مشهد «1»

طفل -دون خمس سنوات- يكسر شيئًا ما أثناء زيارة أمه لأحد الأصدقاء، فتصرخ الأم فيه وتوبخه بعنف قائلة: «أنت غبي»، وربما تضربه، وتعتذر لصاحبة المنزل قائلة: «معلش هو كدا مؤرف وفاضحني في كل مكان»!

مشهد «2»

بنت في السابعة تأتي لتسلم على صديقات والدتها، فترد واحدة منهم السلام ناظرة لأم الطفلة قائلة: «بنتك سمرا وشعرها خشن، مش طلعالك دنتي زي القمر!»؛ فترد الأم فخورة: «طالعة لعيلة أبوها، مش زيي أنا وإخواتي البنات»!.

مشهد «3»

أم طفلها في محل لعب؛ الطفل تعجبه سيارة حمراء، لكن الأم تصمم على شراء المسدس قائلة له: «يلا نجيب المسدس عشان تطلع ظابط زي بابا»، يرد الطفل: «لا يا ماما مش عايز أطلع ظابط، أنا عايز العربية» ويبكي بشدة.

ترد الأم قائلة: «متقولش كدا إنت هتطلع ظابط مش هجيب غير المسدس يا مفيش لعب خالص، وبطل تعيط زي البنات كدا!» ثم تشتري الأم المسدس وهي فَرِحَةٌ.

المشاهد الثلاثة السابقة متكررة، أراهم على كافة المستويات الاجتماعية، وهناك أمر مشترك فيها؛ وهو أنه لا دراية من قِبَلِ معظم الآباء بنفسية الطفل ومراعاة احتياجاته.

ففي المشهد الأول: يحب الطفل أن يجري ويلعب ويكتشف كل ما هو جديد بالنسبة له، وهذا دليل على ذكائه، ولكن حين توبخ الأم طفلها وتَصِفُه بالغباء فهو خطأ كبير منها على نفسية الطفل، وقد يستمر أثره السيئ معه بقية عمره، فالطفل يشكل صورته عن نفسه بمنتهى السهولة، فإن أُخبِرَ أنه غبي مثلًا أو فاشل إذا ما أخفق في شيء؛ فسيُشكِّلُ هذه الصورة عن نفسه، ويظل يستدعيها باستمرار، فتؤثر سلبًا على إحساسه بذاته بقية حياته.

فتخيل! كلمة واحدة في موقف قد تُفسد صورة الطفل عن نفسه بقية حياته، وتخيل معي أيضًا أن هذه الأم بدَلَ أن تَصِفَ ابنها بالغباء: احتضنته، وأخبرته أن يعتذر لصاحبة المنزل، وأن يتوخى الحذر في المرة القادمة، فماذا ستكون النتيجة؟ سيكون لدينا طفل يستطيع التصرف في المواقف الصعبة، قادرٌ على الاعتذار إذا ما أخطأ، واثقٌ بذاته.

وفي المشهد الثاني: سيتشكل في ذهن هذه الفتاة أنها قبيحة المنظر، وستظل معها هذه الصورة بقية حياتها، وسيتولد فيها عدم الثقة بذاتها، وعدم الرضا عن حالها، ومما يؤكد للطفلة هذه الصورة تأكيدُ أمها لها وعدم انزعاجها من قول صديقتها؛ ولأن الأطفال يعتمدون على آبائهم بصورة كاملة، ويستمدون منهم الرعاية والحب؛ فإن الصورة التي يُصدِّرُها الأبوان للأطفالِ عن أنفسهم يُصدِّقونها، ويرون أنفسهم من خلالها، ولأنهم صغار لم يخالج صدورهم شك؛ فهم يؤمنون بما يقوله الآباء، ويشعرون ويتصرفون على أساسه؛ فالتصرف الصحيح للأم هنا أن ترفض كلام صديقتها عن الطفلة بهذه الصورة غير الملائمة، وتخبر الطفلة أمامهم جميعًا بأنها جميلة ومحبوبة وذكية، وأنها فخورة بها .

وفي المشهد الثالث: يجب الأخذ في الاعتبار أن كل طفل له شخصية مستقلة هو من يحدد طبيعتها، فحين اختار الطفل السيارة؛ فهذا اختياره الذي يجب احترامه، فكل طفل له كِيان مستقل، يجب تنمية ذاته الحقيقية، وعدم تشكيلها على هوانا، فالأم ارتكبت خطأ كبيرًا حين أجبرته على لعبة لا تعبر عنه أو توافق ميوله.

والخطأ الثاني في هذا المشهد هو محاولة إقناعه بوظيفةٍ ما تكون له في المستقبل، دون النظر لشخصية الطفل وتنميتها.

والخطأ الثالث في هذا المشهد حين أخبرته ألا يبكي كالبنات، ولم تعلم أن البكاء مشاعر إنسانية يشترك فيها البشر كافة بغض النظر عن نوعهم، وهو شيء صحي، يُنفِّسُ عن الطفل، وكان من الأفضل للأم في هذه الحالة أن تسأله: هل تعجبك السيارة؟ لماذا؟ أخبرني كيف ستلعب بها؟ ما الذي يدور في رأسك من أفكار؟ أنا أيضًا أراها سيارة جميلة هيا بنا لنشتريها، كل هذا يجب أن يكون مصحوبًا بالحب والوُدِّ.

إن مرحلة الطفولة المبكرة من أهم مراحل حياة الطفل، فعند إلقاء النظر على مشكلات أي شخص بالغ سنجد أن لها أصولًا منذ الطفولة المبكرة، وأغلب الاضطرابات النفسية هي ضغوطات مرحلة الطفولة، ولكنها انعكست في الكِبَرِ، وكل ما تزرعُه في طفلك اليوم يَجنيهِ في الغدِ؛ فيكون صورته عن ذاته وماذا يستحق عن طريق كيفية معاملته، فإن صُرِخَ فيه وأُهِينَ فسيزرع هذا فيه أحاسيس سلبية، وتعلق بذهنه عبارات مثل: «أنا سيئ، أنا مخطئ، أنا لا أستحق، أنا غير محبوب»، وهذا ينتج عنه عدم الثقة بالنفس، كما يزرع فيه أحاسيس بالذنب والعار ترافقه بقية حياته.

لكن إذا أردت تنشئة الطفل تنشئة سوية فعليك أن تبني عَلاقة قوية بينك وبينه، علاقة قائمة على الحوار الهادئ والحب والثقة والاحترام والتقدير، ويجب أن يشعر الطفل بالأمان والثقة، وأنه محبوب ومرغوب.

أولًا وأخيرًا: لا بد أن تتذكر أن الطفل لا حول له ولا قوة، وهو لا يعلم أو يفهم من الحياة كل ما تدركه أنت، بل يعتمد عليك ويريد العون منك؛ وعليك أن تعلم أن صناعة الإنسان من أعظم الأشياء وأصعبها؛ فهي تحتاج جهدًا ووقتًا وعلمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد