة تليق بنا، إن كنا اعتدنا الصراخ والبكاء والنزوح جانبًا، لمَ نتبرم؟ لن تنجح ثورة في المستقبل يقودها جيل منكسر، شهد وعلم أنه لن يستطيع حماية امرأة ولن يتمكن من أن يتغنى بمستقبل لغلام. لن تقوم لهذا الجيل قائمة قبل أن يرابط على جروحه ويقاوم التضخم العجيب في قدرتنا على مواجهة الهزيمة، أراها من موضع عال انتصارًا، لأننا نتمكن من تلقي الضربات مهما كانت قوية ومركزة، حيث إننا لا نمتلك شيئا غير تقبلها. جسد بلا روح، وقلب بلا خشوع، وجرح بلا نزف. رماد إنسان احترق بلا رحمة.

9
لماذا خلق أمل دنقل؟!

10
المشكلة أننا لن نعثر يومًا على رفيقة كفاح تناسب حجم الضرر. المأساة أننا كلما استغرقنا في الهزيمة كلما قلت احتمالية أن نجد من يوافق علينا بضعفنا وهزلنا وخسارتنا. جزء من أحلامي – التي لن أحاسب عليها – أن تقوم الحرب يومًا ما، وأن نقف حاملين البنادق على أكتافنا في دورية ليلية في الحي الذي نشأت فيه، حيث موسيقى الجيش الشيوعي الرتيبة تتردد في الأرجاء. يلسعنا برد الشتاء القارص. لحسن الحظ أنها تعرف شوراعه جيدًا. انتهى الحلم وتبدد تمامًا في ليلة شتاء قارصة، حينما لم نمتلك الخيار بإعلان الهزيمة في اللحظة التي قيدت فيها يد صديقك بالسلاسل!

11
ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال

12
يقولون أن ماركس لم يستمتع طوال حياته بتأليف كتاب مثل المتعة التي أحسها وهو يؤلف “فلسفة البؤس”. والكتاب كان ردًا على المفكر السلطوي الفرنسي جوزيف برودون. قرأت الكتابين مؤخرًا، وعلمت أن البؤس الذي فيهما لا يساوي شيئًا قدر البؤس الذي يمارسه أعضاء نادي البؤس كل يوم. إنهم لم يكونوا يومًا بائسين يا صديقي مثلنا؛ فلم يخسروا ثورة ولم يجففوا دماء أصدقائهم من على الطرقات. انتصروا فضحكوا حتى البكاء وهم يكتبون عن البؤس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد