محاولة لإسقاط الضوء على (العوائق لحركات التطور والنهضة الفكرية) ومشاكل أخرى.

بداية إذا حاولنا أن نُجَمّل ونزهّر صورة الواقع المُعاش، قد نقول: الأمم لا تخلو من الجهلة ولا من أناسٍ – بالنكرة – مشوشين لصور طائفة أو أمة أو دين أو فكرة من الأفكار عن طريق أفعالهم وتناقضاتهم. وقد نقول: (الشعوب عامة يكون أغلبها غير واعين والسلطة أو السلطان هو الذي يحركهم كما يريد عن طريق وسائل قوية – قومية ودينية – مثلًا).

لكن هل نستطيع إنكار هذه الصورة البانورامية التي سنشاهدها الآن؟ هل هذا الكلام قوي وكافٍ لتبرير الصورة التالية؟ ربما.. رقمت الدزينة ترقيما دون أخذ – الترتيب حسب الأهم – بعين الاعتبار:

1- حافظ القرآن الكريم؟

عادة يكون رأي حافظ القرآن الكريم هو المقبول والأقرب إلى الحقيقة من غيره في المجالس والاستشهادات وأيضًا (يشد به الظهر) أكثر من غيره، ثم الجميل أنه يكون أهلًا لابنة السلطان! دون غيره.

2- الأكبر منك.. أو الأكثر علمًا!

نعم قد نقبل بقولهم ( إن الأكبر لديه خبرة أوسع وأكثر في الحياة)، لكن ليس كل كبير خبيرًا! مع ذلك فليس هذا ما نريد توضيحه، ما أريد التدقيق والتركيز عليه هو أن هذا (الأكبر منك والأعلم) يحق له ما لا يحق لك من مخالفة للآداب! فيقاطع الأصغر منه أو الأقل علمًا منه أثناء الحديث دون اعتذار ولا يحق للأصغر والأقل علمًا هذا، وإذا ما فعل ذلك وُصف بقلة الأدب!

3- فكرتي أصحّ؟ يا عدو الحق!

تتحول لعدو لا يولّك أحدهم دبره إلا منتصرا مظهرا أنيابه، مبتسما فرحا، يصبح هدفه من الحوار الانتصار لرأيه الناتج عن عقله الذي كان يأكل أصبعه ويناضل في سبيل ذلك مظنة منه أن الأصبع طعام سيشبعه! وكلما ثبت أنك أخطأت في أمر ابتسم ورحب صدره وتلألأت عيناه!

4- هذا مما يحتج به الشيعة!

يقولون هذا مما يحتج به مخالفنا علينا فلا تأخذوه؟ 

إبعاد وتغطية وإنكار أو عدم ذكر أو التشويش على بعض الحق ما إن كان هذا الحق يقوّ من رأي الطرف المقابل أو العدو، بهذه الطريقة نحن نكون باحثين عن ما نحبه من الحق وما يوافق هوانا، وهذه ربما تندرج تحت مسمى يسميه الأستاذ حسن المالكي ( الكفر النسبي )، ليس هذا موطن التوسع فيه وبراهينه.

5- نفدت أدلتي كيف أفعل؟

عندما لا يبقى لدينا أدلة – أو لا توجد أصلًا – الحل: ذكر آيات قرآنية أو أحاديث نبوية مقترنة بأفكارنا، فعليا هكذا نحن نلبس أفكارنا قداسة، وذلك يؤثر على القارئ والمستمع إذ نريه الفكرة التي نريدها والتي نراها نحن ونتخيلها الحقيقة من خلال الآية أو الحديث، والأكثر تأثيرا الصوت المسموع المتغنى به أو الصوت العالي المصاحب لغضب! وهكذا أيضًا نخفي ضعفنا.

6- 100 ليرة.. ما يصير بـ25؟

قد نشبه لهذه الفكرة بتطبيقها على البيع والتجارة المادية، لكنها تنطبق على المعنوية أيضًا، وقد ندرجها تحت اسم (التطفيف). إذا كنا نحن من نشتري نحاول تخفيض السعر إلى أقل ما يمكن دون مراعاة وضع البائع، ودون الجواب على هذه الأسئلة: هل البائع سيخسر؟ هل سيربح القليل؟ هل هو راضٍ؟ نحن لا نجاوب على هذه الأسئلة فهي لا تخصنا! وإذا ما كنا نحن البائعين نحرص على عدم تخفيض ليرة واحدة! وكلما زاد سعر بيعنا يزداد فرحنا ورضانا أليس كذلك؟

ربما لا..

7- هل أنت مستعد لتسمية ابنك بـ(لوط)؟

قوة الإسم واللقب تكون في تناسب طردي مع أعمال وإنجازات المطلق عليه هذا الاسم، سواء كانت أعماله في الخير أو في الشر. اسم (محمد) مثلًا أكثر الأسماء انتشارًا أولًا؛ لكونه اسم رسول بعث رحمة للعالمين! ولا يخفى فعله ومسيرته في إيصال صوت السماء، وثانيًا فالاسم في معناه الحمد وهو اسم خيّر لكونه يوصف المسمى بصفة خيرة، لكن تبقى هنالك أسماء ليست منتشرة بكثرة مثل اسم الرسول (لوط) عليه الصلاة والسلام! وربما يجعلون من اسمه صفة لأفعال قومه في مع أنه يجب أن يكون اسمه صفة للطهر والرفعة والنقاء!

هذه قد لا تكون بأهمية ما سبق أو ما سيأتي.

8- فكرتي قوية فقد قالها أبو حنيفة!

نسبة الأفكار إلى أشخاص علماء وأذكياء كدليل على قوة الفكرة أو صحتها!

لا يخفى على من عرف أن الفكرة لا ترد إلى بفكرة وبرهان ناصع، ولا يكفي كون الشافعي قالها إذا وجدنا برهانًا يدل على أن برهانه خاطئ! أذكر أسماء علماء في الدين لكونهم الأكثر تأثيرًا في شعوبنا.

9- تاريخنا العريق ومنظارنا الوردي!

هناك نظرة وردية رومانسية إلى التاريخ والأجداد، هذه النظرة تفاخر بماضيها وتجعل ما فيها درعا في مواجهة الحاضر والمستقبل، وفي المقابل هناك أمم لا لون لمناظيرها، وربما يغلب على لونها السواد، فيقسون على تاريخهم وماضيهم ليتحرروا من عثراته وأخطائه فلا يفعلوها مرة أخرى في المستقبل.

10- يا رجل.. هذا قُتل في سبيل فكره!

كيف نقول بعدها أن فكره خاطئ؟ في الحقيقة ان الحق والباطل في صراع دائم، وكل يدافع عن قضيته ويناضل في سبيلها وهذا لا يجعل من الحق باطلًا ولا من الباطل حقًا، فهذا الرجل مقتله او (استشهاده) في سبيل قضيته أو فكره ليس برهانًا على صحة الفكر أو القضية، وهكذا كونه ميتا من زمن وكونه من أزمان قديمة، لكن أنى هذا من قوانين السائد، فالقِدَم يُلبس الأشياء قداسة، ويقول المثل: إذا مات الرجل تطول رجلاه! 

طالت وأصبحت جذورًا متينة حطمت بيوتًا ودولًا.

11- هو يقرأ كتبهم.. إذًا هو ملحد

قراءتك لكتب أحدهم لا تعني أنك تعتقد بفكره، وعرض فكرة لا يعني الإعتقاد بصحتها أيضًا، فالمعرفة تكون حيادية والمبادئ الأخلاقية تكمن في كيفية تطبيق هذه المعرفة.

12- الفكرة خاطئة إذا ما أخطأ المطبّق لها

(عدم التفريق بين الفكرة ومطبقها، الدين ومعتنقه الذي يحاول تطبيقه) هذه من درجات الجهل العالية الجودة! فداعش برهانها على الإسلام! ويزيد برهانها على الشورى!

انتهت الصورة أو الدزينة المكونة من بعض القوانين الحاكمة لواقعنا. كنت أود سرد فكرة في المقدمة إلا أنني أجلتها للخاتمة لعجلتي في عرض الصورة البانورامية التي أتمنى أن أكون قد وضحتها بكفاءة.

الفكرة هي: (أفكار الناس بعضها أساسية لا شية فيها، وبعضهم كل أفكارهم أساسية، هذه الأفكار يصعب تغييرها وربما يستحيل، حسب مرونة المرء وقابليته لمراجعة الحقائق والشهادة بالحق دون خجل أو خوف منه. أحيانًا يكون الشخص كسولًا فلا يقبل ما تبين له من الحقيقة، خاصة من كانت كل أفكاره أو جلها أساسية قاعدية، فتغيير كل فكرة حينها يتطلب إعادة بناء كاملة لمنظومته الفكرية، وكذلك الكاتب لعشرات الكتب مثلًا، ربما سيرميها إذا استقبل الفكرة الجديدة التي فيها من الحق ما يزحزح قواعده الأساسية، ولا نخفي خوف الإنسان من تجربته للجديد.

الصورة التي وضحناها مفيدة لهؤلاء الناس من العلماء أيضًا (المشار إليهم في الفكرة السابقة) وتعتبر حجرًا أساسيًا يبقى سلطانهم الفكري والمجتمعي على أعمدته شامخًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد