1- قُتل سفير الدب الروسي على الهواء مباشرة من قِبل أحد الأتراك الذي أثارته أفعال الروس في حلب السورية المُسلمة، فسحب مسدسه وأرداه قتيلًا بِبِضْعة أعيرة نارية.

توقعنا غضبًا روسيًا عارمًا مُنصبًا على المسلمين عمومًا والأتراك خصوصًا، ولكن جاء رد الروس باردًا كهيئتهم، أما مَن استشاط غضبًا فهم المسلمون مِن عموم المثقفين، ومُدعي العلم، وهُواة الظهور في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي، مُبيِّنين رفضهم للقتل، ومُتبرئين من دم السفير، مُتحججين بحديثٍ رواه أبو داود والنسائي بسندهما عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه».

2- قام تنظيم ولاية سيناء بعمل تفجيرين كبيرين في كنيستين في الإسكندرية وطنطا، نَتَجَ عنهما مقتل عدد كبير من المسيحيين، ومن أفراد الأمن المكلفين بحماية الكنائس، فظهرت دعاوى كثيرة تطالب الأزهر بتكفير تنظيم الدولة الإسلامية، ثم تطورت هذه الدعاوى لتطالب بتغيير المناهج الأزهرية لكونها تحث على العنف وتكفر المسيحيين.

المثير للعجب: أن معظم من طالب بكل هذه الدعاوى، لا يفقه شيئًا في كتاب الله ولا سنة نبيه، ولكن مُنطلقاتهم القومية ونُخبويتها كانت هي الطاغية على هذا المشهد.

3- الموقفان بعيدان في الزمن عن بعضهما البعض، ولكن أثرهما على الواقع يمكن لمسه في لحظتنا الراهنة، ليس في تصدر غير المؤهلين علميًا وأخلاقيًا للفتوى، ولكن التغيير الذي طرأ على الشكل والهيئة التي يكون عليها المُفتي وتحوله إلى نجم مجتمع، وتجمع الآلاف الجاهلين بما لا يسع المسلم جهله حوله، وتعلقهم بالنجم الجديد.

لن أخوض في جدل فقهي لست أهلًا له ولن أُبَيِّن وجهة نظري في الأمر فلن تُفيد في شيء، أما ما سَأخوض فيه وأغوص في ساحته فثلاثة أمور:

أولًا: تَحدُث العوام في الأمور – التي تحتاج أعوامًا من الدِراسة المدرسية المنضبطة – بكل ثقة دون قاعدة ثابتة صلبة ينطلقون منها.

ثانيًا: إشكالية قياس الأحكام الفقهية وإنزالها على أرض الواقع الحالي للمسلمين.

ثالثًا: هل الفتوى التي تخرج في صيغة سؤال وجواب على موقع «الآسك» أمر يصب في مصلحة بناء وعي فكري وخطوة في بناء مشروع ثقافي حضاري للمسلمين؟

1- العوام والتحدث بدون عِلم

كان من أشد المِحَن التي مرت بالأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ خوف المسلمين من ضياع القرآن والسنة، فبدأ جمع القرآن في عهد أبي حفص عمر بن الخطاب.

أما ما كابدته الأمة بحق فهو جمع السنة النبوية الصحيحة فظهر لذلك علوم الحديث والمصطلح ونحوهما من العلوم التي تقوم بتحقيق النصوص وفحصها بعناية بالغة حتى يتم الحفاظ على السنة من الضياع.

نتيجةً لجهود الفاروق عمر وذي النورين عثمان – رضي الله عنهما – في جمع القرآن، وجهود علماء الحديث وعلى رأسهم البخاري ومسلم؛ ظهر نظام أصيل مُحكم لنقل النصوص المقدسة من الرعيل الأول للصحابة حتى سار وانتشر عموديًا على مر الأزمان وأفقيًا في جميع بقاع الأرض.

يضمن هذا النظام انتقال النص المقدس لفظًا ومعنى، من فم الرسول إلى أُذن المسلم المُتعلم، دون لَبسٍ في الفهم، فهذا الشيخ المُعلم أخذ العلم عن شيخه الذي أخذه عن شيخه وهكذا حتى نصل إلى الصحابي الذي تلقى العلم من النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا النظام الذي استعلى به الإسلام على سائر الأديان جعل من الصعب – بل ومن المستحيل – أن يأتي أحد ليُشَكِكَ في النص ذاته، وفيما ورد على لسان رسول الله من مراد الخالق من هذا النص.

على عكس المسيحية والمجتمع الغربي عمومًا، فلا يوجد علم مُنضبط تتعرف من خلاله على صحة الكتاب المقدس، وصحة تفسيرات القساوسة له، وبالتالي أصبح التعامل مع النص المقدس ينطلق من الرؤية الذاتية الفردية غير عابئة بقدسية النص، ولا منهجية التعامل معه، ودون إحاطة بكل جوانب النص.

وكان من الطبيعي أن يظهر في المجتمع الغربي شخص مثل جاك دريدا الذي أتى بمنهج جديد في تحليل النصوص، حيث إنه جَرَّدَ النصوص من مرجعيتها النهائية، وجعل التعامل معها عقلانيًا فرديًا لا مرجع له ولا غائية.

الفيلسوف الفرنسي يفرق بين عنصرين رئيسيين في التعامل مع النصوص وهما: التمثيل والواقع.

النص هو تعبير عما يريد الكاتب – ذاته -، وذلك من خلال حروفٍ وكلماتٍ تَرمُزُ لِلُغةٍ – موضوع النص – يفهمها القارِئ، بجمع ذاتِ الكاتب واللغة، يظهر لنا مراد الكاتب واقعيًا، أما ما حَدَثَ على العكس تمامًا؛ فهو تداول النصوص بدون إدخال ذاتية الكاتب كعنصر رئيس داخل عملية انتقال وتحليل وفهم النصوص، فأصبحت النصوص تمثيلًا لواقعٍ غائب، هذا الواقع يصبح مُعلقًا على ما ظن القارئ أنه وَصَل إلى ذهنه، فهو مَن يحدد إدراكه وفهمه للنص دون الرجوع للمعنى الخفيِّ في ذات كاتب النص.

وبناءً على إشكالية التمثيل والواقع والنظام المنضبط الذي وضعه علماء المسلمين، رفض علماء الأزهر وعلماء الدولة العثمانية إدخال الطابعة إلى الأراضي الإسلامية، لما فيها من تداول لنصوص مقدسة ونصوص العلماء بين أوساط العامة، دون أن يكون هناك أداة ضابطة لفهمها، وحاكمة لانتشارها بين أيدي العامة.

ولكن نابليون كان قد جاء في حملته على مصر حاملًا معه الطابعة التي استخدمها في التعليم العسكري بدايةً، ثم انتشرت الطابعة في أرجاء المحروسة.

أضحى المجهود المبذول في نقل العلم غير موجود تقريبًا، وأصبح من السهل على أي فرد أن يحصل على أي كتاب في أي موضوعٍ في أي وقتٍ شاء، متى توفر ثمنه، ثم وصلنا إلى واقعنا الحالي، فأضحت الكتب متاحة للجميع بدون أي مقابل مادي، وموجودة على شبكات التواصل الاجتماعي، تصل إليها العقول المضطربة والقلوب الضعيفة والأنفس الخبيثة، لم تلبث هذه النفوس حتى أخذت تَتَقَوَل على الله ورسوله بغير علم ومن غير استخدام لأدوات الفقيه المعروفة، فظهر لنا ركام كبير من الفتاوى الشاذة التي تم دحضها من قِبَل علماء المذهب نفسه، وتشكيكات في صحيح الدين وتزوير للوقائع التاريخية.

فأخذت تتحدث فيها بغير علم، وتنقض عالمًا جليلًا ،وتتخذ رأيًا ضعيفًا دون وعي، ودون علم، ودون بصيرة، ووصل الأمر إلى ذُروَتِه فأصبحت تأتي بالنصوص المقدسة وتستخدمها بغير علم وبجهل مُرَكب، فتُفتي وتُجيز وتُحلِل وتُحرِم.

2- إنزال الأحكام الفقهية

لماذا نذهب إلى المُفتي؟

لطالما جال هذا السؤال في بالي، أنا وكثير من الناس، مِمَن لم تتحين لهم فرصة الجلوس في سِنٍ صغيرةٍ أمام عالم جليل وتلقي العلم ومبادئه على يديه، فقلت في نفسي لماذا لا أفتح أيَّ كتابٍ في الفقه، وأنظر في مسائله، وأبحث عن بُغيتي وأفعله، بل وأنشر هذا العلم الذي حصلته بين أقراني وأهلي؟

لكن للأمر بُعدًا آخر يختلف جذريًا عما يظهر أمام أعيننا، فالأمر لا يمكن حصره في صورة الرجل الذي يحفظ عدة آراء ويلقي بها في آذان العامة هكذا دون إعمال للعقل، فدعونا ننظر كيف يتم تكوين الفقيه.

الفقيه هو رجل قد حفظ القرآن والسنة، وقضى ردحًا من الزمن يدرس علوم المقاصد، وينهل من علوم المصادر، ويُعمل عقله في النصوص الشرعية باستخدام علوم الآلة، حتى كَوَّن ذلك التحصيل في عقله، هيكلًا معرفيًا يرتكز على ركيزتين أساسيتين:علوم الوحي وعلوم الآلة.

منهجية الدراسة كونت داخل عقله ملكة الفقيه، ليست حفظًا للمسائل، ولا حفظًا للمتون فقط، بل عملية عقلية يدور خلالها الفقيه مع النص يعمل عقله بداية بفك ألفاظ النص – بعد ثبوت صحته – باستخدام علوم اللغة العربية، ثم يأتي علم أصول الفقه ليضع القواعد الكلية التي يتم إرجاع المسائل إليها، فيخرج الفقيه بعد نظر من النص إلى القاعدة الشرعية إلى المسألة الحادثة أمامه فتتكون الفتوى.

وفي ذلك أدلةٌ كثيرة:

قول الله عز وجل في سورة النساء: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُم).

وحديث معاذ بن جبل الذي رواه أبو داود: أنه حينما بعثه النبي قاضيًا إلى اليمن، فقال له: بم تقضي؟ قال بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: أقضي بما قضى به رسول الله؟ قال: فإن لم تجد فيما قضى به رسول الله؟ قال: أجتهد برأي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله.

أما ما يفعله الجهلة والفسدة من عدم امتلاك الوسائل، وعدم تَكَون مَلكة الفقيه في عقولهم، فهو كذب على الله ورسوله وبهتان.

3- فتوى «الآسك»

نتيجةً للتطور السريع في تكنولوجيا الاتصالات؛ أطلت علينا وسائل التواصل الاجتماعي كبديل لتجمع عدد كبير من البشر وجهًا لوجه، فيمكن لعدد كبير من الأشخاص تبادل المعلومات والأفكار، دون التقائهم على أرض الواقع، بل كل منهم في مكان مختلف بعيد عن الآخر.

بعد النجاح الكبير الذي حققه موقع «فيسبوك» أتى موقع «آسك» ليطرح فكرةً جديدةً، فبدلًا من التعبير عن وجهة نظرك باسمك، لم لا ترسل بوصفك شخصًا مجهولًا لأحد آخر سؤالًا أو استفسارًا أو أي شيء ولكن دون إبداء هويتك؟

لاقت الفكرة رواجًا بين المستخدمين الشباب، لكن ظهر في الموقع بعض الشيوخ الذين لم تتسن لهم فرصة الوصول لقطاع عريض من الناس وذلك من خلال المسائل التي تُطرح عليهم على الموقع من وراء حجاب.

ساعد على انتشار هذه الظاهرة عملية التجهيل المستمرة التي تسير عليها الدول الإسلامية، فظهر جيل لا يعرف شيئًا عن دينه حتى ما لا يسع المسلم جهله، لا يعرفه، فتوالت الأسئلة بين البسيط والمعقد.

أما ما تغافل عنه كثير من الناس فهو أن هذه الصورة قد أدت إلى الإخلال بالنظام الإسلامي الذي يتم من خلاله انتقال الفتوى من الشيخ إلى السائل.

فالمُفتي لا يعلم ما إذا كان السائل رجلًا أم امرأة، ولا يعلم ما إذا كان من نفس بلده ونظامه الاجتماعي أم لا، ولا يعلم عمر السائل، ولا يستطيع أن يعلم الغرض الذي جعل السائل قد ظهر في رأسه هذا السؤال، كما أنه لا يستطيع أن يعلم ما إذا قد فهم السائل فهمًا صحيحًا حتى يرد عليه ردًا صحيحًا.

ثم حلت طامة أخرى، فلم يقتصر الأمر على اختلال العلاقة بين المُفتي والمُستفتي، بل انتقل الأمر إلى تبادل هذه الإجابات بين العامة على أنها ردود جاهزة يتم تبادلها دون إسنادها إلى واقعها الخاص بسائلها، ودون إرجاعها مرةً أخرى إلى المُفتي فلربما ظهر لديه دليل آخر فغير رأيه، وجهل بعملية إسقاط المسألة الفقهية على شخصٍ بعينه.

وزاد الأمر سوءًا فظهرت صفحة على موقع «فيسبوك» تسمى «قطوف من الآسك»، تنقل بعضًا من ردود الشيوخ، ظنًا منهم أنهم يقومون بتوصيل الدين وتعاليمه وأحكامه ومسائله وما لا يسع المسلم جهله من الدين إلى قطاع عريض من الناس، وكانت النتيجة النهائية لهذه الفوضى؛ أن أضحى الفقه مسائل رياضية، يتم تداولها بين الناس وبعضهم البعض، وبين الشيوخ والسائلين، دون أن يكون هناك وعي أن هذه المسألة وإجابتها خاصة بالسائل وحده وليس حكمًا عامًا يجوز للباقي الأخذ به.

لقد جاء «الآسك» ومسائله ليفرض جمودًا فقهيًا على بعض المسائل التي يريد الشيخ التحدث فيها، أما المسائل الأخرى فلا تُثار، هذا الشد والجذب لن يؤدي في النهاية إلى أي تغيير واقعي يترتب عليها تكوين مشروعٍ حضاري يلتف حوله المسلمون ليكون بداية إقامة الدولة الإسلامية.

4- خاتمة

سُئِل يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ: «أَيُفْتِي الرَّجُلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ؟ قَالَ: لَا قُلْتُ وَمِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ ثَلَاثِمِائَةٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: خَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: أَرْجُو»، وَلَيْسَ يَكْفِيهِ إِذَا نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا أَنْ يَجْمَعَ فِي الْكُتُبِ مَا ذَكَرَهُ يَحْيَى دُونَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ وَنَظَرِهِ فِيهِ وَإِتْقَانِهِ لَهُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْفَهْمُ وَالدِّرَايَةُ وَلَيْسَ بِالْإِكْثَارِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الرِّوَايَةِ.

نتيجةً لسهولة الاطلاع على كتب التراث دون فهم ووعي ودون امتلاك أدوات الفقيه، ظهر قَدرٌ كبير من الشكوك والتساؤلات التي قتلها العلماء بحثًا في السابق، ولكن هؤلاء يأبون إلا أن يعيدوا دورة الزمن، وجهل هؤلاء كيف يكون التقول على الله ورسوله من أعظم الحرمات التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. رواه مسلم والبخاري والترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد.

ونتيجةً للاستعمار وعمليات التحديث التي حدثت في البلاد الإسلامية، جَهل المسلمون دور الفقيه وكونه ركنًا رئيسًا من أركان المجتمع المسلم، فظهر تبعًا لذلك جيلٌ يجهل فقه الطهارة والصلاة، والتي لا يصح كونه مسلمًا إلا بها، ثم جاء «الآسك» وقطوفه ليجعلوا المسائل الفقهية مسائل رياضية جامدة ثابتة لا حركة فيها ولا اجتهاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد