الأوضاع العالمية والمؤامرة الكونية ليستْ شماعةً تستطيع أن تعلقَ عليها أخطاءك وإخفاقك وعجزك، فدائمًا – ومنذ أن عمل الناس بالسياسة – توجد ثغرات تستطيع من خلالها تنفيذ مشروعك الوطني -إن كان ثمة مشروع- ولكنك تحتاج إلى العزيمة القوية، والمرونة السياسية، والرؤية الثاقبة. وهذه الطريقة لها سوابق تاريخية في التاريخ والوسيط والحديث والمعاصر، منها:

1- عماد الدين زنكي

استغلَّ الخلاف المذهبي بين الأرثوذكس والكاثوليك للتفريق بينهما، فأرسل إلى إمبراطور بيزنطة يُخَوِّفُوه من نكصان الفرنجة للعهود وأنهم يتربَّصُون به وبدولته. ثم أرسل إلى الصليبيين الفرنجة يُخَوِّفُهم من إمبراطور بيزنطة، ويقول لهم: «إنْ مَلَكَ إمبراطور بيزنطة حصنًا واحدًا بالشام ملكَ بلادَكم جميعًا».

ونجحت خطَّةُ عماد الدين زنكي؛ ووقع الخلافُ بين الطرفين، وانسحب الإمبراطور من الشام، وترك المجانيق وأسلحة كثيرة بحالتها؛ حيث غنمَها جيشُ الأتابك زنكي، كما أجرى مفاوضات مع الأميرة الصليبية «أليس» أميرة أنطاكية ضمن لها حكم الولاية تحت حمايته وبهذا فرّق بينها وبين أبيها «بلدوين الثاني» ملك القدس، ويقول وليم الصوري: إنها أرسلت حصانًا أبيض مُحلَّى بالفضةِ والحرير الأبيض ولكن الرسالة لم تصل إلى زنكي لأن الرسولَ قد اعتُقل وقُدِّم إلى «بلدوين الثاني» فشنقه.

2- جوزيف ماتزيني

كانت إيطاليا مقسمة إلى عدة ممالك وإمارات صغيرة وضعيفة، تخضع كلُّ منها إلى نفوذ إحدى الدول الأوروبية، واستطاعت مملكة «بيد مونت» الإيطالية أن تستفيد من الصراع السياسي بين الدول الأوروبية، وسعي كلٍ منها إلى منع الأخرى من توسيع نطاق نفوذها. كالصراع بين بريطانيا وفرنسا عام 1860م، والصراع بين النمسا وبروسيا وفرنسا عام 1870م.

وبرزت شخصية جوزيف ماتزيني Mazzini (1805-1782) الذي كرس حياته لتحقيق الوحدة الإيطالية، وتعرض في سبيل ذلك إلي السجن والنفي وصدر عليه حكم غيابي بالإعدام، وأسس ماتزيني 1831م وهو في المنفى في مارسيليا جمعية إيطاليا الفتاة، وأشعل في قلوب مواطنيه الرغبة في الوحدة الوطنية وزودهم بقوة الأمل بأن إيطاليا ملكة العالم، و أرض دانتي، مركز الباباوية، مهد النهضة، ومبعث النور والحرية لن تموت، بل ستبعث و تعيد سيرتها الأولى. وذلك لن يحدث إلى إذا قدم الإيطاليون أرواحهم فداء لوحدة بلادهم واستقلال وطنهم.

3– الدولة العثمانية

المثال الآخر في التاريخ الحديث هو الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876م – 1909م) فقد استغل السلطان عبد الحميد الثاني الصراع بين الدول الأوربية وخاصة بين روسيا وبريطانيا، وبين روسيا وألمانيا، يقول «هيلموت شيل»: لقد استطاعت الدولة العثمانية رغم ضعفها العسكري والاقتصادي وظروفها الداخلية المضطربة بشكل متزايد أن تستغل التنافس بين القوى الكبرى لتحقيق مصالحها، وبفضل هذه السياسة التي اتبعتها بمهارة وإصرار استطاعت أن تحقق نوعًا من التوازن الذي استطاع – برغم العديد من النكسات والخسائر الإقليمية – أن يحافظ على الإمبراطورية لفترة طويلة».

يُضاف إلى هذه التجارب بعضُ التجارب المعاصرة كظهور المشروع الإيراني، وثبات مشروع كوريا الشمالية، ونجاح المشروع التركي، وصمود حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وكلها تجارب توفرت فيها العزيمة القوية، والمرونة السياسية، والرؤية الثاقبة. وأثبتت أن تنافس القوى الكبرى يزيد من قدرة المساومة لدى القوى الصغرى، ويوسع هامش الحركة لديها، ولكن يحدث هذا فقط حين يكون لديك مشروعًا، أما المفلسون والعاجزون فلهم على جوانب الطريق متسع ومتكأ، حيث يحلو الحديث عن المؤامرة الدولية، وتسلط القوى الغربية، وجهل الشعوب، وعدم قدرتها على تحمل النفقات والتبعات، ولو نظر هؤلاء بين أيديهم، لأدركوا ما معهم من أوراق المساومة، ومواطن القوة، التي يستطيعون من خلالها لا أقول النصر، ولكن السير على طريق النصر والتمكين. وكُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد