يتميز الأسوياء عن المعطوبين بأنهم يمتلكون رؤية أفقية فيروْن أن ما بينهم وبين الآخر مسافة، فيما يراه المعطوبون روحيًّا بشكل عمودي فيتوهمون بأنه فرْق.

الشخص السوي يرى أنه هو وكل من يتعامل معه يقفون على الأرض ذاتها، يعرف بأن هناك ممن يقف بجواره أو بين يديه أو خلفه من يفوقه طولًا في جانب معين، ويدرك أنه يفوق آخرين طولًا في جانب آخر يميزه هو.

هذا الإدراك في الأسوياء هو مفتاح تفوقهم وسعادتهم، هو الباب الذي لا تفطن له بصيرة المعطوبين المسودّة بسخام قلوبهم التي أعطبها الغرور.

الأسوياء يؤمنون بأن الجميع يقفون على الأرض ذاتها وتظلهم السماء ذاتها. لذلك فالشخص السوي يكون أكثر سرعة في تعلم مهارات جديدة. وبالتالي يصبح أكثر قدرة على إحراز نجاحات جديدة باستمرار، لأنه يقف بشكل مريح لا يضطره للانحناء برقبته لرؤية من هو أدنى منه أو يثنيها للخلف لرؤية من هو أعلى منه، فالمشاهدة للآخرين لا تكلفه أكثر من التفاتة لأنه متيقن أن لا شيء تحته سوى الأرض وليس فوقه سوى السماء.

هذا الارتياح الذي يشعر به الشخص السوي مردّه ليقينه بأنه ليس من المنطق أن يكون هو النموذج الأمثل في كل جانب من جوانب شخصيته أو عقله أو حتى أخلاقه وقيمه، يؤمن بأنه مهما بلغ من الأفضلية بجانب؛ فهناك من هو أفضل منه في هذا الجانب ومن هو أفضل منه في جوانب أخرى.

الشخص السوي لا يزعجه هذا الفهم ولا يجعله ينظر لنفسه بدونية، لأنه لا يعتنق مبدأ الترتيب الطبقي للبشر في الدنيا. هو يؤمن بأن الترتيب والأفضلية للمهارات لا الشخوص، يؤمن بأنه ليس من المعيب أن يفتقر الإنسان لبعض المهارات، لأن هذا هو الشيء الطبيعي، فالكمال ليس صفة بشرية. يساعده هذا اليقين على التعامل مع من هو أعلى منه أو أدنى بذات الأريحية، فيضيف له هذا اليقين وتلك الأريحية مهارات أخرى ومعارف جديدة تضيف هي بدورها لمهاراته امتدادًا أعلى فتمنحه رفعة مستحقة، وهذا مما يغيظ المعطوبين من حوله بلا ريب، لأنهم يظنون بأن تلك السنتيمترات التي استطال بها في أعين الأسوياء الآخرين إنما اقتصها من امتدادهم هم، الامتداد الذي يتوهمون بأنه يلامس السماء الرابعة على أقل تقدير لتواضعهم!

السوي يفهم جيدًا أن وجود النقص شيء طبيعي في أي إنسان. لذلك فهو لا يقوم بترتيب الآخرين بشكل عمودي. هو يرتب نفسه مع الجميع بشكل أفقي ويرتب المهارات بشكل عمودي. يتعامل مع المهارات بشكل عقلي ويتعامل مع الأشخاص بشكل أخلاقي.

هذا ما يفعله الشخص السوي، ولذلك تحديدًا هو شخص سوي، ولذلك يرزقه الله السعادة. لأنه يستحقها، فالله تعالى العادل يجازي المحسنين بالإحسان ويرفع الإنسان درجات بقدر صدق تواضعه. وأقول صدق تواضعه وليس تواضعه فقط لأن المكافأة بالرفعة نظير التواضع أمر يستلزم ثبات الصدق في النية. ذلك أمر لا يفهمه من كان يتواضع على سبيل التهذيب!

كما أن هذه الميزة ـ الرؤية الأفقية ـ في الأسوياء هي التي تجعلهم أكثر قدرة من المعطوبين على التخلص من عيوبهم وتنمية مهاراتهم, لأنهم مؤمنون بوجود النقص فيهم ولا يُخجلهم ذلك. وهي أيضًا ما يجعلهم يحفظون للآخرين مكانتهم، فلا يتعاملون مع من هو أدنى منهم درجة في أي جانب بفوقية. هي ميزة أخلاقية كما ترون وليست عقلية، لذلك تكون مكافأتهم أنهم يحرزون النجاح تلو النجاح لأن ضمائرهم نقية كقلوبهم.

لهذا فالأسوياء أوفر سعادة ونجاحًا من المعطوبين الذين مهما أحرزوا من نجاحات إلا أنهم لا يهنؤون بتلك النجاحات لأن قلوبهم لا تفقه للسعادة إلا مفهومًا واحدًا فقط، هو أن يكونوا هم وحدهم فقط أفضل الجميع وأعلى من في السلَم. ولأن هذا أمر مستحيل؛ يحاولون أن يُظهِروا أنفسهم بأنهم في تلك المكانة فعلًا، لكنهم يهوون في قاع سحيق كلما خلوا لأنفسهم. لأن سعادتهم مبنية على سلّم وهمي صنعته مخيلتهم المريضة بالأنانية والغرور والجهل.

بهذا الشكل يصنع الأسوياء سعادتهم حتى في أحزانهم وفي خيباتهم وانكساراتهم، لا يتعاملون مع أنفسهم أو مع الآخرين إلا على أنهم بشر لا أكثر، لا يؤلّهون أنفسهم ولا غيرهم، يقدمون احترامهم ومحبتهم للجميع، ويقدمون تسامحهم للجميع، يتفهمون أن البشر ناقصون مهما ضللتهم صور الكمال بأنفسهم أو بغيرهم، بعكس المعطوبين الذين يؤلهون أنفسهم افتراضيًا وإن لم يذكروا ذلك لفظيًا، إلا أنهم يترجمونه بسلوكهم وبتصورهم للكيفية التي يجب أن يعاملهم بها من هم أدنى منهم وليس من حولهم، لأنهم في الواقع يظنون بأن لا أحد حولهم، الجميع أدنى منهم بالضرورة.

لا فائدة ترجى من محاولة إقناع المعطوب بأن سلّمه الافتراضي قد يملك امتدادًا أفقيًا أيضًا يسمح بأن تتسع درجته الأخيرة للكثيرين أيضًا، لا يفلح هذا المنطق معه لأن روحه سقيمة، ولو حاولت إقناعه بذلك سيحوّل السلّم لهرم ليضمن قمة تضيق كلما ارتفع، ولن يقبل بأي فرضية لا تعتمد التدرج العمودي الذي يضمن ألّا تتسع قمته إلا لشخص واحد، ولن يقبل ولو على سبيل الفرضية أن يكون هذا الشخص أحدًا سواه، فسبحان الذي سوّاه!

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد