-دائمًا ما يقولون إن المعتقلات هي مدرسة التربية الفكرية والنفسية لأصحاب الرأي من المنادين بالحرية، وهي كذلك في جانب منها، ولكن كثيرًا ما يغيب عن الأذهان الوجه الآخر للسجن، وهو ما حاولت أن أعبر عنه وأنقله لكم في عدد من المقالات التي تحمل تجربةً واقعيةً، تجسد معاناة عدد من الشباب تعرضوا للسجن وأحسوا بقيم ومشاعر افتقدوها في ظل غياب الحرية في بلادنا، وإن كان عنوانها أشياء مفقودة فمعناها أنها ليست منعدمة الوجود، وأننا إن كنا قد فقدناها لوقت فإننا سنجدها في قادم الأيام.

الـحـريــة

1- الحرية هي الحياة بكل معانيها بلا مبالغة، فالكلمتان تتشابهان في المعنى والمبنى أيضًا، وحروفهما من مادة واحدة، حتى إن حذفنا منهما بعض حروفهما فإنهما سيؤديان إلى نفس المعنى.

– فالحرية إن حذفت منها الألف واللام تصير حريةً، إن حذف نصفها الآخر صارت حرًّا، والحياة كذلك تصير حياةً، ثم تصير حيًّا.

– فكل حر هو حي، وكل حي لا بد أن يكون حرًّا.

–  وبعيدًا عن التراكيب اللغوية فإن الحرية هي الحياة الحقيقة.

– وقديمًا كانت العبودية من البشر للبشر نقطة سوداء في تاريخ الأمم والشعوب، وقامت عشرات الثورات من أجل التحرر من الاستعباد الذي يقضي على معاني الإنسانية، فخرجت الشعوب تنادي بالحرية وتذود عنها بكل غالٍ حتى يعيشوا أحرارًا دون قيد يحبس الفكر والقول والعمل.

2- وحدها الحرية كانت المطلب والهدف من دعوة الأنبياء والمرسلين بأن يحرروا الإرادة، ويقروا مبدأ أن العبودية تكون للخالق وحده، وقد جسدت تلك المعاني على لسان صحابي جليل هو ربعي بن عامر، الذي وقف أمام رستم يشرح له مهمة الرسول الكريم محمد بن عبد الله حيث قال: «لقد ابتعثنا الله لنخرج من يشاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد».

– ولا عجب في ذلك فإن معلمه الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، ومنذ اليوم الأول لانطلاق دعوته وإعلان رسالته قالها صريحة مدوية لقومه من قريش إن الحرية هي ما ينشده من دعوته التي يبلغها عن ربه؛ حيث قال لوفد قريش الذي حاول مساومته على ترك دعوته مقابل إغراءات مادية ومعنوية، فكان الرد منه أن قال: «خلوا بيني وبين الناس»، أي اتركوا الناس تختار بحرية ولا تتسلطوا عليهم ولا تفرضوا عليهم رأيًّا أو وصايةً، ولسان حاله يقول إنه في المقابل لن يكره أحدًا على اتباعه، وهو ما ترجمه القرآن في قوله تعالي: «لا إكراه في الدين».

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للدين أعظم شيء في الوجود، فكيف لنا أن نكره الناس على الرأي والفكر والاتباع لمذهب أو حزب أو مصير بالفرض بشتى الطرق.

3- وعندما أراد نجل الصحابي عمرو بن العاص أن يستغل كونه ابن الرئيس، ووظف ذلك في انتقاص حق من مواطن عادي، وسلبه حقًّا قد يراه البعض بسيطًا وهو عبارة عن جائزة سباق رياضي، وقام بالاعتداء على من سبقه، وجد من يقف أمامه لرفض هذا الفعل.

–  فالمصري الذي تعرض للضرب من نجل الحاكم كان ينظر إلى الحادثة بنظرة أكثر بعدًا، وهو أنه حال صمته عن حقه المسلوب، فإنه قد يؤدي إلى ذيوع ثقافة القوة والغلبة بها لمن بيده السطلة على حقوق الناس وأخذها؛ فلم يلبث الرجل حتى ركب فرسه وقصد الخليفة عمر بن الخطاب، وكان الموقف الشهير الذي سجله التاريخ بأحرف من نور.

–  فالخليفة المسلم استقبل المصري غير المسلم وأحضر الحاكم ونجله لمواجهتهم ببعض، وعندما اكتملت أركان الواقعة كان قرار الخليفة غير المتوقع بأن مكَن المصري من ضرب من ضربه، وخيره في أن يضرب الحاكم عمرو بن العاص الذي كان سلطانه سبب اعتداء نجله عليه.

–  الموقف به لمحات كثيره تتعدى مشهد أن مواطنًا ضرب آخر، أحدهما نجل رئيس، وكذلك مشهد أن الخليفة أحضر الحاكم ونجله للقصاص منهما لرجل بسيط.

–  إن ما قصده المصري من سعيه لرد الاعتداء هو إدراك الوقت لمنع أن يتحول الحادث للأسلوب حكم، وأن تصير القوة والبطش هما عنوان الحكم، وألا يشاع بين الناس أن رجلًا اغتصب حقه ولم يحرك ساكنًا، وهو أمر من الخطورة بمكان أن يخلف أجيالًا من المقهورين المغلوبين على أمرهم فيسهل استعبادهم.

– وفي رد فعل الخليفة كان المقصد منع تداول الواقعة وتكرارها، وقد توج الموقف بإعلان ميثاق التعامل بين الناس، تمثل في مقولة الخليفة عمر التي سطرها للتاريخ في صفحاته حيث قال: «يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».

4- وقد يضحي الأفراد وتضحي الشعوب بالنفس والعمر وكل غالٍ في سبيل نيل حريتها، ومنع استبداد الآخرين بها.

–  وها هو نبي الله يوسف بن يعقوب يختار السجن كي يحافظ على نفسه من أن تكون مجرد متاع تقضي بها شهوة ساعة لتحقيق لذة للغير في أي وقت شاء، مهما اختلفت الأدوار والرغبات والمطالب.

–  وتلك مواقف أوردت ذكرها من تاريخنا لبيان أن الحرية ليست مطلبًا غريبًا عنا، وأنها لا تتعارض مع القيم والأخلاق كما يحاول «مُعربو» الاستبداد فرضه وتسويقه، من أن الحرية هي الانحلال والفوضى وضياع القيم النابعة من الشرائع السماوية.

5- ونعود لمعنى الحرية فهي بذاتها معنى، ولذاتها هدف، فكل صور الحياة الكريمة هي ترجمة وأثر للحرية، وكل خير تجنيه الأمم ومجد تتباهى به الشعوب هو من ثمار الحرية، فالحرية أقوى محرك ودافع للعمل والحركة طالما امتلك المرء منا حريته وقراره فلن يترجم ذلك إلا لفعل الخير له ولأوطانه، وتلك طبيعة البشر الأسوياء.

–  وحاضرنا المعاصر أثبت أن الدول التي تشيع فيها الحرية هي التي حققت النمو والتقدم في شتى المجالات.

– فمع الحرية يكون الكل قادرًا على التفكير والإبداع لما فيه خير بلاده.

6- وإذا تحدثنا عن غياب الحرية وأثر غيابها فقل ما شئت، فغياب الحرية يعني غياب الحياة وغياب القيم، وهو ما حاولت أن أعبر عنه كما سيأتي من خلال ذكر أثر غياب الحرية على مستوى الأفراد والشعوب، من خلال المزج بين القيمة المفقودة وأثر غيابها في المجتمع وفي المنادين بالحرية، مع بيان صور من معاناتهم نعرضها لكم كما حدثت.

وأؤكد أن السطور المقبلة ليس المقصود منها بث روح اليأس، وإنما لتوثيق مرحلة نعيشها وواقع نحياه، وبيان أنه لا بديل عن الحرية.

للحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مفقودة
عرض التعليقات
تحميل المزيد