فلننطلق من نقطتين:

– الأولى أنه لا بأس بالشك في كل شيء دون خوف، فالأفكار الصحيحة غير قابلة للاهتزاز!
– والثانية أن الوقت يتخطى كل ثابت، بما في ذلك الدين!

عشتُ في بيئتين دينيتين مختلفتين تمامًا، وخلفيتين متباعدتين من العادات والتقاليد والنظم المجتمعية، بحكم الاغتراب، أترنح بالفكرة التي أصِل لها عن الدين شهورًا حتى تستقر في دماغي، أتصوف، ثم أنسحب نحو اتجاه جديد أبنيه على كم من الأفكار التي تبدو لي خلاقة مهما شعرت بها مخالفة لما أنا عليه، ثم تأتي شهور أنتقل فيها لبلادي حيث تنهار في لحظةٍ الفكرةُ -وقصر الأفكار الذي شيدته عليها ظنًّا مني أنها ثابتة – تنهار بالتطبيق وبالنزعة نحو الهوية.

تكون الأفكار الدينية شائكة دائمًا لمتلقٍ مشاغب، ومشاغب هنا لا تعني سوى باحثٍ أو متحرٍّ لا يستطيع الركون لفكرة ما لم يشاور فيها عقله، فما إن يفتح نافذة على العالم، أي نافذة، بدءًا بنافذة الغرفة الصغيرة أو نافذة الإنترنت، فسرعان ما سيبدأ باختبار قوة الأفكار وصلاحيتها ومرونتها، وهنا ستذهب الأفكار الهشة إلى مثواها الأخير، وتبقى الأفكار الصلبة الواثقة.

الدين أسهل طريقة لحشو أي متلقٍ عامي، من رجل دين شرير أو جاهل! فهو دخولٌ آمن لخصوصية الفرد وسلوكه دون أن يشعر بأي تخطٍّ لإرادته أو تجاوز لخصوصيته، عليه فإن أي محاولة منه للمقاومة والتفكر أو هضم النصوص الدينية ودوافعها وحِكمها، بل وتناسبها مع الوقت الراهن، تُقابَل بدعوة للاستغفار والتقوِّي على الشيطان – هذا في ألطف استجابة ممكنة طبعًا – دون التفريق بين ما إذا كانت هذه نوازع النفس العادية الموازية للدين جنوحًا نحو الهوية للشعور بالأمان والخصوصية، أو أن هذا عصيان متعمَّد لإرادة الرب هوًى وانحرافًا.

وحين كانت الأفكار تنشطر في رأسي لأجزاء أصغر وأكثر تعقيدًا، كنت أذهب نحو الكتب مخافة أن أذهب للناس، حيث أُقْصى أو أُدعى للتطهر من آثام متقوَّلة، كانت لي تجارب كثيرة مع الناس انتهت بنهايات قاسية كان ألطفها النفث على رأسي والدعاء لي بالهداية، وإظهار القلق على مصيري في الآخرة لمجرد شك صغير أو نزعة للتصوف في مجتمع سلفي سني، والعكس. وأعنفها الاستهزاء بثقافة بلادي، كلمات الأغاني مثلًا، معتقدين أنها تنخر في الدين وتفكك العقيدة، أو بوجود الفن الغنائي أصلًا دون فهمهم كيف يكون هذا احتياجًا حقيقيًا لشعب دون آخر، مرورًا بالادعاء الجاهز أن لعرق واحد أفضلية فهم الدين الصحيح، وأن غيره مبتدع حتى يثبت صفاء عقيدته.

كان باستطاعة الكتب نقاشي بصورة جيدة، لا أقصد كتب الفلسفة والتراث وحدها، بل حتى مجرد قصيدة من شاعر فذ، كان باستطاعتها كشف أشياء عن النفس الإنسانية وعلاقتها بالدين، ثم خطرت لي الفكرة:

تعدد الطرائق من الفطرة!

إن الله ليس مسؤولًا عن فهمنا لفكرة الدين أو ركوننا لقبولها هي هي، كما عالجتها أذهان الناس منذ نزلت، بل على العكس، لم يكن هذا النمط المتبع في التعامل مع التشريعات أصلًا، كان الله مُرَحِّبًا بسؤال إبراهيم – عليه السلام – عن إحياء الموتى غيرَ غاضب من شكه – كما يغضب رجل دين! – ولذا كان التعدد، تعددت المذاهب التي صنعتها الجغرافيا أساسًا، وكانت حروف القرآن وكان النسخُ وكانت الأشياء المتبدلة، والضرورات حين تبيح المحظورات، وكان من المشايخ من يعرض فتواه على عرف الشعوب ومزاجيتهم وقبولهم، دون إضرار بمعنى النص الأصيل أو تحريف لأجل الهوى. وهي كلها أحوال واختلافات وتعددات.

وهكذا كان اعتبار إنسان واحد، أو هيأة بعينها مرجعيةً أولى لا نقاش فيها خطأ إنسانيًا متكررا وعامًّا في أمور الدين أو الدنيا، تطبيقات هذا الخطأ قديمة ومكررة، وهي كلما تكررت كشفت عن أيدولوجيات خطرة ومؤذية، يقودها رجالُ دينٍ أو مفكرون مدّعون، أو مسيسون تدفعهم المصلحة التي هم بصددها إلى تسيير أمة كاملة مغمضة العينين نحو اتجاه واحد عواقبه معروفة، لكنها خطرة، وتدفعهم لفتح أعينهم فقط للتنمر على أفكار أخرى، وسلبها حقها في الوجود، وللتنمر بشعوب بكاملها، ضاربين بفنها وموروثاتها الثقافية والإنسانية عرض الحائط، وتنكيس التقدم الإنساني تمامًا ثم إشغال شعوب بالتنمر ضد شعوب، يرى بعضها فن الآخر تهريجًا ولغته ركاكة وثقافته محض حكايات مجوفة لا قيمة لها.
غير أنك تلحظ أن هذه الثقافات ما تلبث تتسلل ناعمة، تخلق بذلك مظهرًا صحيًا وهواءُ نظيفًا في حفلة الاختناق تلك، وتلقى القبول دون شعور من أشخاص ما زالوا أنقياءَ لأن قبول الآخر فطرة، رغم محاولات أصحاب المصلحة عزلها وتخويف الناس منها والادعاء أنها طاعون ينبغي تجنبه.
الانفتاح هو النقطة البيضاء في الورقة السوداء التي عاش فيها عصرنا آثار الأيدولوجيات الدينية، أدى إلى تراجع السلطة إلى خطوطها الأساسية، وقبول الناس لبعضهم لما رأوا من إيجابيات هذا القبول ومتعه، وقبل ذلك فكرتهم الأولى حين يرون الثقافة الجديدة: لم لا؟

مع هذا فإن أثر هذا الانغلاق يصعب غسله تمامًا إلا بالوقت وبمرور الأجيال، معنى هذا أنه ثمة من سيمضي حاملًا هذا التلوث أينما ذهب، دون أن يستطيع أحد إقناعه، وهذا مظهر يصاحب أي فكرة، وهو يزيد تبعًا لحساسية الفكرة.

لا يُنشِئ تنميط الناس بنمط عقائدي واحد، سوى مسوخ إنسانية تقاتل في حروب واشتعالات تندلع كلما نزعت نفسٌ نزعةً إنسانية عادية نحو فطرتها، فيولد التطرف، الذي يجعل الناس أشتاتًا، وإن ارتدوا نفس القشرة، وهو يضر في أحسن الأحوال، بنقاء السرائر وجمال الدواخل وبداهة الأشياء، ويضر بالعيون فتتشوه رؤيتها عن الجمال والفن، فتصبح الموسيقى صوت شيطان، ويصبح النحت تحدٍّ لله، ويمهد هذا لسلب الحريات وللعنصرية باسم الدينِ يراها أصحابها مقدسةً فلا يراجعونها لثانية، وينتفي التآخي والتعاطف بين الناس في الإنسانية، وتناول الثقافات ولو بالنظر أو المطالعة، فيصير الإنسان محدودًا ببيئة معينة تركد في النهاية لو لم تسلم نفسها لجدول التجديد، ثم تصاب بشتى وباءات الركود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد