يعتبر مطلع شهر مارس بداية الموسم لزراعة البُن في اليمن، لذلك حدد ناشطون شباب يوم 3 مارس عيد موكا في اليمن واعتباره يومًا وطنيًا، وذلك للتوعية بأنواع القهوة اليمنية ومميزاتها وأهميتها اقتصاديًا، وزراعة ألف شتلة من شتلات البُن، كما أقيم العديد من الفعاليات في صنعاء عن البُن وتذوقه.

في هذا المقال، سنأخذ لمحة سريعة عن رحلة البُن التاريخية في اليمن، إذ يعتبر هو البلد الذي انتقلت منه شجرة البن وثماره إلى كافة بقاع العالم رغم أن موطن البُن في الأصل هي الحبشة، وكان ذلك في القرن الخامس عشر ميلاديًّا.

يرجح المؤرخون أن حبوب البن انتقلت عبر القوافل التجارية إلى اليمن، وقيل أن المتصوف العيدروس الشاذلي هو من أول ابتدع شربها، كونه وجد فيها تجفيفًا للدماغ واجتلابًا للسهر وتنشيطًا للعبادة، وأرشد أتباعه على شربها حتى صار الشاذلية من أسماء القهوة العربية.

ما سبب تسمية بن «الموكا»؟

كان ميناء المخاء أول ميناء قام بتصدير البُن اليمني للعالم، وقد اشتق اسم موكا من كلمة مخاء، وأصبحت موكا هي كلمة عالمية تطلق على أجود أنواع البن، وهو البُن اليمني، وقد سيطر البن اليماني على التجارة العالمية بشكل مطلق لمدة قرنين من الزمان، وذلك من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر، وكانت عائداته المالية كبيرة، ويدل على ذلك قدرة الدولة على بناء عاصمتين في هذا العهد.

انتشار مشروب القهوة

نشر المتصوفة مشروب القهوة في حواضر المدن الإسلامية، ويُقال بأن أول مقهى في التاريخ افتتح في دمشق عام 1530، ثم انتقلت القهوة بعدها إلى مدن أخرى، حتى وصلت إسطنبول حاضرة العالم في ذلك الحين، وفي عام 1538، استولى العثمانيون على ميناء المخاء في اليمن واحتكروا تجارة البُن، لتنشأ علاقة خاصة بين القهوة وسلاطين بني عثمان، واستحدثت وظيفة جديدة بمسمى «القهوج باشي» في سرايا السلطان، ومهمته الإشراف على تحضير القهوة.

يعتبر القرن السادس عشر القرن الذهبي في تاريخ القهوة وانتشارها، لكن ظهرت بعض الفتاوى في مكة المكرمة بتحريم تعاطي القهوة وأحدثت جدلًا فقهيًّا، وفي مطلع القرن السادس عشر أحدثت فتوى الواعظ أحمد السنباطي بتحريم القهوة فتنة، إذ داهم طلبته المقاهي لضرب المتعاطين وتحطيم أوانيها، إلى أن أصدر قاضي القضاة في القاهرة بإقرارها، كما صدر بعدها بعقود فتوى صريحة من شيخ الإسلام (قاضي القضاة في الدولة العثمانية) بستان زاده أفندي بتحليل القهوة.

انتشر البُن إلى أوروبا عبر تجار البندقية، وشهد القرن السابع عشر افتتاح مقاهٍ في إيطاليا وفرنسا وإنجلترا والنمسا، وانتقل الجدل الديني إلى الكنيسة، فقد طلب مستشارو البابا كليمونت الثامن أن يحظر القهوة كونها مشروب المسلمين وحكامهم العثمانيين، حتى أن البعض أسماها مشروب الشيطان، فتذوقها البابا فأحبها ومنحها مباركته وأنهى الجدل.

حملت أول سفينة بريطانية البن من اليمن عام 1609، وما زال أول إعلان عن بن اليمن محفوظًا في متحف لندن، وقد كتب عام 1652، ويقول الإعلان «القهوة تنشط الفكر وتنير الذهن، إنها دواء لتقرح العيون، ولداء الاستسقاء، وداء المفاصل والإسقربوط، وللوقاية من الأمراض، وهي لا تسبب أي إسهال أو أي إمساك».

كانت مدينة بوسطن أول مدينة في أمريكا افتتح فيها مقهى عام 1670، تليها مدينة نيويورك عام 1737، ويؤكد المؤرخون بأن المقهى الشهير في نيويورك ويدعى مقهى التجار كان مكان ولادة اتحاد الولايات المتحدة الأمريكية، فهو حيث كان الآباء المؤسسون يجتمعون ويحتسون قهوة «موكا»، الصادرة من ميناء المخاء، وهم يناقشون قيام اتحاد الولايات.

احتكر اليمانيون زراعة البن وتصديره، فكانوا يحمصون حبوب البن قبل تصديره فتصبح غير صالحة للزراعة، تعددت روايات تهريب الحبوب الصالحة للزراعة، والشائع أن الهولنديين تمكنوا من نقل شجرة البن إلى جزر جاف وسيلان، واستطاع الفرنسيون كذلك زرعها في مستعمراتهم، ثم انتقلت إلى البرازيل ثم انتشرت في العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد