نماذج الانتقال الديمقراطي

النموذج الأول: نموذج التنازل «إسبانيا»

يعد عامل العدوى من أهم الأسباب التي كانت وراء انتقال إسبانيا من الحكم السلطوي إلى الحكم الديمقراطي؛ فالمحيط الإقليمي، متمثلًا في السوق الأوربي المشترك، كان يضغط باتجاه حتمية التغيير، كما لا ننسى كذلك الدور الذي لعبته المعارضة متمثلة في الحزب الشيوعي، والتأييد الشعبي له، وكذا صعود وجوه إصلاحية لهرم السلطة؛ مما أدى إلى تنازل أعلى سلطة في البلاد – الملك «خوان كارلوس» – عن مجموعة من السلطات والصلاحيات التي كانت تحت إمرة الرجل الواحد – «فرانكو» – إلى السلطات الإقليمية، وكذا الموافقة على الدستور الجديد سنة 1978.

هذا التنازل من طرف أعلى سلطة في البلاد؛ أدى إلى إضعاف دور المعارضة التي آثرت الانتقال السلس والمتدرج مخافة اجترار عواقب الثورة المضادة، مستفيدة مما وقع في فرنسا، فأصبح كل تغيير في البلاد هو منة من المؤسسة الملكية، لدرجة أن أهم ركائز الانتقال الديمقراطي لم يتم التطرق إليه وهو المحاسبة، فلم تتم محاسبة المتورطين في ملفات الفساد والقمع والاستبداد؛ لأن المتورط فيها كان هو المبادر إلى التغيير، وهذا ما تسبب لإسبانيا في مشاكل لازالت إلى الآن لم تحل، ومن أعظمها مشكل مطالبة إقليم الباسك بالاستقلال.

عكس إسبانيا، تعد التجربة الأرجنتينية رائدة  من حيث القطع النهائي مع الحكم التسلطي وإرساء التجربة الديمقراطية، وذلك بتطبيق العدالة الانتقالية، بالرغم من تأخرها بحوالي 16 سنة، ابتدأت سنة 1989 بعفو الرئيس «ماركوس منعم» عن القادة العسكرين الضالعين والمشاركين في الحكم سنوات الرصاص، وانتهت سنة 2005 بإعلان المجلس الأعلى للقضاء بعدم دستورية العفو، ليتم بعدها مباشرة محاكمة جميع الجنرالات والضباط المتورطين في عهد الرئيس «ألفونسين».

النموذج الثاني: نموذج التكافؤ «جنوب إفريقيا»

عاشت جنوب إفريقيا تحت وطأة الحكم العنصري، فحكمت الأقلية البيضاء – خليط من الهولنديين والألمان والبريطانيين – التي سمت نفسها AFRICAN الأكثرية السوداء، فمنعتها من حقها في الانتخاب، ولم تسمح لها بالعمل، إلا في الأعمال الشاقة، ومارست عليها العزل العنصري، فعزلوهم في مناطق خاصة بالسود.

ولدت كل هذه الظروف مناخًا ذاتيًا لدى الأكثرية السوداء من أجل المطالبة بحقوقها، فتأسس «حزب المؤتمر الوطني الإفريقي» سنة 1912؛ لتبدأ مسيرة الكفاح المتمثل في المظاهرات والوقفات والإضرابات العامة، لتصل إلى مرحلة الكفاح المسلح سنة 1960 بقيادة «نيلسون مانديلا» الذي أسس جناحًا عسكريًا – رأس الحربة – كرد فعل على حظر الحزب وجميع التشكيلات السياسية المساندة له.

سجن مانديلا، وحكم عليه سنة 1964 بالمؤبد بتهمة العمل المسلح؛ لتصبح سنوات سجنه حافزًا هامًا في تنامي الحراك الشعبي والمقاومة المسلحة؛ ليصل بعد ذلك  سجانوه إلى خلاصة مفادها أن الطوفان يوشك على الوصل، فلهذا وجب الرضوخ والقبول بمبدأ ألا غالب ولا مغلوب – المعارضة لم تستطع الإجهاز على النظام العنصري، والنظام لم يستطع إيقاف زحف المعارضة؛ فتم إطلاق سراح مانديلا، ورفع الحظر عن حزبه؛ ليصبح سنة 1994 أول رئيس ديمقراطي في أول انتخابات ديمقراطية لا تستثني أي أحد من أبناء البلد الواحد، أسودهم وأبيضهم.

النموذج الثالث: نموذج الانتزاع «البرتغال»

شهدت البرتغال ثورة سنة 1974 بعد حكم ديكتاتوري بزعامة «سالازار»، ثم من بعده «مارسيلو كايتانو» الذي دشن فترة حكمه بتزوير الانتخابات سنة 1973 بشكل مفضوح، وكذلك استعانته بالشرطة السياسية PIDE لمطاردة المعارضين السياسيين والنقابيين، بالإضافة إلى إرغام الشباب على الخدمة العسكرية في المستعمرات الإفريقية «الموزنبيق، أنغولا، وغينيا بيساو»، مما أجج مزيدًا من الحقد الدفين لدى فئات عريضة من الشعب، وكذا البعض من ضباط الجيش المشبعين بالفكر اليساري الذين تحركوا بتاريخ 25 أبريل 1974 بغيت الإطاحة بالنظام الديكتاتوري دون سابق إنذار.

استيقظ الشعب في اليوم التالي على وقع الدبابات والبنادق تملأ الشوارع؛ فبدأت الجموع تبتهج، وتضع زهور القرنفل في فوهات البنادق فرحًا بزوال الديكتاتور، لهذا سميت الثورة البرتغالية بثورة القرنفل.

أتبع إسقاط الديكتاتور مخاضًا عسيرًا لثورة القرنفل، دام لمدة سنتين، تمثل في المحاولات العديدة من طرف الدغمة الفاسدة – التي كانت مستفيدة من الامتيازات الممنوحة لكل متملق ومتزلف للسلطان – الالتفاف على الحكم، لكن يقظة الشعب البرتغالي وإيمانه القوي بمبدأ ما لا ينتزع بالنضال، ينتزع بمزيد من النضال، جعله في حراك يومي تجسد في خروجه الدائم إلى الشارع، إلى أن انتهت ثورة القرنفل بالمصادقة على أول دستور ديمقراطي سنة 1976 .

النموذج الرابع: نموذج التدخل

يعتبر من أخطر النماذج على الإطلاق؛ نظرًا لارتماء أحد الطرفين – معارضة أو نظام أو هما معا – في بوتقة الاعتماد على القوى الخارجية من أجل إصلاح أوضاع البلاد أو من أجل التقوي على الطرف الأخر، مما يعود بالسلب على الكل ويجعل البلد رهينة للمتدخل وهذا النموذج ينقسم إلى قسمين:

  • التدخل التهجيني

هذا النوع يجعل من البلد المتدخل (بفتح الخاء) فيه يسير برجل واحدة – الجبهة الداخلية (الحريات العامة والفردية، تداول السلطة، العيش الكريم، والعدالة الاجتماعية …) – أما الرجل الأخرى – الجبهة الخارجية ( السياسات الخارجية وتوابعها من مواقف وتوجهات وتدخلات و…)– فحركتها تكون متماهية مع إرادة المتدخل (بكسر الخاء).

أسوق هنا للتوضيح تجربة اليابان التي هجن انتقالها الديمقراطي بسبب احتلال الولايات المتحدة الأمريكية العسكري، الذي بدأ بقصف هيروشيما وناكازاكي– حوالي 220000 قتيل فقط أثناء الانفجار –  سنة 1945 وانتهى سنة 1952 بالانسحاب الجزئي مع الإبقاء على جزيرة «ريوكو» إلى سنة 1972، مع العلم أنه للآن لازال هناك جنود أمريكيون في جزيرة «أوكيناوا» التي خرج أهاليها في مظاهرات مؤخرًا احتجاجًا على تنامي موجة العنف من طرف قوات القاعدة الجوية الأمريكية.

كل هذا جعل الانتقال الديمقراطي يسير برجل واحدة في اليابان، ويضعه كذلك أمام تساؤلات عديدة، من أبرزها: ما موقف اليابان من كل هذه التدخلات؟ و إلى أية درجة وصل التماهي لكي يبكم الأفواه حتى عن طلب الاعتذار في أدنى مستوى؟ أما الحديث عن المطالبة برؤوس المتورطين ودفع التعويضات وجبر الضرر عما حدث في «هيروشيما و ناكازاكي» فأظنه من سابع المستحيلات.

  • التدخل التدميري

أمثلته كثيرة ومتعددة وويلاته معاشة إلى حدود الساعة «أفغانستان، العراق، سوريا، مالي…» نذكر هنا مثال أفغانستان على سبيل التوضيح لا الحصر.

عاشت أفغانستان معاناة كبيرة مع الحروب الأهلية والغزو الخارجي، أوله كان الغزو السوفياتي وآخره الغزو الأمريكي سنة 2001، الذي ترك أثناء خروجه أفقر وأتعس ولاية من ولايات الدولة الأمريكية، وأقصد ما أقول، فكل حركة وسكنة، إلا  للأمريكيين فيها الأمر والنهي، وما يهمهم فيها هو الاستغلال الممنهج للثروات، والسيطرة على طريق السلاح وتجريب آخر ما صنع في مختبرات السلاح، وآخر ما وصل إليه علم التعذيب والاستنطاق، وكذا فرض الأجندة السياسية للبيت الأبيض في المنطقة.

الدروس المستفادة

1 – ضرورة خلق كتلة تجمع كل من له غيرة على البلد، وثبت أن يده لم تتلطخ في بركة الاستبداد والفساد، ويريد أن يعيش أبنائه في حرية وكرامة وعدالة اجتماعية.

ولتتشكل هذه الكتلة وجب أولًا نسيان جميع الخلافات الأيدولوجية والعقدية والفكرية أو تأجيلها على الأقل إلى أن تتوفر الشروط الملائمة والمناخ السليم للتداول فيها – حرية الرأي، استقلالية القضاء، توزيع السلط، تمكن جميع أطياف الشعب من الاستفادة من الإعلام العمومي – أما الآن فيجب فقط التفكير في المشترك (تقويض الفساد والعمل على بناء دعائم الدولة الديمقراطية) وأي نقاش آخر سيكون مجرد مضيعة للوقت ومجرد هدية للنظام الاستبدادي الذي أصبح يتقن فن الإيقاع بين الفرقاء السياسيين من أجل الزيغ بالأبصار عن مصائبه وزلاته التي لا تعد ولا تحصى.

2 – يكون تقويض الفساد أولًا بدعم جميع التحركات المطلبية لنصل إلى درجة يصل فيها الوعي الجمعي للشعب إلى أن الحق ينتزع ولا يعطى.

3- يجب على الكتلة أن تخرج مع الشعب، لا قبله؛ لأن أي خروج قبل وصول الشعب الى درجة تحمل المسؤولية في المطالبة بحقه يكون مجرد انتحار.

4 – السقف المطلبي للكتلة يجب أن يكون أعلى ليحتوي أي سقف دونه، وحتي لا يخيب ظن الشعب فيها.

5 – المراهنة على الإصلاح من الداخل مجرد وهم في بعض الأحيان، أما في أحيان أخرى فمجرد إيهام؛ لأنه ثبت بالملموس أن جميع تجارب الإصلاح من الداخل قد فشلت، وفي أحسن حالاتها قد أفشلت.

6 – الآن لا داعي لإضاعة الوقت في المسميات، فالرئاسية توجد في مصر، وفي فرنسا، أما الملكية فتوجد في المغرب كما توجد في بريطانيا العظمى، لكن شتان ما بين الثرى والثريا.

7 -الانتقال الديمقراطي ليس مجرد تلك اللحظة التي يتم الانقضاض فيها على الحكم و تغيير الدستور، ثم إجراء انتخابات نزيهة وحرة،  بل هي سيرورة تمتد من وعي فردي  بضرورة التغيير إلى أن تصل لدرجة الوعي الجماعي الذي لا يمكن إيقاف زحفه إلى أن يصل لمبتغاه.

8 – نضج القوى السياسية إلى درجة القطع الكلي مع أي تدخل خارجي، حتي ولو كان لمجرد إبداء الرأي؛ لأن جميع تجارب الانتقال الديمقراطي أثبتت أن أي تدخل من القوى الخارجية يكون ضره أكثر من نفعه.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد