في نهاية نوفمبر الماضي طرحت شركة ديزني الأمريكية للرسوم المتحركة، واحدًا من أجمل أفلامها، والذي يتحدث بعبقرية فريدة عن صراع الأجيال بين الخوف من الماضي والتطلع للمستقبل.

Moana هو اسم الفيلم، وأيضًا اسم ابنة زعيم قبيلة رحالة بحريين تسكن جزيرة وسط المحيط، ويدور فيها الربع الأول لأحداث الفيلم، إذ يبدأ الفيلم برواية بعض الأساطير والخرافات التي تقصها الجدة «والدة زعيم القبيلة» على الأطفال الصغار، والتي كانت من بينهم Moana.

الأمر الذي أثار استياء زعيم القبيلة، إذ أمر بإنهاء هذه التفاهات.

هذا المشهد هو بداية الفيلم، وهو كذلك بداية حلقة الصراع المرير بين الجيل المؤسس ويعبر عنه الجدة، والجيل الأوسط ويعبر عنه ابنها الزعيم والجيل الأحدث، وتعبر عنه Moana.

تأسيس القبيلة لم يكن بالأمر الهين وخاصة بعد سرقة «ماوي– نصف الإله» بللورة الحياة من الإلهة «تاهيتي»، الأمر الذي تسبب في ازدراء حياة القبيلة؛ مما دفعها للإبحار بعيدًا حتى استقرت في جزيرة بعيدة في المحيط، وبعد موت أغلب الجيل المؤسس تسلم الجيل الأوسط مقاليد الحكم، فقام بطمث هوية آبائه وأجداده، وأخفى أمجادهم وسيرتهم، طمعًا في الاستقرار، وخوفًا من العودة للماضي، حتى أنه فرض قيودًا على التفكير، وحدودًا لا ينبغي أن يتخطاها أحد حتى في صيد السمك الذي هو طعام الجزيرة الأول، وفرض قالبًا للمعيشة يتم توارثه دون تجديد، مع العجز التام عن حل المشاكل التي بدت تلوح في الأفق، وتهدد حاضر الجزيرة ومستقبلها.

لذا سرعان ما تتكون حلقة وصل بين الجيل الأقدم والجيل الأحدث، إذ يطلعه على هوية وتاريخ أجداده، ويحثه للبحث والمغامرة ليكتشف فيما بعد أن مشاكل الحاضر مغروسة جذورها في الماضي، وأن أولى خطوات الحل تبدأ بالتعرف على هوية وتاريخ القبيلة، ومع كثير من التضحية والإيثار والشجاعة والفضول، وكذا تقديم الدعم المعنوي لهذا الجيل في أوقات الانكسار، ينجح الجيل الأحدث في فك الطلاسم التاريخية وهدم أصنام الخوف، ويصنع حاضره ومستقبله بطريقته وتفكيره فيعبر بالجزيرة إلى سلام دائم.

هذه الحبكة إنما تلقي بظلالها على واقع تعيشه البشرية دائمًا، فالإمبراطوريات والدول التي قامت على مدار التاريخ البشري سقطت بفعل عوامل عدة، كان أبرزها غياب التسلسل السلس المرن للهوية والرسالة والرؤية عبر الأجيال، الأمر الذي أضعف هذه الدول بمرور الوقت؛ لأنها فقدت ما قامت لأجله.

هذا الأمر أيضًا لا ينطبق فقط على الدول أو الإمبراطوريات أو حتى الحياة السياسية فحسب، وإنما ينطبق أيضًا على أي شيء يتم تأسيسه ويرغب المؤسسون في توارثه بقوة جيلًا بعد جيل، وهي فلسفة التوارث الحكيم الذي نادى به البعض عبر أزمنة ماضية، وعبر عنه فيلم رسوم متحركة بشكل مذهل.

أنصح بمشاهدة الفيلم؛ إذ إنه كذلك يبرز حوارًا فلسفيًّا ثنائي التأثير بين نموذج الإيثار والتضحية من جانب، ونموذج الأنانية والغرور وحب الذات والبطولة الزائفة من جانب أخرى، كما أنه يسرد حوار الفيلم في بعض الأوقات عبر محادثات غنائية جميلة وعذبة.

فيلم Moana من إخراج Ron Clements وDon Hall، وقصة Ron Clements، وقدم أصوات الشخصيات الرئيسية Auli’i Cravalho وDwayne Johnson، وقد حصل على تقييم 7.8 في موقع IMDB، ولكنه رغم هذا لم يحصل على جائزة الأوسكار للفيلم المتحرك، إذ حصل فيلم Zootopia على الجائزة، وهو من إنتاج نفس الشركة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد