قبل ست سنوات أو أقل قليلًا أصابت مصر اللعنة العظمى «الثورة المضادة»، والتي رمت بالبلد إلى غياهب جب الأزمات السياسية، الأمنية، الاجتماعية والاقتصادية، وقتلت التجربة الديمقراطية المدنية الأكثر إشراقًا في تاريخ البلد، والتي كانت تحصيلًا لثورة يناير قبل ذلك بسنتين، وحين ظن الكل أن زمن الدكتاتورية ولى وأصبح نسيًا منسيًا وأن الأبواب والنوافذ التي سترسل قليل النور قد فتحت أوصدت من جديد، ليظهر الواقع غير ما ظن الكثير بصناعة جديدة لديكتاتور جديد يقود البلاد للهاوية يوما بعد يوم، دكتاتور يعيث في أرض الكنانة فسادًا وفي جميع مجالات الحياة، فأغلق منافذ التعبير، وأصبحت المطالب والشكاوى أمرًا معتادًا في ظل غلاء المعيشة وتأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحالة اللأمن، ولم تجد الأفواه المصرية المكممة سوى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن حالها في ظل القمع الكبير والحرمان من حق التظاهر وإبداء الرأي.

وكحال الكل في البلدان العربية التي تعيش الأمرين أيضًا، يتنفس الشعب المصري كرة القدم والتي تعتبر الأفيون الأكثر تأثيرًا عليه فغالبًا ما يكون مصدر سعادة تنسيه هموم الحياة الكثيرة حينًا، أو مصدر تعاسة يزيد الطين بلة في أحيان أخرى، بحسب حالات الفوز والتتويج، أو الخسارة والإخفاق، وهو ما يمكن ملاحظته عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتي تزينت بأبيض وأحمر الزمالك قبل أيام حين فاز وحمل لقب الكونفدرالية الأفريقية وجعل ليالي أنصار القلعة البيضاء بيضاء بحق، أو حتى في إنجازات سبقت بين ناديي الأهلي والمنتخب أيضًا، في حين نزعت كل رايات الأندية المصرية ليوضع مكانها فقط العلم المصري لتشجيع ابن البلد محمد صلاح حامل راية مصر في أوروبا وهو يحاول صناعة التاريخ وكتابته بأحرف من ذهب في سجلات الكبار المتوجين بلقب ذات الأذنين، الكأس الأغلى في مسابقات الأندية والتي يحلم الكل بملامستها والتتويج بها يومًا ما.

تجمع الكل في أرض الكنانة وأبناء الجالية خارجها بعد الإفطار في الشهر الكريم أمام شاشات التلفاز في المنازل، المقاهي، الملاعب، والصالات كما حدث في الموسم الماضي من أجل مشاهدة صاحب القدم اليسرى الذهبية السحرية وهو يحاول مجددا التتويج باللقب الأوروبي الأغلى مع ليفربول الإنجليزي بعد إخفاق السنة الماضية والذي أخرِج فيه أبو الصغيرة مكة مرغمًا مصابًا ليشاهد رفقاءه يخسرون من سيد أوروبا وزعيمها ريال مدريد الأسباني ويفقدون اللقب، ولكن القدر أبى إلا أن يعطي فرصة أخرى لابن مصر لتحقيقه وهو ما سيكون إنجازًا أول للاعب مصري والثالث للاعب عربي بعد إنجازي الجزائري رابح ماجر مع بورتو البرتغالي والمغربي أشرف حكيمي مع ريال مدريد، وهو ما كان فسجل صلاح هدفًا وأضاف زميله البلجيكي أوريجي آخر ليتوج أبناء كلوب على حساب توتنهام الإنجليزي وليرفعوا لقبًا استحقوه بشدة.

تعالت صيحات المصريين بعد دقيقتين فقط من انطلاق اللقاء بعد ركلة جزاء صلاح التي اخترقت ولامست شباك بطل العالم هوغو لوريس بقوة، في حين زادت شدتها مع بكاء البعض هنا وسجود البعض هناك بعد إطلاق الحكم لصافرة النهاية معلنة ابنهم بطلًا لأوروبا متناسين كل هموم الحياة، مجتمعين على فرحة واحدة كما اجتمعوا على أحزان كثيرة سابقة، مطلقين العنان لأفراح اختلقوها من العدم، وصنعوها من لا شيء، وما كانت لتكون مهمة لولا الحال والأحوال الملأى بكثير الأحزان.

الأكيد أن حال الشعوب لن يتغير بأهداف ومقابلات لدقائق يجري فيها بعض الممارسين خلف جلد منفوخ، سواء لصلاح مصر أو غيره، لكنها تصنع سعادة استثنائية من العدم لكثيرين ضاقت بهم الحياة في وطن عاث فيه مسؤولوه فسادًا، ولا ضير عندهم في سعادة مجانية برؤية اسم الوطن مرددًا بقوة وعلمه مرفوعًا في أهم المحافل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد