عندما تبحث في آيات الكتاب المبين عن كلمة يستهزئ ومشتقاتها ستجدها عند أعداء الله والحق والحقيقة، فهي من صفات الإنسان المهزوز والضعيف وقليل الحكمة وفاقد الدليل القوي في إثبات أفكاره ومعتقداته وضعفه هذا هو ما يجعله يلجأ إلى هذا الأسلوب، حيث يستهزئ من الآخرين ويتخذ عباداتهم وطقوسهم وعقائدهم محطة للسخرية والضحك والاستهزاء، وهذا الأسلوب ليس من أساليب القرآن في معالجة الاختلافات والخلافات بين الناس وخاصة تلك المرتبطة بعباداتهم.

ليس من الصحيح إهانة أي طقس أو ديانة والاعتداء عليها من خلال تسفيهها بأسلوب وقح يكوّن لدى الطرف الآخر ردة فعل سلبية تدعوه إلى اتخاذ نفس الأسلوب الرخيص في الرد على الأفعال المسيئة له ولدينه وعقيدته، ولاحظنا مدى تأثير ذلك على الأمة الإسلامية لمّا ظهرت الرسوم الكاريكاتيرية التي أساءت لمقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك الأفلام التي حاولوا فيها الحط من منزلته الشريفة معتمدين على روايات يتناقلها المسلمون ومدونة في كتبهم ومناهجهم، ورغم ذلك فإن الإساءة لم تخرج عن إطارها الاستهزائي الجارح، ولو أن هذه الروايات وضعت على طاولة النقاش الموضوعي لكانت شيئًا طبيعيًا ولا يخرج عن الأفعال السوية والعاقلة.

الكل متفق أن الإنسان هو وليد الواقع الذي يترعرع فيه، فمن يولد لأبوين هندوسيين ويتكلمان اللغة الهندية والذي يتربى في محيط المعبد فإنه بالنتيجة لن يتكلم اليابانية ولا يتعبد بالديانة اليهودية، وهو واقع الحال فعدم اختيارنا لحياتنا ومكان نشأتنا ليس ذنبًا منا ولن ندفع ثمنه، وهو ما يؤكده قوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) فالله تعالى رحيم بعباده وهو أعلم بما يمرون به وهو الذي يحدد إن كان العبد يستحق الرحمة أو العذاب، فإيصال الرسالة إلى العباد ليست من خلال الاعتداء عليهم وسلبهم إرادتهم في الاختيار ولا من خلال التقليل من شأنهم والحط من قيمهم وعلى هذا الأساس فان الاستهزاء بهم لن يقربهم إلى الله ورسالته بل على العكس، فإن هذا التصرف سوف يجعل منهم أعداءً له ولرسالته.

كل إنسان يبحث عن الله في فطرته ويحاول التقرب إليه، ولكن هناك من يجد نفسه يتعلم أن إلهه هو الشمس أو النار أو الصنم، ولهذا فهو يتعبد للتقرب من إلهه الذي خلقه والذي يحميه ويرزقه والذي بإمكانه إيقاف كل القوانين والإتيان بالمعجزات، فليس كل الكفرة والمشركين والذين يعبدون غير الله هم أعداء لله تعالى، بل هناك من هم يجهلون كيف يكتشفون الحقيقة، وخاصة إن كانوا لا يسمعون إلا كلام كهنتهم فهم ليسوا ممن يتحدون الله تعالى ويعارضونه عن كبر وغرور، هم من خلال طقوسهم يريدون التقرب من الخالق الذي كبروا وهم يظنون بأنه هذا الصنم.

الناس بحاجة إلى توضيح وإلى رؤية الدين في التطبيقات العملية للمتدينين، فصنم يرفض أن يعتدي عباده على حقوق الناس وإن اختلفوا معهم في الديانة هو أفضل من المسلم الذي يعبد الله ويوهم الآخرين أن الله تعالى يجيز له أن يعتدي على الآخرين إذا اختلفوا معه بالدين والعقيدة، وهذا لن يجعل من عباد ذلك الصنم قادرين على الاقتناع بعدول إله المسلم لآن إحدى صفات الإله أن يكون عادلًا ورحيمًا، وأن رحمته تسبق غضبه، وهذه هي مشكلة الإسلام اليوم، وهي أن بعض المسلمين حولوا الله تعالى إلى وحش بدلاً من إله رؤوف بالعباد، وجعلوا تعاليم الأصنام الوضعية أفضل من آياته تعالى، لقد تحول الإسلام بسبب المتشددين والتكفيريين إلى عبوة ناسفة وسكين تحز الرؤوس ولحية عثة ووجه مغبر وكلام بالفصحى ودور العبادة إلى مسلخ كبير للمعارضين والمخالفين والمختلفين.

من المخجل أن تذهب كل أتعاب الأنبياء سدى، ومن المحزن أننا نشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصور ومسلسلات وأفلام وبرامج يظهر فيها المسلمون وهم يستهزئون بمن يخالفهم بسخافة وابتذال، لا سيما وأنهم يستهزئون بالمسلمين الذين يكفرونهم ويخرجونهم من الملة، وهذا الحال لم يعد يشعرني بالغضب، لأنهم وإن اعتدوا على عقيدة مسلم وعلى رموزه التي يعتقد بأنهم أولياء الله وطريق الارتباط معه عز وجل، إلا أنهم بالحقيقة يعتدون على النبي الأكرم والذي لم يترك مثل هذه السنة، ولهذا أنا أشعر بالحزن والأسى، لأننا تحولنا إلى سرطان يقتل أمة التوحيد بلسان الإسلام.

واجبنا اليوم هو أن نرفض أي أسلوب استهزائي يصدر من أي مسلم مهما كانت هويته أو قوميته أو طائفته وأن نقف بوجهه بحزم ونمتنع عن استصغار الآخرين ونشر مثل هذه الصور والأفلام إلى العالم، وأن نبين غضبنا من هذه التصرفات التي لا يتحلى بها الإسلام والتي ليست من تراث وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلينا أن نحتقر هذا الفعل وفاعليه إن كنا نعتبر أنفسنا محبين لله ورسوله.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد