فى غمرة الشد والجذب بين فصائل الثورة المتباينة، ضاعت مفاهيم أصيلة، وأسس، يفترض أن تكون راسخة في الأذهان، فسرتها قوى ثورية بشكل مضلل، فأضاعوا ثورة اجتمع عليها الناس الذين ارتضوا بقواعدها التي أرساها هؤلاء الثوار بأنفسهم.

ولأننا نجد ـ كل فترة ـ من يخرج علينا مطالبًا باصطفاف الثوار؛ ليشعلوا ثورة جديدة تتخلص من هذا الوضع الكارثي الذي نحياه، أردت اليوم أن أوضح هنا بعض المفاهيم التي يبدو أنها غابت عن الكثيرين في غمرة الأمل في ثورة تداوي الجراح، وترفع الظلم، وتمنح النفس بعض السلام.

أولًا .. ما هي الثورة؟

الثورة هي حركة سياسية يقوم بها الشعب بقيادة النخب والطلائع التي تُكَّون مجموعات ثورية؛ مهمتها إزاحة السلطة عن الحكم، باستخدام العنف.

إذن فلكل ثورة رأس مفكر مدبر، لا يوجد في تاريخ الثورات ثورة بلا رأس، سوى في ثوراتنا العربية، ولذلك تتحول لنوع من الفوضى التي تفضي بنا في النهاية إلى اللا مكان، لابد أن يكون للثورة قائد، لابد أن يركبها فصيل، في الثورات لا يوجد طرف يتحمل المشقة ليرفع طرفًا آخر للحكم، في الثورات لا مجال للتوافق حد التساوى، لا ينتظر أحد أحدًا حتى يكتمل نصاب قوته، لا يلزم الطرف الأقل شعبية الأكثر شعبية بمطالب، ولا يجبره على أن يلتزم بوثيقة، كما أنه لا توجد ثورة بالوكالة كما حدث في 30 يونيو.

يتوقف الأمر دائمًا في نجاح الثورات على إرادة الجيش، فإما أن ينضم إلى الثورة برغبته كما حدث في ثورة يناير، أو رغمًا عنه إذا ما اخترق الثوار صفوفه بشكل قوي؛ فأحدثوا فيه انشقاقًا كما حدث في ليبيا، أو إذا ما تعاطف الجنود بشكل عفوي مع الثورة، وانضموا لها، كما في الثورة الفرنسية، وإما أن ينحاز إلى الطبقة الحاكمة؛ فيبطش ويخمد الثورة في مهدها. إذن فالأمر يتوقف على من يملك السلاح؛ فالثورة تغيير عنيف، أي تغيير سلمي تعتمده أية ثورة، لا ينتج عنه تغيير جذري. فالثورة السلمية ما هي، إلا ورقة ضغط على الأنظمة للحصول على بعض المكاسب أو التغييرات التي تبقي الدولة العميقة في مستقرها، وتكتفي بتغيير الوجوه لإرضاء الجماهير.

لذلك فإن الحديث عن ثورة سلمية تضرب جذور الفساد أو عن شعب يغير لمجرد وقوفه أو اعتصامه في ميدان. فهذا أمر أرادوا به تغييب الجماهير؛ لإحداث تغييرات تبدو ظاهريًا أنها تعيد له حقوقه وحرياته وحقه في تقرير مصيره، بينما يستغل هذا الشعب، دون أن يدري في تنفيذ مخططات آخرين؛ لتحقيق مآربهم هم، إلى أن يستيقظ؛ ليجد نفسه خارج اللعبة برمتها.

هذا هو مفهوم الثورة، وأنا اليوم أجد الداعي يدعو ـ للمرة الثالثة ـ لثورة سلمية، بدون رأس، ولا أرض مشتركة! ولا أفهم أي منطق ثوري هذا الذي يقضي بأن تثور على نظام، ثم تعود، فتضع يدك في يده؛ لتنقلب على منتج الديمقراطية، التي حصلت عليها، بعد ثورتك الأولى، ثم تعود فتثور على نفس النظام الذي ثرت عليه في البداية؛ لتدعو من انقلبت عليهم، وتسببت لهم في عذابات، الله وحده يعلم مداها؛ ليؤازروك؛ لتتخلص ممن ثار عليهم، بالنيابة عنك، وتخيلت أنك قد تحصل منه على مكاسب؛ تضعك في مرتبة سياسية متقدمة!

ثانيًا .. ما هي الشرعية؟

الشرعية هي نتاج العملية الديمقراطية السليمة الوحيدة التي حدثت في مصر، طوال الستين عامًا الماضية، نادى بها ـ الديمقراطية ـ الليبراليون، فاستجاب لها الجميع، وتقبلها الإسلاميون في إطار مفهومهم «للشورى»، وفي إطار أنهم مضطرون لها، فانسحابهم من العملية الديمقراطية يترك الساحة السياسية خالية للعلمانيين. وهذا ما يضر بمبادئهم. ففي اعتقادهم لا انفصال بين السياسة والدين، وهكذا اختار العالم صناديق الانتخاب، وجعلوها هي الفيصل، فأتت برئيس إسلامي ما لبث أن انقلب عليه من اختاروا العملية الانتخابية ركيزة للديمقراطية.

أريد هنا أن أوضح أن الدفاع عن الشرعية هو الدفاع عن قواعد اللعبة، فأية قاعدة يمكن الارتكاز عليها، إذا ما حطمنا القاعدة الأولى؟ وما الضامن لنا ألا نجد من يكسر نتيجة أي اختيار ديمقراطي بعد ذلك؟

الشرعية ليست «مرسي»، وليست كرسي حكم، كما يحب أن يروج الساخرون منها، الشرعية هي الدفاع عن مبدأ، عن حق، عن اختيار، هي الدفاع عن أول مكتسب ديمقراطي، بعد عقود من الديكتاتورية.

 ما هي الديمقراطية؟

الديمقراطية الليبرالية هي شكل من أشكال الديمقراطية، التي تعني حماية حقوق الفرد المنصوص عليها في القانون عمومًا، ويتميز هذا الشكل من أشكال الحكم بانتخابات نزيهة، وحرة، وتنافسية بين الأحزاب السياسية، والفصل بين السلطات في مختلف فروع الحكومة، وسيادة القانون، في الحياة اليومية، كجزء من مجتمع مفتوح، وضمان الحماية المتساوية لحقوق الإنسان، والحريات المدنية والسياسية لجميع الأشخاص. هذا هو نمط الديمقراطية الذي دعا لها الليبراليون، واستجابت لها باقي الفصائل الثورية والشعب.

ولا أدري كيف ينقلبون عليها بالأمس، ويدعون لتطبيقها اليوم؟

ماهو الانقلاب؟

الانقلاب هو إزاحة مفاجئة للحكومة بفعل مجموعة تنتمي إلى مؤسسة الدولة عادة ما تكون الجيش، فلا مجال إذن لتخفيف وطأة ما حدث في 30 يونيو أو 3 يوليو لمحو آثار جريمة قتل للديمقراطية مكتملة الأركان، فما حدث وقتها هو انقلاب غير ديمقراطي يقوم بتغييرالأشخاص، ويبقى على النظام كما هو، ويضع ضباطًا من الجيش محل القادة السياسيين، مع بقاء النظام السياسي دون تغيير؛ إذ الرغبة في البقاء في الحكم إلى الأبد.

وهناك نوع آخر من الانقلابات يطلق عليه الانقلاب الديمقراطي، وهو ما حدث في ثورة يناير؛ حيث الإطاحة بنظام شمولي أو استبدادي، وإحداث تغيير إيجابي في هيكل النظام السياسي، من خلال تسهيل إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة في غضون فترة قصيرة من الزمن. وينتهى هذا الانقلاب بنقل السلطة من قبل ضباط الجيش إلي حكومة منتخبة ديمقراطيًا.

ما هي الليبرالية؟

الليبرالية هي فلسفة سياسية أو رأي سائد تأسست على أفكار الحرية والمساوة، وعليه فهم يحترمون الخيار الحر للأفراد، ويحترمون حرياتهم الدينية والفكرية، ولكن يبدو أن ليبراليي العرب فشلوا، حتى في نقل مبادئ غربية آمنوا بها، واعتنقوها؛ فقد سفهوا من اختيار شعب يرون أنه مازال جاهلًا، لا يعلم أين يضع ثقته، هو في نظرهم مجرد فريسة لمن يطعمونه، ويخطفون عقله تحت مسمى الدين، مازال صغيرًا على الديمقراطية، وعليه فقد نسفوا الصناديق التي حملت خيارهم، ونسفوا معها الديمقراطية كمبدأ للفصل بين الطامحين للحكم، والسؤال هنا: ما الفارق إذن بينهم وبين النظام الذي يثورون عليه في كل مرة؟

إن اختلاط المفاهيم بفعل فاعل، هو سبب ما نمر به اليوم، فعندما تصادمت المفاهيم السليمة مع المصالح قامت الأخيرة بتطويع الأولى، ولي عنقها؛ لتصبح مناسبة لتنفيذ رغباتها، وهكذا تدنى بنا الوضع السياسي لما نحن فيه الآن.

يلومون على النظام أنه يكذب، ويتحرى الكذب، حتى أصبح فضيحة يدوي صداها في العالم كله، ونسوا أن من أضاعوا المبادئ والمفاهيم السليمة هم من مهدوا له الطريق، وشكلوا له الغطاء؛ ليقضي على كل ما هو عاقل موزون في هذا البلد.

أيها الداعون للثورة، العائدون من كوكب الانقلاب، أيها المؤيدون لهؤلاء الداعين من كوكب الشرعية، إذا أردتم حقًا أن تسعوا لأهداف نبيلة، عليكم أولًا، أن تلتزموا المبادئ والأسس والمفاهيم الصحيحة، وثانيًا، أن تتحاوروا؛ لتقفوا على أرض صلبة، ثالثًا، أن تنظفوا الجراح وتطببوها، وأخيرًا، أن تصدقوا النوايا، وإلا فلتتركوا القطار يهوى في سلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مفاهيم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد