إنه وعند النظر في التاريخ نجد أن جل مشاكل الأمة قد تفرعت من داء واحد.  ذاك الداء الذي أدى بدوره إلى تلك الأمراض المستشرية في قلب الأمة وأطرافها كما لو كانت موبوءة.

فبعد الحمد والثناء، ومعرفة الداء، ثمة محتمات واجبة الإعمال والتنفيذ لرفع ذلك الداء، وانتقاء السبيل الأمثل لإعطاء الدواء.

إن الداء بأعراضه  يتمحور في أمة هانت بعد شدة، خارت بعد قوة، تفككت بعد ترابط ، وافتقرت بعد غنى، وبالتالي كان لزامًا أن تتذيل بعد الريادة.

هذا وقد اتفق المفكرون والساسة بشكل ما وإن اختلفوا في التعبير على أن ذلك السقوط الذليل نتاجًا حتميًا للبعد عن الوعي الحقيقي بكافة مصادره.

ولن تتمكن الأمة من استعادة ذاك الدور الريادي، إلا من خلال الوعي التام، والحقيقي الذي تستقيه من أنهار الشرع والتاريخ والعقل. ذلك الوعي الحقيقي الذي استعيض عنه مؤخرًا بالوعي الزائف – بقصد أو بدون قصد – وهو الناتج عن خلل في طريقة البحث، أو خلل في التلقي، أو خلل في الفهم، أو خلل في المراجع المكذوبة التي نقل منها، أو خلل في الأساتذة المعلمين أو النخبة،  كأن يكونوا غير مؤتمنين أو يكونوا هم ذاتهم ضحية لوعي زائف.

إن الطامة الكبرى التي نزلت بعقول أبناء الإسلام في فهمهم للدين في كونه مجرد شعائر تؤدى في أوقات مخصوصة مرضاة للرب.  وهي، وإن كانت كذلك، إلا أن لها ثمة إسقاط واقعي حياتي على حياة الأمة بأكملها.  فشهادة التوحيد تعني التحرر من أيةة عبودية أو التزام أو اتباع أو تمجيد سوى للخالق سبحانه وتعالى، إلا بحق الله، وبما أوجب هو نفسه. وهي بذلك تلغي دور البشر من مشاركة الله في عبوديته وتحكمه في عباده. أي أن شهادة التوحيد تلغي ما يسمى بالاستبداد، ولكن عند النظر للواقع لا تجد شهادة التوحيد، إلا مجرد كلمات يتمتم بها على اللسان أو يصدع بها في الجنائز، بالإضافة إلى ترديدها في الأذان ليس إلا (هذا لمن وفقه الله أن يتمتم أو يصدع أو يردد أصلًا). وكذلك الصلاة، وإن كانت أيضًا في ظاهرها أفعال مخصوصة لغرض أداء الفريضة الشعائرية، إلا ولها دور أساسي رائد في بناء الأمة والإعداد لها. فالوضوء في ذاته يوحي بأهمية التطهير والإعداد والتجهيز  قبل الشروع في  في العمل – أي عمل كان – والذهاب للمسجد يوحي بأهمية السعي والضرب في الأرض والبذل لبلوغ المراد، وكذلك الأفعال المخصوصة في بنية الصلاة من القيام والركوع والسجود توحي بأنه لن يتم  نجاح العمل الا باتباع الطرق السليمة خطوة بخطوة وركعة بركعة وحركة بحركة وفكرة بفكرة لتحصيل الفائدة، إذ ليس من المقبول أن يسبق السجود الركوع، وكذلك ليس مقبولًا أن يسبق النتاج الفكر أو أن يسبق الفكر الدعوة أو تسبق الدعوة الهداية أو أن يسبق التقدم والرقي كل ما سبق، ثمة هناك خطوات محسوبة بأسلوب ما وترتيب ما لإدراك ما يراد إدراكه.

إن القيام لصلاة الفجر من بين ألسنة النوم الطاغية ليست أبدًا لمجرد أداء تلكم الركعتين القليلتين، وإن كان ثوابهما يفوق الدنيا وما فيها. ولكن ثمة مجاهدة وإصرار والتزام تقودنا الى المجاهدة في شتى أنواع الحياة، ثمة إصرار يحتم علينا كأبناء تلك الأمة ألا نرتضي لأنفسنا العيش بين مخلفات الأمم، ثمة إلزام والتزام بأن تعود تلك الأمة لما كانت عليه في سابق عهدها المزهر، وإلا فلسنا مستحقين للحياة.

وكذلك الحال في الصيام والحج وسائر الشعائر المفروضة والمسنونة، فالصيام يرمي للصبر على المكاره وتحمل المشاق لحين الوصول، والحج الذي يبعث على الهمة والتوجه وحسن القصد وتحديد الهدف والصدع بالحق بأعلى صوت «لبيك اللهم لبيك».

إن ذلك العطب الفكري الذي أصاب عقول المسلمين في فهمهم لأصول دينهم على مدار التاريخ هو الخلل الأكبر الذي أدى لتفشي ذلك الوعي الزائف بين أفرادهم.

ذلك الوعي الزائف الذي فرق بين الشعيرة والعمل، بين الروح والعقل، بين الشرع والعلم هو الداء الذي تفشى في أوصال الأمة مخلفًا جثثًا مفتوحة الأعين.

ولك أن تعلم إذا ما فارقت الشعيرة العمل أدى ذلك لفساد كليهما، فأصحاب الشعائر في محاريبهم دراويش لا يعلمون، والعلمانيون في منابرهم تائهون لا يعقلون ولا يهتدون، وحسبي الله الذي هو أعلم بما يوعون.

وعند الوصول لتلك النقطة ثمة سؤال بديهي كيف للغربيين التقدم، دون شعائر أو روح؟!

في الحقيقة، وإن كان التقدم الغربي ليس هو التقدم الأمثل الذي يحتذى به، وهو في الحقيقة في مهب السقوط لا محالة بسبب ابتعادهم عن مبادئ الروح والأخلاق والثقافة الإنسانية، وتبنيهم الحروب والإبادة البشرية وقيام حضارتهم على جثث الأبرياء من سكان أمريكا الأصليين، والأفارقة والمسلمين وغيرهم وغيرهم من البشريين. بالرغم من ذلك، إلا أنهم  في بادئ حضارتهم قد استعانوا بالحضارة المسلمة في بناء حضارتهم، بل إن جل حضارتهم بالأساس هي مبنية على حضارة المسلمين  المستقاة من كتب «ابن خلدون، وابن النفيس، وابن الهيثم، وابن بطوطة، والفارابي، وابن رشد، والدميري، والبيروني، والجبرتي الكبير» وغيرهم من علماء المسلمين الأفذاذ، ولكن الفرق أنهم، وعند نقلهم لتلك العلوم جردوها من كل صبغة تمت للإسلام ثم طبقوها، وهذا الذي يؤذن بسقوطها.

هذا وإن المتتبع للمسار التاريخي للأمة يجد أن فلاحها مرتهنًا بالجمع بين شقي الحضارة الأساسيين الروح والمادة في كونهما الركيزة الثابتة التي تستقر عليها تلك الحضارة. وإن أفضل من أدرك هذا المعنى هو الجيل الأول لتلك الأمة من أجدادنا؛ فجمعوا بين خيري الدنيا والآخرة. وإني قد  أسلفت هذا مسبقًا في مقدمة رسالة دفعتنا لمشروع هذا العام.

فحينما أمر الله رسوله الكريم بالصدع بالدعوة وإعلانها «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين». كانت بمثابة ضربة البداية لإبراز الحضارة المسلمة وتجليها بعد ضمان حسن الفهم والإدراك للمسلمين في الفترة السرية. وبالفعل نجح القائد الأول في بناء دولة للمسلمين في مدة لا تساوي في تعداد الزمان شيء يذكر. عمل النبي بكامل قوته وجهده في بناء الرجال «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه».

إن توافر الرجال وبكثرة هو الذي ساهم في حفظ دعوة النبي واتساعها. فتولى أبو بكر الفتوحات ومحاربة المرتدين من بعد وفاة النبي، وسار عمر على الدرب ضاربًا أروع الأمثلة الحية لعقلية القائد المسلم الناجح والفاتح والمؤثر. ومن بعده عثمان وعلي  ومن خلفهم من ذوي الفهم السليم من الأمويين والعباسيين والعثمانيين، حتى وصلت دعوة الاسلام لكل صوب ومكان ما استطاعت أن تصل إليه. وما من موقع توصل إليه الإسلام، إلا واستبشر أهله بما فيه، وأذعنوا له بحرية اعتقاد تامة. وذلك لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتميز بالعقلانية المصدقة والإنسانية المنمقة، بالإضافة لتلك الحضارة الجبارة التي أذهلت العالم آنذاك لكون هذا الدين بهذه التشريعات العادلة التي لا تقبل الجور ولا الظلم ولا التعدي، تلك الحضارة التي أبهرت غيرها فجعلتهم يلتحقون بها، إنقاذا لأنفسهم من ظلمات الجهل والتيه والتخبط.

وإذا ما أسقطنا ذلك الواقع التاريخي على الواقع المعاصر لا نكاد نجد، إلا اختلافًا واحدًا، وهو الفهم، حيث إن الشريعة واحدة والدين واحد والثقافة والمراجع كلها واحدة، أجل كلها واحدة – وإن كان ثمة محاولات لطمسها – ولكنها ما زالت واحدة.  ولكن الاختلاف فقط في الفهم، أجل الفهم، فثمة اختلاف جذري بين فهم الأجداد والسابقين لمفهوم الدين والشريعة والقران والسنة، وبين فهمنا نحن معاشر المتأخرين المنحطين التائهين.

ونجد ذلك الاختلاف في الفهم متقولبا فيما ذكرناه سابقاً بالوعي الزائف….  أجل ولا شك عندي في ذلك أن لدى معظمنا وعيًا زائفًا بعقيدتنا وشريعتنا، نحن لا نعلم شريعتنا وثقافتنا حق المعرفة.  ويبق السؤال: لماذا؟

يرجع ذلك في البداية إلى الابتعاد عن منهاج الدين القويم، والالتفات لمتاع الدنيا الزائل، فكانت الضربة الموجعة الأولى التي تلقاها المسلمون هي ضربة سقوط الأندلس. الأندلس تلك الرقعة التي سطرت مجد المسلمين في عقر ديار الغربيين. وبعد أن كان المسلمون  محاصرين للغرب في رقعتهم، تقهقر المسلمون بخيباتهم إلى الشرق الإسلامي. وبدت الصراعات بين المسلمين والغرب كما لو كانت سجالًا، تارة وتارة.

حملات صليبية من هناك وأخرى إصلاحية تحريرية من هنا، وكل ما كان الفهم في نصابه الصحيح كانت الغلبة للمسلمين. أجل كان الرهان وحده فقط على الفهم، كان رهان عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، وسيف الدين قطز،  وغيرهم ممن خرجوا في محالك الأمة، كان رهانهم على الفهم السليم المنبثق عن الوعي الحقيقي بثقافة الأمة وتاريخها وتشريعاتها. ذلك الفهم الذي أدى بدوره إلى تزكية النفوس وتجردها وإعداد الأفراد وتفوقهم وتقوية الصفوف وتقدمها، وكذلك أدى للاستغلال الأمثل لمقومات الأمة ومقدراتها في نصابها الصحيح.

ولا يتأتي ذلك  الفهم السليم في ظل وجود حياة ثقافية كاذبة تأثرت بتلك الحملات الصليبية المستعمرة، تلك الحملات التي بدأ دبيبها منذ سقوط الأندلس مرورا بالحملات الصليبية المتأخرة على ديار الإسلام، وانتهاء بدولة الإسلام التي تحولت لمستعمرات برتغالية وفرنسية وإنجليزية وروسية وإيطالية. لا يمكن أن يستمر الفهم السليم للثقافة بين أولئك الغزاة  الفكريين قبل أن يكونوا غزاة ماديين. نعم فهم أدركوا، وبعد العديد من التجارب أن إخضاع عقلية المسلم أنفع  بكثير من مجرد احتلاله ماديًا، حتى ولو بعد تنعمها بالاستقلال الصوري، ولكنها لا تزال في حقيقتها  محتفظة  بثقافة المستعمر في وجدانها.

إن التغلب الحقيقي على ذلك الفهم المغلوط للثقافة، أو الوعي الزائف المستشري كالطاعون في أوصال أمتنا هو التحدي الأكبر الذي يقبع عليه المفكرون الصادقون والمتجردون من أبناء الأمة. والذي يلزمهم بأن يتحلوا بالإخلاص التام لله تعالى والالتزام التام بأوامره واجتنابه نواهيه بغية أن يمن عليهم سبحانه بصحيح الفهم، وحسن الإدراك، قال تعالى «وإن تطيعوه تهتدوا» «ومن يتق الله يجعل له مخرجا»، وقول رسوله أيضًا «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي».

بالإضافة إلى اتخاذ ما يلزم من أنواع العلوم التي تسيره في طريق الإدراك السليم من اللغة والتاريخ والمنطق والفلسفة وعلم النفس والسياسة، ولا يمنع من أن يمتلك شيئًا من العلوم التقنية التي ترفع من شأنه في سبيل التأثير في قومه.

والخلاصة كما يقول الكواكبي: إن الراغب في نهضة قومه، عليه أن يهيئ نفسه ويزن استعداده، ثم يعزم متوكلًا على الله في خلق النجاح.

وكما يقول أحمد خيري العمري: وفي جوف الليل اخرج من تحت رمادك! وقل: اللهم اجعل يدي تساهمان في رفعة أمة محمد، وعندما يطلع الفجر اعمل لذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد