في صباح يوم 5 يونيو (حزيران) 1967، هاجمت إسرائيل مصر، ودُمر سلاح الجو المصري جاثمًا، ولم تجد الطائرات الإسرائيلية من يقاومها وهي تحول قواتنا إلى أشلاء متناثرة في صحراء سيناء.

أبرزت هزيمة يونيو1967 ضرورة وجود منظومة دفاع جوى متكاملة بعناصره المختلفة لحماية سماء مصر؛ حتى لا يتكرر سيناريو حربي عامي 1956 و1967.

وفي إطار اعادة تنظيم القوات المسلحة المصرية بعد الكارثة التي ألمت بها في حرب يونيو، صدر قرار في فبراير (شباط) 1968، بفصل قوات الدفاع الجوى عن القوات الجوية؛ لتصبح القوة الرابعة ضمن القوات المسلحة المصرية، والتي تشمل القوات الجوية والبحرية والبرية.

لم تمض بضعة أشهر على قرار تشكيل الدفاع الجوي حتى بدأت حرب الاستنزاف، ومع تصاعد وتيرة الاشتباكات على طول الجبهة وتزايد خسائر إسرائيل في المعدات والأفراد، قررت إسرائيل استخدام سلاحها الجوى في غارات عنيفة على منطقة القناة والقاهرة، واستهدفت بعض الأهداف الحيوية في العمق المصري؛ وذلك لضرب الجبهة الداخلية وإظهار عجز النظام الحاكم عن حماية الدول، ولإجبار مصر على إيقاف القتال. وظهر عجز سلاح الجو المصري في مواجهة القوات الجوية الإسرائيلية المتفوقة تفوق كاسح، سواءً في الطائرة أو الطيار.

وفي عام 1969 قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتدمير الدفاع الجوي المصري بصورة كاملة والذي كان يضم بضع قواعد صواريخ سام 2 للارتفاعات العالية والمدافع التقليدية المضادة للطيران، ولم يكن في مقدور القوات الجوية المصرية مواجهة عربدت الطائرات الإسرائيلية في سماء مصر التي قامت بغارات عنيفة ووحشية شملت أهداف مدنية كمدرسة بحر البقر وقناطر وكوبرى نجع حمادى وقناطر إسنا ومحطة محولات كهرباء السد العالي، وشنت غارات جوية على منطقة إدفو ومعسكرات الجيش بأسيوط ومصنع أبو زعبل للصلب ومجمع الصناعات بحلوان، وقامت الطائرات الإسرائيلية باختراق حاجز الصوت فوق القاهرة بغرض إحداث تأثير معنوي على المواطنين، وشنت غارات جوية على مناطق التل الكبير وأنشاص ودهشور، ودمرت مواقع الرادارات وقواعد الصواريخ أرض – جو من طراز سام2.

تقدمت قيادة الدفاع الجوى إلى القيادة السياسية بخطة طموحة لإنشاء منظومة دفاع جوى حديثة، وكان على القيادة السياسية التحرك لتوفير احتياجات القيادة العسكرية.

وفي يناير (كانون الثاني) 1970 قام جمال عبدالناصر بزيارة سرية إلى موسكو وقال الرئيس جمال عبد الناصر للقيادة السوفيتية: «إن مصر تشعر أنها دون حماية، وإن مئات العمال والمدنيين قد قتلوا، وإنه من الضرورى إيجاد وسيلة لتمكين مصر من الوقوف في وجه التفوق الجوي الإسرائيلي، وهذه الوسيلة لا تتحقق إلا بواسطة صواريخ الدفاع الجوي».

ودارت مناقشات عنيفة مع السوفيت انتهت باتخاذ القيادة السوفيتية واحدًا من أخطر قراراتها في عصر الحرب الباردة، قرارًا غير مجرى الصراع العربي الإسرئيلي وهو من حدد مصير الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

قرر السوفيت إمداد مصر بفرقة دفاع جوى كاملة بأطقم سوفيتية تتكون من 32 كتيبة صواريخ أرض جو طراز سام 3 وثلاثة ألوية جوية بعدد 84 طائرة طراز ميج 21 المعدلة. وتزويد مصر بعدد 50 طائرة قاذفة طراز سوخوي، و4 أجهزة رادار ب 15، لرفع كفاءة الإنذار الجوى ضد الطيران المنخفض. كما تم الاتفاق على تدريب أطقم 3 ألوية دفاع جوي في الاتحاد السوفيتي على تشغيل واستخدام صواريخ سام 3.

وكانت هذه أول مرة يوافق فيها الاتحاد السوفيتى على إرسال قوات عسكرية لدولة خارج حلف وارسو منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وفي خلال شهرين تكامل وصول القوات السوفيتية لمصر، ومنذ أبريل (نيسان) 1970 توقفت إسرائيل تمامًا عن غارات العمق بعد علمها بوجود قوات دفاع جوى سوفيتية في مصر.

ونظرًا لحلول كتائب الدفاع الجوى السوفيتية مواقعها في الدفاع الجوى عن عمق مصر، بدأت مصر في إقامة دفاع جوي عن منطقة القناة لتغطية الجبهة وحماية قواتنا من الغارات الإسرائيلية.

فبمجرد انتهاء تدريب ألوية الدفاع الجوي المصرية في روسيا عادت لمصر، وبدأت قيادة الدفاع الجوى في اتخاذ الإجراءات لتنفيذ مخططها الأكبر.

قررت مصر إقامة منظومة دفاع جوي متكاملة عن منطقة القناة عن طريق أسلوب الزحف البطيء، وذلك عن طريق إنشاء تحصينات نطاق تحت حماية نطاق خلفي له حتى تستقر وحدات الصواريخ سام عند أقرب نقطة ممكنة لشاطئ قناة السويس. حيث إن صواريخ سام 2 وسام 3 ذات حجم ووزن ثقيل ويصعب نقلها، وكانت تحتاج إلى إنشاء ملاجئ خرسانية لحمايتها.

رصدت إسرائيل عملية إنشاء تحصينات قواعد الصواريخ في منطقة القناة، واخذت في قصف مواقع الإنشاء بضرواة.

وفي مارس (آذار) 1970 قال الجنرال بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي: على المرء ألا يقع في تصور أن صواريخ سام دفاعية، إنها قد أقيمت لتعطى لمصر قوة هجومية. إن مجرد إقامة هذه الصواريخ سيخلق في مصر شعورًا بالحرية لفعل ما تريد.

سخرت مصر كل امكانيتها المادية وطاقتها البشرية لبناء تحصينات وملاجى ودشم قواعد الصواريخ، فاشتركت شركات المقاولات الكبرى بمهندسيها وعمالها مع القطاع العام للتشيد مع سلاح المهندسين في العمل.

يبدأ العمل ليلًا ويتوقف نهارًا لشدة الغارات الإسرائيلية فكان العدو يسقط قنابل زنة ألف رطل على موقع البناء فيتدمر بالكامل فيتم إعادة بناء الموقع في مكان أخر قريب، واستشهد أكثر من 4 آلاف عامل مدني من أجل هذه المهمة، وسقطت العديد من الطائرات الإسرائيلية بواسطة رجال الدفاع الجوى المصري، وأخذت قواعد الصواريخ تنتقل من نطاق لنطاق.

ووصف الجنرال مردخاى هود – قائد سلاح الجو الإسرائيلي – قواعد صواريخ الدفاع الجوى المصرية بقوله: كانت كالمشروم كلما قذفنا ودمرنا إحدى وحداته، نبت مكانها وحدات أكثر.

وفي يونيو (حزيران) 1970 تقدم وزير خارجية أمريكا وليم روجرز بمبادرة لوقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل لمدة 90 يوم وأن يدخل الطرفان في مفاوضات لانسحاب إسرائيل من الأراضى العربية.

وفي صباح يوم 7 أغسطس (آب) تم ابلاغ قيادة الدفاع الجوى بأن مصر قد قبلت وقف إطلاق النار من يوم 8 أغسطس ويجب الانتهاء من إدخال كافة قواعد الصواريخ المتبقية قبل حلول الموعد. حيث كان من بنود مبادرة روجرز أن يمتنع الطرفان عن تغيير الوضع العسكرى في المنطقة التي تمتد من 50 كم شرق وغرب القناة.

وقبل ساعات من وقف إطلاق النار اتصل وزير الخارجية الامريكى بمصر ليتأكد من التزامها بوقف إطلاق النار في موعده. وتم ابلاغه أن كل شيء يسير وفق ما اتفق عليه، وإن كانت هناك مشكلة واحدة يتم العمل على حلها، وهى أن جبهة البحر الأحمر يقودها ضابط كبير مندفع وهو اللواء سعد الشاذلي وهو الآن في الخطوط الأمامية مشترك في بعض العلميات بنفسه، وأنهم يحاولون الاتصال به بكل وسيلة لتلتزم قواته بوقف إطلاق النار.

وسرى وقف إطلاق النار بعد عدة ساعات من موعده الاصلى وكانت هذه ساعات ثمينة. واحتجت إسرائيل، وقالت إن مصر قد حركت بطاريات صواريخ دفاع جوى لمنطقة القناة بعد موعد وقف إطلاق النار، وهذا أمر مخالف لبنود المبادرة. وأعلنت أمريكا أن مصر قد استكملت إنشاء 14 قاعدة صواريخ بعد حلول موعد وقف إطلاق النار. وانسحبت إسرائيل من مبادرة روجرز.

وبعد كل هذه التضحيات المضنية تغلبت الأرادة المصرية على كل الصعاب والأخطار، واستقرت الفرقة الثامنة دفاع جوى التي عرفت واشتهرت بأسم حائط الصواريخ في مواقعها على مسافة 15 كم غرب قناة السويس، وهى أقرب مسافة من شاطئ القناة يمكن لشبكة الدفاع الجوى التقدم إليها دون أن تقع في مدى المدفعية الإسرائيلية، وتشكل حائط الصواريخ من 30 كتيبة صواريخ من طراز سام2 للارتفاعات العالية وسام 3 للارتفاعات المتوسطة والمنخفضة، وعدة ألاف من قطع المدفعية المضادة للطيران أحادية المواسير من مختلف الاعيرة (37 مم، 57 مم، 100 مم)، وكذلك المدافع ثنائية المواسير عيار 23 مم، ورباعية المواسير الموجهة بالرادار طراز (شيلكا). بالإضافة إلى صواريخ سام 7 المحمولة على الكتف التي دعمت بها التشكيلات الميدانية، وتم تدعيمه فيما بعد بلواء صواريخ سام 6 ذاتى الحركة، وكان هذا الحائط يمتد من غرب القنطرة شمالًا إلى غرب جبل عتاقة جنوبًا على خط مواجهة 100 كم وبعمق 30 كم . وتعمل كتائب الصواريخ ووحدات المدفعية في ظل منظومة متطورة من الرادارات، وأجهزة الإنذار، والكشف المبكر، ووحدات الحرب الإلكترونية، وعززت بثلاثة خطوط من المراقبين الأرضيين. وامتد الحائط ليغطى بظله كل منطقة القناة ويفرض سيطرة تامة على سمائها.

ولأول مرة أصبحت سماء مصر عزيزة محمية بعد أن توافرت لها واحدة من أعقد وأفضل منظومات الدفاع الجوى في العالم آنذاك. بل إن المؤرخ العسكرى البريطانى إدجار أوبلانس ذكر أن كثافة شبكة الدفاع الجوى المصرية كانت تفوق نظيرتها في الاتحاد السوفيتي نفسه.

كان وجود حائط الصواريخ هو ما حدد خطة حرب أكتوبر؛ فوجود حائط الصواريخ على مسافة 15 كم غرب القناة يجعل مدها يصل لتغطية 15 كم شرق القناة، وهذا يعنى أن القوات المصرية تستطيع عبور قناة السويس تحت حماية هذه الصواريخ من هجمات القوات الجوية الإسرائيلية. وكانت خطة حرب أكتوبر تستهدف العبور وإنشاء خط دفاعى بعمق 10 – 15 كم شرق القناة تحت حماية حائط الصواريخ.

وفي الساعة الثانية والنصف من يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، قامت الطائرات الإسرائيلية بشن هجمات متتابعة بعدد كبير من الطائرات ضد وحدات المهندسين التي تقوم بإنشاء المعابر والجسور على طول قناة السويس، وتصدت قوات الدفاع الجوى لها وسقط عدد كبير من الطائرات الإسرائيلية واضطرت للانسحاب دون تحقيق أهدافها.

وفي الساعة الخامسة من نفس اليوم التقت أجهزة التنصت المصرية إشارة لاسلكية مفتوحة باللغة العبرية كانت تحمل أوامر الجنرال بانى بيليد – قائد القوات الجوية الإسرائيلية – إلى طياريه بتحاشي الاقتراب من القناة لمسافة تقل عن 15 كم، حتى لا تقع فريسة لحائط الصواريخ.

وفي مساء يوم 9 أكتوبر قال موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي: إن طيراننا عاجز عن اختراق شبكة الدفاع الجوى المصري دون أن يصاب بخسائر ضخمة، إن قواتنا تخوض معارك مريرة، إنها ثقيلة بدمائها، وثقيلة بأيامها.

وفي مذكراته قال إيلى زاعيرا رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية: في حرب يوم الغفران فقد سلاح الطيران 109 طائرة. سبع منها فقط فقدناها في معارك جوية، أما الباقي فقد أسقط بواسطة صواريخ الدفاع الجوى سام.

وقد استدل المؤرخ العسكري البريطاني إدجار أوبلانس على كفاءة الضباط المصريين بالكفاءة العالية التي كان عليها حائط الصواريخ فذكر: أما أحسن تحسن حدث في صفوف الضباط فكان في الجانب المصري، فمنذ الهزيمة في حرب 67، راح الضباط يتحسنون بصورة مضطردة من حيث الإخلاص والكفاءة واللياقة. وتحقق التخصص، كما تشهد بذلك حقيقة أن الضباط المصريين كانوا يقومون دون معاونة من أحد بتشغيل حائط الدفاع الجوي شديد التعقيد بدرجة كبيرة من النجاح.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 1973 قدمت لجنة فرعية للجنة الدفاع في الكونجرس تقرير عن حرب أكتوبر لتفسير ما حدث وقد كان من ضمن ما جاء فيه: إن التخطيط المصري للمعارك كان على كفاءة عالية، وقد تمكن من تجاوز أسباب التفوق الإسرائيلي التقليدي كالتفوق في سلاح الجو، وقد ألغته مصر باستعمال شبكة كثيفة من صواريخ أرض-جو سام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد