عام واحد من الفساد كفيل بأن يخلف أعوامًا من التأخر في شتى المجالات، ويجني ثمرته الأفراد والمجتمع بصفه عامة، ومثل غياب الحرية عن مجتمع كمثل نهر جارٍ رقدت مياهه وتوقفت عن الحركة فأصابها العطن والآفات، وغاب عنه كل شيء جميل فيه .

– وفي مجتمعاتنا التي لم تذق طعم الحرية وفرض عليها الاستبداد، غاب عنها خبرات وعقول أبنائها وأصبحت طاردة لهم للخارج أو ملقيه بهم في غياهب السجون إن هم طالبوا بالحرية لمجتمعهم، وفقدت بلادنا أعمار مجمعة فاقت مئات الأعوام وما زالت تفقد من أعمار وخبرات أبنائها.

– ولعلنا نذكر ما صرح به الراحل عزيز صدقي، وهو رئيس وزراء مصري عمل خلال الفترة الناصرية عندما تقدم به العمر خرج بكلمات مقتضبة كانت هي أقصر شهادة علي التاريخ لمجمل خسائر مصر جراء غياب الحرية وسيادة الاستبداد خلال تلك الفترة حيث قال: «إننا نعتذر لمصر أن ضيعنا عليها كفاءات وعقول أبنائها الذين زج بهم في السجون والمعتقلات لسنوات طوال».

– رحمك الله يا دكتور عزيز ولكن هل تعلم أنه ما زالت السجون في مصر تعج بالمئات من أبناء الوطن للأسباب نفسها ولم يغير اعتذاركم من الوضع شيئًا، وما زالت بلادنا تسير في المنحدر نفسه المتمثل في الحرمان من الحياة وتفويت الفرص على الوطن للاستفادة من خبرات أبنائه وعقولهم .

– وعلى المستوى الفردي فإن غياب الحرية عن المجتمع يصيب المنادين بها بالضرر المادي والمعنوي، ويتنوع ليشمل السجن وتكميم الأفواه وقتل التفكير والإبداع والتضييق في الأرزاق ومصادرة الأموال بدواعي واهية، وكل ما سبق يؤدي لكارثة هي الأخطر على مستقبل الوطن وهي غياب أو قل هروب الاستثمار من البلاد وانتشار إضافي للبطالة وغياب كامل للتنمية ولفرص الحياة الكريمة بسبب تراجع المستوى الاقتصادي للبلاد، ولخطورة الإجراءات الاستثنائية التي تفرضها الدول التي تدار بغير الحرية والتي لا تعرف قانونـًا أو اتفاقات مسبقة، وهو ما يمكنها من مصادرة أية أموال والتحفظ على أية أصول تحت داعي المصلحة العامة، وهو ادعاء محض.

وبفقد البلاد لما سبق ذكره تخسر الشعوب الحياة الكريمة، وتفقد عقول من تم سجنهم، الذين سرعان ما يقومون بالفكاك خارج البلاد لينجوا بأنفسهم وعقولهم من الموت، واللحاق بالدول التي تقدر للخبرات حقها ليأخذوا مكانهم اللائق بهم ماديًّا ومعنويًّا، وبذلك تكون الشعوب هي الخاسر الأكبر وحدها.

– والمدافعون عن الحرية على قناعة بأنهم يضحون بحريتهم لأجل هدف أسمى حتى وإن تأخر تحقيقه فهو آتٍ ومحقق، ويعتبرون ما يصيبهم من أضرار أنها ضريبة دعوتهم للتحرر من الاستبداد، أما بقية أفراد المجتمع فهم دائمًا ما يلجؤون للتكيف مع الواقع والقبول بالاستبداد والرضوخ له، وهو أمر أشد خطورة من تعرض البلاد للكوارث والمحن التي تزيد من إرادة الشعوب وتجعلها مرحلة تاريخية عابرة ورقمًا في ذاكرتها.

– ولكن مسلك القبول بالاستبداد يؤدي إلى العيش حياة غير كريمة عنوانها الحرمان من خيرات البلاد التي تذهب لزمرة من الناس دون غيرهم، ورغم ذلك فإنهم لا يتوانون عن تربية أبنائهم على الخوف مثلهم ليذوقوهم مرارة تجرعوها وألفوها ظنًّا منهم أنهم بذلك يجنبون أبناءهم مخاطر الاصطدام بالاستبداد، ولكنهم يتسببون في حرمانهم مما حرموا منه، إضافة إلى تجرع أبنائهم المصير الذي يخشون منه، فالقبول بالاستبداد مخافة بطش المستبد لن يجني سوى مزيد من البطش .

– ولدينا مصر نموذج واقعي يؤكد أن مخافة المطالبة بالحقوق لن يجني إلا مزيدًا من الحرمان منها، ولن يمنع من إراقة الدماء، فبعد عقود من الاستبداد خرج الشباب يطالب بالتغيير رفضًا لتكرار تجربة من سبقوه وقدم الشباب روحه رخيصة في سبيل تغيير واقع متراكم بفعل الخوف، وأدى في نهاية الأمر لوقوع ما كان يتخوف منه وفقدت البلاد مرة أخرى أعمارًا ونفوسًا زكية كانت أفضل ما في بلادنا.

– ولعل ما يلاحظ في هذا المعنى ويؤكد عليه هو ما حدث في مصر منذ الـ3 يوليو 2013 بعد عامين من ثورة تصدرها الشباب وتصدر بعد ذلك الساحة سياسيًا وإعلاميًا وجماهيريًا، وسرعان ما انقلب كل هذا وكأن بلادنا تقول لهم انتهت اللعبة عودوا إلى الوراء فهناك من غابوا عن أماكنهم التي شغلوها عشرات السنين وحان الوقت لاستردادها .

– فنجد في مصر الآن كمثال شيوخًا يتحدثون عن مستقبل البلاد، وخبراء عسكريين يخططون للأوضاع السياسية وممثلين يضعون دستور البلاد ولا عيب في كونهم من أهل الفن، ولكن في مصر فإنك قلما تجد من أهل الفن من يحمل فكرًا سياسيًا ثوريًا وقلما تجد منهم من يفكر خارج سرب الأنظمة الحاكمة التي تغدق عليهم بالجوائز والأوسمة والأموال وغير ذلك، لذلك فهم لم يتبنوا يومًا –غير قلة منهم– حلم الثورة وكانوا من أول المنادين بأنها مؤامرة يجب الإسراع للتخلص منها، فهم لا فكر مستقل لهم، وإن شئت فقل إن ميزة أن تكون ممثلًا ذا فكر ورؤية لم تكن محببة لدى الأنظمة الحاكمة، فأنتجت جيلًا أو أكثر من الفنانين غير عالمين بالسياسة ودروبها وعلى غير دراية بأوضاع المجتمع الذي خرج منه الشباب ثائرًا وهو ما اعترفت به إحدى الممثلات عبر التليفزيون أنها لم تكن تفهم أي شيء في السياسة وأن الإعلام هو من شكل لها وعيها، كل هذا وغير هذا يؤكد على غياب الشباب وأهل الكفاءة عن المشهد العام للبلاد بفعل غياب الحرية.

– وهنا في السجن هو المكان الوحيد الذي لم يغب عنه الشباب في بلادنا، وإن شئت فقل إن الشباب أصبح هو العنصر الغالب في سجناء الحرية، وقلما تجد بينهم شيخًا أو رجلًا، وهنا في السجن تجد مستقبل بلادنا وقد فرضت عليه الحراسة وعقول ناضجة حبست في زنازين وأخرى بالية تخطط لمستقبل بلادنا.

وجدت هنا عقولًا تأبى أن تنضب من الفكر والإبداع ولكنهم بدلًا من أن تحتفي بهم بلادهم وتصدر بهم المشهد، زجت بهم في غياهب السجون، ولكنهم واصلوا التميز ووظفوا عقولهم في التغلب على المعاناة التي نعيشها هنا.

– ولك أن تتخيل زنازين بها شباب يصنعون من «الفسيخ شربات» ليواجهوا إصرار السجان على منع أساسيات الحياة عنا، فهنا صنع الشباب سخانًا للمياه باستخدام سلك كهربائي فقط وهنا استخرجنا من الخبز صمغًا للزق، ومن ثقوب الجدران أرففـًا، ومن الورق والمعكرونة ورق حائط نزين به جدران بالية، ومن الكرتون مكاتب للمذاكرة ومكتبة معلقة للكتب، ومن القماش البالي أدوات رياضية كالحبل وشبكة للكرة الطائرة والكرة أيضًا، من البلاستيك صنعنا حاجزًا وضعناه أمام سلك النوافذ لمنع الهواء بالشتاء القارس، ومن الزيت والجسم الخارجي للبرتقالة كان سراج الزيت للإضاءة وقت انقطاع الكهرباء وغيرها من الابتكارات .

وقد تظن أنها أشياء تافهة ولكنها في السجن من أساسيات الحياة، وإن تعبر فإنما تعكس عقولًا نهمة للابتكار والإبداع حبست، ولكنها أبت أن تعلن للسجان أنها لن تتنازل عن الحرية .

وهنا في السجن أيضًا تجد كافة التخصصات العلمية والعملية التي حرم منها المجتمع وأصبحت حبيسة جدران، ولا يمكن أن أنسى عمرو الذي نسميه هنا «بعبقرينو» الذي لا يجهل أي شيء عن عالم الكمبيوتر والبرمجة، والذي كاد أن يطور أنظمة إلكترونيه قبل أن يقبض عليه من منزله بتهمه التظاهر، ولكنه أصر على أن يواصل تميزه بأن يلقي محاضرات عن مجاله حتى لا يصاب بالموت وحتى ينشر ما يملكه من علم ولو كان في السجن.

– وهنا أيضًا كوكبة من الأطباء والصيادلة والمهندسين وطلاب بكليات الطب والهندسة والتربية وكليات جامعة الأزهر بمختلف فروعها.

– كلنا هنا نستفيد من كل تخصص ولكن هل تقوم الدول والمجتمعات وهي تحاصر ما بها من كفاءات داخل أسوار وأقفاص، نكررها أننا كمدافعين عن الحرية ومنادين بها لم نضار بقدر ما يحسب الناس، فنحن على يقين بأن ما نقدمه من ثمن لا يضاهي الحلم في أن تتحرر بلادنا، ولكن مجتمعنا هو المحروم أولًا من تلك الخبرات وثانيًا من غياب أصحاب ضمائر وقلوب حية لا تعرف البخل بما لديها من عاطفة ومنفعة لبلادها.

– وهنا أيضًا تجد المطربين والممثلين وكتاب الشعر والرسامين الذين ربما لا تسمع بهم يومًا ما، ولكنهم كان لهم الأثر في إزالة كثير من الأحزان عنا بما يقدمونه من وصلات شعرية وغنائية وتمثيلية في مساء كل يوم وكذلك قد نجح عدد ليس بقليل منا في تعلم الرسم من رسامين معنا، وأصبحت الزنازين حافلة بالرسومات التي تعبر عن شخصية كل فرد فينا، وصرنا نقدمها كهدايا فيما بيننا وتقدمها لأسرنا في الزيارات والآباء منا يتفننون في إخراج رصيد حبهم وشوقهم لأولادهم وزوجاتهم من خلال لوح فنية مدون عليها أسماء زوجته وأولاده، من خلال رسم أشكال ومناظر طبيعية وشخصيات كارتونية ويتركون لأولادهم مهمة تلوين تلك اللوح بعد خروجها في الزيارة ليحققوا نوعًا من التواصل والارتباط المفقود بسبب السجن .

– ورغم كل ذلك فإن سجن المنادين بالحرية وحرمان بلادنا منهم يضر ببلادنا، ويؤخرها كل يوم عن اللحاق بمصاف الدول، فضلًا عن أنه لن يطيل في أعمار الطغاة كثيرًا كما يظن المستبد فإنه حتمًا ما سيخرج الناس ينادون بالحرية مهما طال مكوث الاستبداد، وأختم بمقولة للفيلسوف المصري الراحل عبد الوهاب المسيري: «يخطئ من يظن أنه من خلال السيطرة على السلطة يمكنه السيطرة على المجتمع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد