في مشاركتي هذه سوف أستعرض بعض المواقف الحقوقية التي اتخذها الدكتور أحمد معاذ الخطيب في سيرته ومسيرته السياسية قبل وبعد الثورة السورية، على سلطات الاستبداد والطائفية والتخلف في سوريا.

يمثّل د. أحمد معاذ الخطيب في الذاكرة التاريخية السورية القريبة والبعيدة محور استقطاب وطني للجميع، فهو إما في سعي إلى صلح، أو جلب مصلحة، أو منع مفسدة، أو تفادي خطأ، أو إتمام تفاهم يمنع تفاقمًا محتملًا، أو يعمل على إيقاف مظلمة والإعانة على مكرمة.

حلم كبير في زمن الأحلام الصغيرة..قلب أبيض في عصر الآراء والرايات السود…

حارب الرجل الطائفية قبل وبعد الثورة، وقال في البحث العلمي الموسوم بـ(أثر السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها) وهو جزء من عدة مواضيع قام الباحث بإعدادها، ونال عليها شهادة الدبلوم في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من الأكاديمية السورية للتدريب والتطوير:

“الطائفية هي إحدى العقد الحقيقية في مجتمعاتنا، وليس بإمكان السياسيين وقادة الرأي وعلماء الدين والموجهين الروحيين، أن يغيروا شيئًا من أحوال مجتمعاتهم البائسة تغييرًا حقيقيًا، ما لم يكن هناك فكر قوي ينطلقون منه”، ويقصد د. أحمد معاذ بالفكر القوي، الفكر الذي ينتمي إلى هوية المجتمع من دون قولبة أو إملاء مع مراعاة كرامة الإنسان أولًا.

هذا الموقف الحقوقي والأخلاقي ظل ملازمًا له حتى ما بعد الثورة، وحتى عندما وصل الدم إلى الركب، ظل مثابرًا ومحذرًا من تغليب سيادة الدم، ومن الطحن الطائفي للمكونات الأساسية في المنطقة: سنة وشيعة وعربًا وكردًا وغيرها.

وفي منحى حقوقي في الفكر الثوري الإنساني عند المهندس الشيخ معاذ الخطيب، يظهر حرص الرجل على قيمة وحرية التعبير وحرية الفكر، فالسؤال ابن الإيمان.

نؤمن بثقافة الأسئلة، وأن نتعود على سماع الآراء التي تخالف ما ألفنا، وأن نبتعد عن منح آراء العلماء السابقين قداسة تغلق الأبواب عن المناقشة. نعم نستأنس بها عند الحاجة، ولكن ينبغي إخضاعها للتجريب، في الميدان.

هكذا علمني الدكتور معاذ…

أن أفتح ذهني، وأن الواجب على الجميع أن يتحاوروا كي لا يجرّهم التعصّب والتحجّر إلى الذوبان في قدر الضغط الأطلسي الحضاري. والبرهان هو الفيصل بين المدعين.

ومن أجل ذلك كنا شبابًا نتعلم على يديه أنه لابد من تنشيط العقل الإسلامي المعاصر، ليمارس الحرية المشروعة في النظر والتأمل، والبحث والتجريب والحرث والتجديد، لتفكيك التراث الاجتهادي الذي صيغ في عهود الاختلال، من أجل إدراك العلاقات، ومحاولة إعادة التركيب، على ضوء ثوابت الشريعة، ومن أجل إدراك شبكة العلاقات الكلية، قبل الوقوف على الجزئيات، ولا بد من الوعي بهذه الوحدة العضوية إذن.

ومن باب الممارسة الواقعية لمعنى الحرية التي هي أسمى حق من حقوق الإنسان، والتي يمكن تعريفها بأنها مجموعة من القواعد القانونية والمبادئ الأساسية التي تشكل واقعًا سياسيًا واجتماعيًا وقانونيًا، يهدف لتثبيت دعائم الحياة الإنسانية على أسس تتوافق مع مقتضيات العدالة والوجدان السليم، وهي قواعد تمثل في مجموعها نظامًا للحق والعدل والمساواة في المجتمع الإنساني.

وبالنظر إلى شطر كبير من هذه الحقوق والمبادئ نجدها تتطابق من حيث المصدر مع المبادئ الدينية والأخلاقية، ذلك أن هدف قواعد حقوق الإنسان هو تحقيق العدالة والمساواة والخير المطلق لأفراد المجتمع الإنساني، دون النظر إلى الألوان أو الأديان أو الجنس أو الوضع المالي أو التطبيقي.

أعلن د. معاذ الخطيب منطلقاته تجاه أية مبادرة أو مؤتمرات تقام من أجل الشعب السوري بالآتي:

  • لن يجتمع شمل سورية ثانية أرضًا وشعبًا بوجود النظام ورأسه، لذا فلا حلَّ من دون رحيل رأس النظام والمجموعة التي ساقت سورية إلى المصير البائس الذي وصلت إليه اليوم.
  • لا بد من إجراءات جدية لأية مؤتمرات ترعاها جهات داعمة للنظام، وأولها إلزامه بإيقاف القصف الوحشي لشعبنا، والذي يستهدف المشافي والمدارس والمدنيين والأماكن السكنية، مما هو من أكبر الجرائم في تاريخ الإنسان.
  • نرى أن التفاوض السياسي أحد الوسائل لحقن الدماء وإيقاف الخراب، ومن مقدماته إطلاق سراح المعتقلين، وخصوصًا النساء والأطفال.
  • يشكل بيان جنيف الأرضية لكل عملية سياسية تؤدي إلى وضع انتقالي لإنقاذ سورية.
  • لا يمكن أن تكون الجهات المولودة من رحم النظام ممثلة لثورة شعبنا العظيم.
  • إن استقلال القرار السياسي السوري، ووحدة بلادنا أرضًا وشعبًا، ونيل حريتنا؛ مطالب أساسية لا يمكن التفريط بها بحال.

وعندما اعتمد مجلس الأمن القرار 2150 في نيسان/ أبريل 2014، بشأن منع الإبادة الجماعية؛ بما يؤكد الفقرتين 138 و139 من الوثيقة الختامية للقمة العالمية لعام 2005 بشأن مسؤولية حماية السكان من الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب والتطهير العرقي، والجرائم المرتكبة في حق الإنسانية، نجد أن التحرك السياسي والمواقف الثورية للدكتور أحمد معاذ الخطيب تستند إلى وجهة نظر حقوقية تجرم وتحرم الإبادة التي تتم لشعب سوريا، وقد أعلن د. الخطيب منذ الأيام الأولى لتوليه رئاسة الائتلاف:

1- أن الشعب السوري  يتعرض إلى إبادة جماعية.

2-  الشعب السوري يتحمل مأساة غير مسبوقة.

3-رفض بشدة كل أشكال الإرهاب.

التزم المهندس بحق الشعوب في الدفاع عن قضاياها دون اللجوء إلى رايات متطرفة، وحرص د. الخطيب على بيان أدبيات ومسلمات الثورة السورية فقال: “لن نسمح بوقوع عمليات انتقامية ضد أي مجموعة في سوريا في إشارة إلى مرحلة ما بعد الأسد”.

وفي الختام:

إن من المقومات النفسية والفكرية للشيخ د. أحمد معاذ، الإنسان أولًا. ولذلك لم ينشغل بظلم الظالم ولكنه انشغل على نصرة المظلوم، ولم يستدرج لمبارزة المتنطعين، بل كرس مفهوم الدين في خدمة الإنسان، ولم يقتصر جهاده على هدم الباطل، ولكن أكد على بناء الحق.

أحمد معاذ الخطيب، شكرًا لأنك ما زلت في زمن يظن الكثيرون أن الدين انتهت صلاحيته. ما زلت حتى اللحظة تنصر الدين والإنسان، وترفع راية “عِشْ ودعْ غيرك يحيَ”، وهذه هي قصة حقوق الإنسان وغايتها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد