عندما سحب مندوب مصر يوم الخميس الماضي مشروع القرار الذي يطالب بوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة من الأمم المتحدة، واللتين تخطط إسرائيل لبناء خمسة آلاف وستمائة وحدة استيطانية جديدة فيهما وربما أكثر، تحديدًا في مستوطنة جيلو وغفعات همتوس ورامات شلومو، وهو النهج الاستيطاني الذي تقرر فيه إسرائيل ذاتها أنه لا ينبغي على أحد أن يفرض عليها ما ينبغي فعله وما لا ينبغي، سواء أكان ذلك الفرض أم القانون من مجلس الأمن أو أي جهات سيادية أخرى! عندما سحب مندوب مصر مشروع القرار والذي شاركت فيه المجموعة العربية بالأمم المتحدة، كان واضحًا حجم الضغط أو بالأحرى الإرهاب الذي مارسته إسرائيل وترامب على السيسي حتى يسحب مشروع القرار! وهو ما حدث بالفعل بعد أن اتضح لإسرائيل من أن إدارة أوباما المنتهية ولايته لن تستخدم حق النقض ضد القرار، وهو ما يمكن تسميته تنازلاً لرغبة إسرائيل والولايات المتحدة  وإرادتهما!

صحيح أنه لن يغير ذلك القرار، حتى وإن تم التصويت عليه بالموافقة، وهذا ما حدث لاحقـًا عندما قامت السنغال وفنزويلا وماليزيا ونيوزيلندا وهي دول غير عربية، بطلب التصويت عليه يوم الجمعة الماضي، وحصلت علي تأييد غالبية الأعضاء بأغلبية كبيرة بعد أن امتنعت الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض وتصويت مصر ذاتها للقرار، لن يغير ذلك القرار من فرض الاستيطان في الأرضي المحتلة واستمراريته شيئًا، ولكن مجرد الضغط من إسرائيل والولايات المتحدة بسحب القرار يوضح أنه لا تتوفر الإرادة الكاملة والحقيقية لدى القيادة السياسية في الأنظمة العربية، ومن ثم استقلالية القرار العربي في مواجهة دولة الاحتلال، التي لا ترعى اتفاقـًا أو تلتزم بقانون أو ميثاق إلا إذا واجهت خصمًا قويًا مؤمنـًا يرغمها على إعادة حساباتها.

ولا تتوفر الإرادة أو العزيمة السياسية الكاملة إلا إذا كان هناك اقتصاد قوي في أنظمتنا العربية وقوة تستطيع بهما إملاء قراراتها بما يتفق مع مصالحها وثوابتها، عندها يمكن أن تشكل تهديدًا حقيقيًا لإسرائيل، ولن تنقص هذه الإرادة مثلما هي ناقصة الآن تحت الضغط الأمريكي والإسرائيلي، أو تقدم هذه العزيمة القوية تنازلاً عن الحق التاريخي في قضية فلسطين تحت دعاوى الواقعية السياسية أو غيرها، لن يغير ذلك  القرار من فرض الاستيطان في الأرضي المحتلة شيئًا ،إلا إذا كانت الإرادة الكاملة والحقيقية في أنظمتنا العربية هي الظاهرة والغالبة على الرؤية النفعية ورؤية المصالح والعمالة، خاصة أن مصر مثلاً تواجه ضغوطـًا كثيرة وفي اتجاهات عديدة مثل الملف الأمني والاقتصادي إلى الحد الذي هبطت معه شعبية الجنرال السيسي إلى أدنى مستوياتها، ومع هذا فإن البعض يعتقد أن المصلحة أو المنفعة للجماعة أو الحزب أو الوطن مقدمة على كل شيء، وأنه ينبغي تحصيلها أو كسبها بكل الوسائل والأثمان، حتى وإن تعارضت تلك المنفعة أو المصلحة مع مبادئهم أو ثوابتهم، وأنه يمكن التغاضي والتنازل عن تلك المبادئ أو الثوابت بعض الوقت، حتى تتحقق تلك المنافع والمكاسب وهي نقائص ميكافيلية فيما أظن، وإن كان في ظاهر الأمر يبدو هؤلاء بعيدين كل البعد عن هذه النقائص.

يبقى أن نقول من غير تحفظ إن هيئة الأمم المتحدة ليست الجهة المأمول بها استعادة الأقصى، أو نصرة  فلسطين أو الدفاع عنها أو وقف الاستيطان بها، لسبب بسيط وهو أنها جهة خطط لها اليهود أنفسهم أول شيء كما في صحائفهم وبروتوكولاتهم، وتمكنوا من إدارتها وتطويعها لخدمة أهدافهم ومخططاتهم؛ للسيطرة علي العالم كافة والمنطقة الإسلامية خاصة، بما لا يحتاج معه إلى تبيين أو توضيح، ومع ذلك تبقى القضية الفلسطينية هي واحدة من مجموعة الثوابت، التي يحدث بها كل مسلم نفسه، والتي تارة يرتفع ويظهر بها أشخاص «محمد الزواري مثالاً، الذي تمت تصفيته في الأيام الماضية في الجنوب التونسي بأيدي الموساد»، وتارة ينخفض بها آخرون .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد