عادة ما تمثل الأنشطة الطلابية بمختلف توجهاتها الفكرية نقطة تحول لدى الكثير من الشباب، فدائمًا ما يكون لها التأثير الأقوى في المجتمع، فضلًا عن المجال السياسي العام. والجدير بالذكر أن أغلب مفكري الأمة عندما يتم سؤالهم عن نقطة التحوّل في حياتهم يشيرون إلى فترة الدراسة الجامعيّة، وبالتحديد إلى مشاركتهم في الأنشطة الطلابية المختلفة، ولعل أبرز صحوات الحركات الطلابية كانت في سبعنيات القرن الماضي؛ عندما اشتد الصدام بين الدولة والحركة الطلابية، وكانت النتيجة هي إلغاء اتحاد طلاب مصر.

“يتحدث المهندس أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط عن هذه الفترة  في مقال نشر له عام  2005  تحت عنوان “حكايتي مع الإخوان وقصة الوسط” ويقول : قمنا بنشاط دعوي وطلابي واستقطاب عدد كبير من الطلاب؛ حتى جاءنا في زيارة د. عبد المنعم أبو الفتوح، وكان وقتها رئيسًا لاتحاد طلاب جامعة القاهرة؛ ليقنعنا بضرورة الدخول في انتخابات اتحاد الطلاب في الجامعات وفي هذا العام كنت قد انتخبت رئيسًا لاتحاد طلاب كليتي (كلية الهندسة)، ثم رئيسًا لاتحاد طلاب جامعة المنيا، وفي نوفمبر عام 1977 كسبت الحركة الطلابية الإسلامية اتحادات الطلاب في 8 جامعات من أصل 12 جامعة في ذلك الوقت، وخضنا معركة مع الدولة لإتمام انتخابات اتحاد طلاب الجمهورية؛ حتى تم ذلك في أكتوبر عام 1978 متأخرة عن موعدها القانوني الذي كان في مارس 1978؛ حيث فازت الحركة الطلابية الإسلامية بغالبية مقاعد اتحاد طلاب مصر، وكنت يومها النائب الأول لرئيس اتحاد طلاب مصر، ودخل هذا الاتحاد في مصادمات مع نظام الرئيس السادات، كان أشهرها موضوع استضافة شاه إيران في مصر، واتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، والتي نظمنا إضرابًا يوم التوقيع في جامعة المنيا وأصدرنا بيانًا باسم اتحاد طلاب مصر بعنوان (موقفنا من إسرائيل)؛ فتم اعتقال بعض القيادات الطلابية، وخرجت مظاهرات في جامعة المنيا وأسيوط، وكان صدام مع أجهزة الأمن، ثم تم اعتقالي مع مجموعة من قيادات الحركة الطلابية الإسلامية لجامعة المنيا في سجن المنيا عام 1979.”..

ولا ننسى في عام 98 خرج طلاب مصر عن بكرة أبيهم لينددوا بالقصف الأمريكي على العراق. وفي 29 سبتمبر عام 2000، خرجت جموع الطلاب من جميع جامعات الجمهورية للاحتجاج على اقتحام شارون للمسجد الأقصى، ونستخلص من ذلك أن الحركة الطلابية مارست نشاطًا سياسيًا ملموسًا في التاريخ المصري الحديث والمعاصر بذاتها، ولذلك لم يكن غريبًا أن يقول المؤرخ الفرنسي والتر لاكير: لم يلعب الطلاب دورًا في الحركة الوطنية، مثل الدور الذي لعبه الطلاب في مصر.

وفي فترة تشتتي الفكري اللامتناهية وتمردي على الفئة التي تربيت معها منذ الصغر، حيث إن التجربة التي مر بها الجميع جعلت الكل يعيد حساباته ويراجع أفكاره، فما بين هذا وذاك أقع أنا بين أصدقائي الملحدين، الذين جمعني بهم العمل الإسلامي من قبل، وتأثير التجربة الضخم عليهم، ثم الالتحاق بركب الثقافات الأخرى، ومحاولة اكتشاف عالم خارج مجتمع الجماعة المنغلق علينا، حيث ما يسمى الجماعات الجهادية، ثم نقاشات الليبرالية، ومن ثم الماركسية، مرورًا بالتيار اليساري، وأي شيء كان على الساحة السياسية وقتها، وفي أثناء كل هذا التشتت تظهر مويك، وهو نشاط طلابي يحاكي منظمة التعاون الإسلامي، تم تاسيسه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ومن ثم بدأ في الظهور في باقي الجماعات تباعًا، وكان الغرض من دخولي هو التعلم واكتساب المهارات وتقضية وقت الفراغ فيما يفيد كباقي الأنشطة الطلابية، ومع أول يوم لي تغيرت وجهة نظري التي كنت كونتها عن النموذج بشكل عام قبل دخولي على أساس أنه نشاط طلابي عادي كغيره من الأنشطة الطلابية؛ فجلسات النموذج التثقفية التي كانت تعقد لنا كل أسبوع أصبحت بمثابة اليوم الذي أنتظره وأحضر له اسبوعيًا، وأتنازل في المقابل عن كل أنشطتي السابقة، فالجميع لاحظ التغير الذي طرأ علي، وأوله رجوعي للقراءة مرة أخرى بعد انقطاعي عنها، حيث إنني وجدث في مويك كل شيء كنت بحاجة إليه في ذلك الوقت، بالإضافة إلى عزوف شعور الاغتراب الذي كنت أشعر به ويلازمني في هذه الفترة من خلال اكتساب المعارف الجديدة، والذي كان يربطنا جميعا شيء مشترك، وهو أننا جميعا مررنا بنفس التجربة السابقة التي تركت بنا الأثر السيئ. فضلًا عن كم الاستفادات التي لاحصر لها. ولا أنكر انبهاري الكبير بشباب النموذج؛ فالأغلب كان يتسم بالخلق والمعرفة وخفة الدم والروح المرحة والعفوية، فاليوم بالنسبة لي كان يومًا ترفيهيًا بامتياز.

تعلمت في مويك ثقافة الاختلاف التي كانت تنقصني، فضلًا عن أنني كنت أتسم بالجرأة، ولكن من خلال مويك تم توظيف هذه الميزة في مكانها الصحيح؛ فكنت أقوم وأتحدث وأناقش أفكاري علي العامة، وهذا أفادني كثيرًا فيما بعد. فأعتقد أنني لم يتسن لي التعرف على كتابات مالك بن نبي وعبد الوهاب المسيري وعلي عزت بيجوفيتش وغيرهم سوى من خلال التحاقي بمويك، بل من المضحك أيضًا أنني لم أقرأ لسيد قطب سوى بعد هذه التجربة العظيمة، والمفترض أنه من أعمدة قيام فئتي السابقة، أي إنه كان من الأولى لي التعرف على كتاباته منذ الصغر. وهذا يأخذنا إلى نقطة انعدام القراءة والاطلاع في الآونة الأخيرة حتى على مفكري الجماعة القدامى، إلا من رحم ربي، فهذه بالكاد إحدى أسباب الأزمة الأخيرة. يكفي أنني تحولت من قراءة الروايات وكتب التنمية البشرية إلى عالم الفلسفة والساسة، فكثيرًا ما أرى هذا الفرق واضحًا عندما أجد نقاشي الفكري مع صديقي تغير من الحديث عن رواية فلان الممتعة والشيقة إلى الحديث عن نقد الماركسية وسيطرة الحداثة وطغيان المادية والتوجه إلى عالم الأفكار وما إلى ذلك.

وعلى المستوى الشخصي أخشى على مويك أن تصبح مع الوقت صنمًا لدى متطوعيها؛ فأذكر أننا كنا في اجتماع تحضيري ذات مرة للمؤتمر الختامي للمجالس الأكاديمية، وفي خلال النقاش تحدثت إحدى الفتيات عن التأثير في المجتمع ورفعة الأمة وكلام من هذا القبيل، فما كان من رد فعلي السريع إلا أنني قلت لها إنها غير واقعية؛ لأنها تتغاضي عن رؤية الوضع الذي وصلنا إليه في مصر، فهذا ما كنت أقصده، حيث إن تجربتي السابقة علمتني أن لا أبالغ في التفاؤل، فالحديث عن إحداث الأثر ورفعة الأمة، وغير ذلك من المصطلحات التي تثير عاطفة الشباب، يوجد بها شيء من المبالغة نوعًا ما، خصوصًا عندما تكون على دراية جيدة بالوضع الحالي. فما كان من كل من كانوا في الغرفة إلا أن تنفاسوا جميعًا للرد علي، وما كنت أعلم وقتها هل هذا الكم من الردود والتبريرات لكي يغيروا وجهة نظري التشائمية أم لكي ينتصروا للنموذج ولا ينكسر الصنم؟!

ولكنني بالرغم من كل ذلك تمنيت على المستوي الشخصي أن ألتحق بجامعة المنيا لتأسيس نموذج لمويك في الجامعة، كما أنني سعدت كثيرًا عندما رأيت مويك تدخل الصعيد من خلال جامعة أسيوط، وأعتقد أن رجوع الحركة الطلابية كما كانت في سابق عهدها، سيكون من خلال الأنشطة الطلابية التي مثل مويك، وغيرها، فاللهم ارض عن مويك وأهلها، وانفع بهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد