جلجامش وسیامند وخجی.. ملاحم الخلود الكردي

إن الملاحم من إبداعات الشعوب، ولو لم تقدم حضارة بلاد العراق للإنسانية سوى هذه الملحمة لكفت، إنها ملحمة جلجامش، إحدى أروع ذخائر تراث بلاد الرافدين، وأكثرها تفردًا؛ فقد مزجت هذه الملحمة الحقيقة المشربة بالحكمة بالأسطورة المزخرفة بالرمزية، وجمعت الخيال الأدبي المفعم بالحيوية بالواقع ذي الدلالات العميقة في نسيج واحد، وتحكي هذه الملحمة، والمكتوبة بخط مسماري على 11 لوحًا طينيًّا عن أحد الملوك، ويدعى جلجامش، وهو ملك أوروك، وكان ثلثي إله؛ إذ كانت والدته إلهة، أما أبوه فكان بشرًا، مما جعله عرضة للفناء شأنه شأن سائر البشر، تتضمن اللوحة الأولى كون جلجامش ملكًا ظالمًا مستبدًا، لا يترك امرأة تزف إلى زوجها حتى يدخل عليها أولاً، كما كلف رعيته بتحصين مدينتهم أوروك بأسوار من الآجر المحروق، ولما ضج الشعب من ظلم جلجامش وجبروته ابتهلوا إلى الآلهة أن تكف أذاه عنهم فخلصتهم الآلهة عبر خلق ند له في البرية، إنه أنكيدو، وهو من البشر الخالص قوي البنية، ويغطي جسده الشعر الكثيف، مستوطن الغابات، كثير الصراع مع الوحوش، ومخلص للحيوانات من شباك الصيادين، مما حدا بالصيادين إلى أن شكوه إلى جلجامش؛ فلجأ جلجامش إلى الحيلة لاستدراج أنكيدو والتخلص منه عبر إغوائه بحب شمخات، إحدى خادمات المعبد، وهو ما يتناوله اللوح الثاني، إذ استطاعت شمخات ترويض أنكيدو، و نقله من طور المارد المتوحش إلى طور الإنسان المتحضر المالك لبواطن الحكمة؛ فعلمته كيف يأكل، وكيف يشرب ويلبس، حتى أصبح كالبشر العاديين، ثم راحت تقص عليه مفاسد جلجامش، وكيف أنه يدخل بأي فتاة قبل زوجها؛ فعزم أنكيدو على التصدي لظلم جلجامش.

فحدثت مواجهة عنيفة بينهما، وكلاهما كان من القوة بما يكفي للقضاء على الآخر، لكن الصراع انتهى بانتصار جلجامش، واعتراف أنكيدو بهذا الانتصار، ثم توطدت الصداقة بينهما، إلى هنا يتضح ملمح مهم، هو أن المعارضة تتولد من رحم الاستبداد، وأنه حتى وإن علت يد الاستبداد وانتصرت يبقى لا مناص للاستبداد من إعادة حساباته، والمصالحة مع المعارضة مهما طال الزمن.

في اللوح الثالث قرر الصديقان أن يعملا لصالح شعب أوروك؛ فقررا أن يقطعا أشجار الأرز الموجودة في الغابة، فصنعا الفؤوس والسيوف العظيمة، ولكن هذه المهمة لم تكن بالسهلة في ظل وجود حارس ضخم مثل خومبابا؛ فبمجرد شروعهما في تنفيذ خطتهما وتقليم الأشجار تصدى لهما حارس الغابة غاضبًا؛ فتعاون أنكيدو وجلجامش على قتله، بالرغم من توسلاته، لم يمر مقتل خومبابا مرور الكرام؛ إذ أثار مقتله حفيظة إلهة الماء أنليل، وكانت الغابة في حوزتها، وهو ما يتضمنه اللوح الرابع والخامس.

في اللوح السادس وقد عاد جلجامش إلى عرشه منتصرًا فأعجبت الإلهة «عشتار» بجماله، وطلبت الزواج منه، لكنه رفض بشكل قطعي، مذكرًا إياها بماضيها مع أزواجها السابقين وما آلت إليه مصائرهم، غضبت عشتار من هذا الرفض، وعزمت على قتل جلجامش، وفي سبيل ذلك استعطفت أبيها «أنو» وأمها «أنتم»، وبكت لهما؛ فقدم لها أبوها الثور السماوي القادر على قتل جلجامش، وبنزول الثور السماوي أثار الهلع الشديد في أوساط المدينة؛ فتجهز له جلجامش وأنكيدو وذبحاه فاستشاطت الآلهة غضبًا.

في اللوحة السابعة يرى أنكيدو رؤيا يقصها على جلجامش مجملها أن الآلهة اجتمعت للثأر لقتل خمبايا والثور السماوي، وقررت معاقبة أحدهما، ولأن الروح الإلهية كانت تسري في جسد جلجامش؛ فقد وقع الاختيار على أنكيدو، فصدر القرار بموته عقابًا على ما حدث؛ فمرض أنكيدو حتى مات، وقد كانت أمنيته أن يموت في ساحات القتال حتى يخلد اسمه مع الأبطال، وهي الأمنية التي لم يدركها.

اللوح الثامن: يتضمن حزن جلجامش الشديد على رفيق دربه أنكيدو، وقد جلس إلى جوار جثمانه المسجى يناجيه قبل أن يواري جسده الثرى.

اللوح التاسع: يبدأ جلجامش رحلة جديدة، ولكن هذه المرة بحثًا عن الخلود؛ فقد كان شبح الموت يخيم على مخيلته، فانطلق هائمًا على وجهه قاطعًا الجبال والفيافي متوجسًا من الموت، وباحثًا عن الخلود، وفي سبيل الحصول على هذا الخلود كان عليه أن يجد «أوتنابشتم»؛ لأنه الوحيد العالم بهذا السر، وفي الطريق يجد الإلهة سيدروي، والتي راحت تجاهد رغبته في الخلود دون جدوى، ولكن مع إصراره أرسلته إلى الطواف «أورشني» ليساعده على عبور بحر الأموات ليصل إلى الشخص المطلوب، وفي النهاية يعثر جلجامش على أوتنابشتم وزوجته، وهما الناجيان الوحيدان من الطوفان، ولذلك منحتهما الآلهة الخلود؛ إذ غضبت الآلهة على البشر فقررت إغراقهم، ولكن أحد الآلهة أوعز إلى أوتنابشتم صناعة سفينة كبيرة يجمع فيها عدد من البشر والحيوانات للنجاة من الطوفان، وتعد هذه أقدم إشارة إلى طوفان نوح الوارد في الكتب السماوية.

مع توسلات جلجامش قررت زوجة أوتنابشتم أن تساعده في النهاية، وأرشدته إلى نبتة الخلود، والتي تنبت في المياه وتمنحه الشباب الدائم وتجرح البشر مثل الشوك؛ فيشعر جلجامش بالسعادة الغامرة لامتلاكه العشب أخيرًا، عازمًا على أخذه معه وتجربته على المسنين بأوروك أولاً، ثم زراعتها لينال خيرها جميع أهل مدينته، ولكنه في طريق العودة وبينما هو يستحم في بركة المياه من عناء الرحلة استطاعت حية سرقة النبتة نازعة جلدها القديم ومتحلية بنشاط وشباب متجدد «وهي الشعار الذي يشير إلى مهنة الصيدلة»، هنا يدرك جلجامش أن لا حظ له في هذا الخلود؛ فقرر أن يخلد اسمه بطريقة أخرى، وهي أن يعود إلى بلاده مرسيًا قواعد العدل، وناشرًا للعلم والمعرفة؛ فهما السبيل نحو الحياة المتجددة والبقاء الأبدي، وهنا رمزية رائعة؛ فمن يستثمر في موارد بلاده البشرية وينميها هو الحاكم القادر على الخلود؛ لأنه الأثر الباقي على مر التاريخ.

جلجامش أنا «2»

بقوتي وجبروتي وانتصاراتي ملأت التاریخ مجدًا

بملاحم بطولاتي،

لكن حزني لفقدان أنكیدو صدیقي

جعلني أسلك درب البحث

لما كان ینویه بداخله

عن نبتة الأبدية

عن نبتة تعوض أهلي وناسي

تعوض العالم أجمع

عن ظلمي واستبدادي

بحثت وبحثت

وقد طال بحثي

عن نبتة الحیاة الأبدية

وفي طریق بحثي

وإذا بي وجدت نفسي أبحث،

لكني أرفض الموت

أبحث عن حیاة، عكس هذه الحیاة

مرساي في سعادة غیري

ومرفئي في الخلود الأبدي.

تربط الأبحاث المعاصرة بين ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الأدب الشفاهي الكردي، من حيث الأطر العامة، وأن أنكيدو من الكرد الفيلين، إذ تورده الملحمة بأنه الرجل القوي الآتي من الجبل، ولما كانت جبال بيشتكوه «بلاد إيلام» هي الأقرب لأوروك، وهي موطن الكرد الفيليين، كما أن الفأس التي استخدمها أنكيدو، وهي القوة التي عرف بها سكان إيلام، فالأرجح أن أنكيدو من هذا الموطن، كما يستدلون بأن كلمة جلجامش، وتعني الثور الكبير أو المقدس، هي كلمة ما زال الكرد يستخدمونها إلى اليوم، كما أن رمزية الثور تحتل مكانة مهمة في المثولوجيا الكردية، وكانت عبادته منتشرة لديهم في الأزمنة القديمة، مما يؤيد الصلة الوثيقة بين جلجامش والحضارة الكردية، ويرجح أن تكون هذه الملحمة أقدم نص أدبي كردي مكتوب، بالإضافة إلى كونه من أقدم النصوص الأدبية الفنية عبر التاريخ.

عند المقارنە بین الملحمتین؛ ملحمة جلجامش وملحمة سيامند وخجي في الأدب الكردي نرى:

كلا الملحمتين جاءتا على شكل قصيدة ملحمية، ولكن كتبت جلجامش على ألواح طينية، بينما وصلتنا ملحمة سيامند بشكل قصيدة ملحمية وصلتنا شفاهة من أجداد الكرد، وهذا من دواعي تصوّرنا أنها من بقايا ملحمة جلجامش.

التغنّي بظلم البطل ورحمته معًا؛ ففي مطلع ملحمة جلجامش يتغنّى بقوته وظلمه وخلود اسمه بسبب الأعمال الجيدة التي فعلها، والحكمة التي فتّش عنها فتقول «هو الذي عرف كلّ شيء فغنّي باسمه يا بلادي».

كذلك في ملحمة سيامند يتغنّى بأعمال الصعلكة التي فعلها سيامند وصديقه أو أخوه قره كيتران. كذلك يلاحظ هذا التغنّي بظلم البطل ورحمته في معظم الملاحم الشفوية الكردية.

في ملحمة جلجامش يشترك اثنان من الذكور في البطولة «جلجامش وأنكيدو»، كذلك في ملحمة سيامند يشترك بطلان من الذكور في البطولة «سيامند وقره كيتران».

في ملحمة جلجامش يموت أنكيدو قبل جلجامش ويترك الدور البطولي لجلجامش حتى نهاية الأسطورة، في ملحمة سيامند يموت قره كيتران قبل سيامند، ويبقى الدور البطولي لسيامند حتى نهاية الملحمة.

للرؤى دور تنبؤي في ملحمة جلجامش، فهو يرى في حلمه ما تأويله أنّه سيلتقي بصديق، وكذلك في ملحمة سيامند يرى سيامند في حلمه «الخضر» الذي يلقّنه دعاء طلسميًّا لمجابهة خصومه دون أن يخسر المخاصمة، ويعده أنّه لن يقتل على يد بشر.

في ملحمة جلجامش يتصارع كل من أنكيدو وجلجامش في البداية، ويغلب جلجامش أنكيدو، وكذلك يتصارع كلّ من سيامند وقره كيتران وتكون الغلبة لسيامند، وهكذا يمكن إيجاد العديد من القواسم البنيوية المشتركة بين الملحمتين، ولكن في ملحمة سيامند تظهر الكثير من التحوّلات، وربما جرى نسيان الكثير من التفاصيل وعوّضت بالتغييرات الملائمة للتطور الديني والاجتماعي منذ آلاف السنين، وإلى وقت صناعة آخر نسخ الملحمة السومرية المتمثّلة بسيامند وخجي، فيمكن النظر إلى التعويض عن رحلة الخلود لجلجامش برحلة هروب سيامند مع حبيبته خجي، إذ تبدو الحكمة التي اكتشفها جلجامش عبر القيام بالأعمال الجيّدة معوضًا عنها بالهروب مع الحبيبة، وربما كان ذلك علاجًا لمشكلة اجتماعية جديدة، وهي أنّ الإقطاعيين كانوا يأخذون من يريدونها زوجة لهم، بحكم نفوذهم، فكان سيامند هو الشخصية البطلة الأسطورية التي جابهت ذلك الواقع، ولا يخفى على الباحث التأثيرات الاجتماعية الرومانية، والتي ربما أخذت الملحمة الأصل إلى منحى آخر متأثر بالعصور الهلنستية والتأثيرات الأوروبية، عندما كانت تحكم الشرق منافسة ومناصفة مع الإمبراطوريات الإيرانية قبل مجيء العرب المسلمين إلى المنطقة بعد «الفتوحات الإسلامية»، ولهذا نرى خجي تنتحر بعد مصرع حبيبها، مما يذكرنا بروميو وجولييت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جلجامش, حضارة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد