أخبرتني والحزن يعصر قلبها أنها فقدت ثروتها العظيمة التي كانت تملكها، فقدت تلك الابتسامة التي كانت تقابل بها كلمات الثناء، فقدت السعادة التي كانت تغمرها عندما تتلقى العطاء، فقدت ما هو أعظم: فقدت أن تُحْسِنَ الظن ولا تتهم النوايا. حزنها الذي مزق قلبي دفعني لأكتب ناصحة نفسي والجميع: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ. (سورة الحجرات الآية 12) فنحن لا نعلم الغيب، نوايا الناس ودوافعهم غائبة عنا، كيف لنا أن نعيش ووساوس الشك تنخر نفوسنا؟ كيف لنا ان نتقدم للأمام إن لم نستطع أن نثق بمن حولنا؟ كيف لنا أن نطلب الثقة ونحن لا نمنحها؟

سوء الظن صار الأصل في زماننا وأما حسن الظن فقد صار مجرد اسثناء غريب فقد سقط من أخلاق الكثيرين، فتَرانا نُسِيئُ الظن امتثالا لتلك النُكْتة السوداء في قلوبنا، حظ الشيطان منا يدمر نقاء فطرتنا، دون أدنى سبب أو دليل نُسيئُ الظن بالأخ والصديق والزميل، نسيئ الظن بالجميع، ونطلق أحكامنا المظلمة دون نظر في العواقب، عواقبها عليهم وعلينا:عندما نكسر قلوبهم، عندما نشوه صورتهم وعندما نقتل دواعي الخير في نفوسهم ونقتل معها بقايا الطيبة في نفوسنا!

أيها المؤمنون رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. قال العلماء: إن المراد هو النهي عن سوء الظن وذلك بعدم تحقيقه وتصديقه، فالظن المنبوذ هو ما يستمر عليه صاحبه ويستقر عليه قلبه.

وفي الحديث الموقوف: مَنْ أَسَاءَ بِأَخِيهِ الظَّنَّ فَقَدْ أَسَاءَ بِرَبِّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ. فهلاَّ توقفنا قليلا وسألنا أنفسنا: فما ظنكم برب العالمين؛ إن الله سبحانه وتعالى عندما نهانا عن كثير من الظن لم يكن غائبا عنه –حاشاه وهو بكل شيء عليم – أن في الناس مؤمنِهم وكافرِهِم الحسودَ والحقودَ والعدوَ والصديقَ وأن الشيطان يجري منهم جريان الدم، لكنه أمر بتجنب الكثير لأن في البعض إثم، فهلا تدبرنا الحكمة من وراء ذلك؟

أيها الأحبة، عندما نُدمِن هذا الخلق الذميم، فلنعلم أن أفعالنا ساءت لدرجة لم يعد بمقدورنا أن نتخيل في الحياة وجود الطيبين، عندما ترى نفسك أيها الطيب قد عَجَزْتَ عن إحسان الظن بمن حولك، فلا تُلقِ اللوم على تجاربك التي فشِلت أو المواقف التي علّمتك، توقف قليلا وانظر إلى أفعالك ومَحِّص نواياك فتمت خلل فيهما دفعك لتسيء الظن بالجميع! أنا لا أطلب يا عزيزي السذاجة وأن تثق بالصالح والطالح بالقريب والغريب، لا ثم لا! فالحذر واجب وليس من الفطنة أن تورِد نفسَك المهالك بحجة حسن الظن، فأنت لا تعيش بين الملائكة بل بين البشر، فالعدلَ العدلَ لا إفراط و لاتفريط.

أعْلَمُ أن الأمر لن يكون سهلا في عالم مليء بالخبث والنفاق، لكن اسمع كلام مُجَرِّب: إنَّ ألَم صفعة تتلقاها لأنك أحسنت الظن أهون بكثير من حرارة عناق يضمك بقوة بعد أن أسأت الظن، صفعة لم تكن تستوجبها أخف على القلب من عناق لا تستحقه، وكما يقولون أن تكون مظلوما خيرٌ من أن تكون ظالما، وتذكر: كن المقتول ولا تكن القاتل!

سوء الظن يا أحبتي أَرَضَة تأكل مِنسأَة طيبتكم فـَتَهْوُون في واد الشك السحيق، فتغيب المكارم عن أخلاقكم وتفقدون راحة البال وصفاء الذهن، تموت معاني الأخوة والمحبة ببطء مخيف في نفوسكم، فاللهَ اللهَ في نفوسكم ونفوس من حولكم، عاملوا الناس بما يظهرون لا بما تظنون أنهم يُبْطِنون، التمسوا الأعذار واستوضحوا الأسباب قبل إطلاق الأحكام، تغافلوا وتعلموا فن الصفح والغفران، الحياة قصيرة فرُبَّ من تُعْرِضُ عنه اليوم لريبة في نفسك يأتيك خبر رحيله غدا، وعندها لا ينفع الندم، نحن أيها الأحبة جدار إما أن يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص أو تدكه فتنة الحياة؛ وَبِيَدِنَا أن نختار، وليكن خيارنا أن نحسن الظن ببعضنا.

وأختم بقول رائع ينفذ إلى القلب فيعظه وعظا جميلا وهو للقاسمي من كتابه موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين:

اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول، فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساوئ الغير، فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك، ولست أعني به إلا عقد القلب وحكمه على غيره ظنا بأمر سيئ، فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه، ولكن المنهي عنه أن يظن، والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، فقد قال تعالى: ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم، وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا، إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل، فإن لم ينكشف كذلك فإنما الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه؛ فإنه أفسق الفساق، وقد قال الله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) [ الحجرات : 6 ] وفي الحديث: إن الله حرم من المسلم دمه وماله، وأن يظن به ظن السوء. وحينئذ فإذا خطر لك وسواس سوء الظن، فينبغي أن تدفعه عن نفسك، وتقرر عليها أن حاله عندك مستور كما كان، وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر، فإن قلت: فبماذا يعرف عقد الظن والشكوك تختلج والنفس تحدث؟ فنقول: أمارة عقد الظن أن يتغير القلب معه عما كان، فينفر عنه نفورا ما، ويستثقله ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه والاغتمام بسببه. والمخرج منه أن لا يحققه، أي لا يحقق في نفسه بعقد ولا فعل لا في القلب ولا في الجوارح. وربما يلقي الشيطان أن هذا من فطنتك وسرعة تنبهك وذكائك، وأن المؤمن ينظر بنور الله تعالى، وهو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان وظلمته. ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة، فانصحه في السر، ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد