حديث الخلافة مجملًا (فيما روي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم)، قد حصر الرسالة في خمسة عهود:

أولها: عهد النبوة المكتمل المنهاج وحيًا وتطبيقًا ومعجزات، ثم خلافة راشدة على منهاج النبوة مع اكتمال المنهج تطبيقًا غير منقوص، وثالثها ملك عضوض أي فيه المنهج مع الخطأ في تطبيقه وقسوته وغلظته، ثم مُلك جبري وهو الملك الذي أضاع الدين والدنيا معًا، ثم خلافة راشدة على منهاج النبوة مع اكتمال المنهج تطبيقًا غير منقوص، أي سيعود الإسلام كما بدأ، ثم يحكم إلى قيام الساعة؛ إذ سكت النبي (صلي الله عليه وسلم) ولم يخبرنا بشيء بعده قادم.

ومن هنا كانت رؤية الإمام الشهيد حسن البنا، وضعها يوم أسس جماعة الإخوان المسلمين؛ فرؤية الجماعة واضحة منذ زمن بعيد.

أما الخلاف الدائر اليوم هو خلاف حول الوسائل والأهداف القريبة منها والبعيدة، والخلافة ليس لها شكل محدد أونظام كهنوتي يجب الالتزام به.

مصطلح طالما ظلمه الكثير إما قاصدًا تشويه المقاصد والأبعاد التي يحويها ذلك المصطلح

أو الجهل بطبيعة هذا الدين أنه دين متجدد يسري في روح الشعوب، فيبعث بها إلى قيادة العالم كله، وبدون مقاصد تلك الخلافة لن يكون للمسلمين ذكر في العالمين.

كثير من أنصاف المتعلمين لا يذكرون من التاريخ الإسلامي كله غير الخلاف بين علي ومعاوية، ويتجاهلون حضارة الدولة الإسلامية التي نشرت العلوم في شتى المجالات، وأضاءت أوروبا المظلمة، كل النظريات التي تأسست عليها نهضة العالم أرسى قواعدها علماء المسلمين.

واليوم نحن نعيش فترة الملك الجبري الذي أضاع الدين ولم يقم الدنيا، حكم جبري علي القهر والظلم والقتال و الحروب، دول تقهر دولًا أخرى لتنهب ثرواتها وتعيش على خيراتها.

وشعوب يتحكم في مصيرها أراذل القوم وأجهلهم، لقهرهم جبرًا وقسرا وإذلالًا.

منظومة متكاملة من الفساد تعيش أجساد على أنقاض أجساد أخرى، ومن كثرة الذل وألوانه وهوانه اعتاد الناس عليه ورضوا به بديلًا عن حرياتهم من باب (اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش).

المشروع الإسلامي لاستعادة الدين وإعمار الحياة قامت من أجله جماعة الإخوان المسلمين ونهاية جماعة الاخوان المسلمين عند بداية تحقق هذا الوعد يقينًا، وما تم إنجازه على مدار تسعين عاما من العطاء بلا حدود، يبشر باقتراب بداية هذا الوعد لامحالة.

من يدرس تاريخ جماعة الإخوان المسلمين صعودًا وهبوطًا؛ نجاحات وإخفاقات لا ينبغي أن يكون ضيق الأفق، ينظر من سم الخياط مقتنعًا أنه ينظر إلى كل زوايا الإنجاز الهائل في كل أقطار العالم.

اليوم نحن نعيش فترة تاريخية مهمة وحاسمة في حياة الشعوب قاطبة، التغيير القادم سيكون تغييرًا جذريًّا يقلب كل المعادلات والتوازنات.

على أثر ذلك التغيير سيختفي كل هذا الظلم البشع الذي تشبعت به الأرض في كل مكان.

الصراع اليوم يراه العدو من هذا المنظور الواسع ويلمح نهايته القريبة، لكنه يعمل على تأخيرها بكل ما يستطيع، القادم سيكون خلافة راشدة على منهاج النبوة مع اكتمال المنهج تطبيقًا غير منقوص، لذلك فالحرب ليست حربًا على الإخوان المسلمين بقدر ما هي حرب على الإسلام والحيلولة دون عودته للحكم.

هو ارتداد بالزمن إلى سيرته الاولى مع اكتسائه بزمنه الذي هو فيه، لأنه هو الدين الحق، في كل مرحلة من مراحل تاريخنا الخمسة أحداث تربط الماضي بالحاضر بالمستقبل، ثم يدور الزمن دورته ليعود سيرته الأولى.

ليس في تلك الدورة من خسارة رغم ما فيها من تضحيات وبطولات وشهداء ودماء، هناك ابتلاءات وهناك انتصارات وهناك فتوحات وهناك أيضا إخفاقات، هناك من قضى نحبه، ومن بعدهم كان هناك من ينتظر وما بدلوا تبديلًا.

هناك ثقة ويقين وصبر وهناك أيضًا كان اعتراض وألم وتمرد وعدم سمع ولا طاعة.

وهناك أيضًا (حتي إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا)، وهناك أيضًا من كان يصرخ (متي نصر الله؟)، كل ذلك يدور بالمفاهيم نفسها والقيم نفسها لأنه يُسقى بماء واحد، ومن معين واحد.

وهناك من كان يهتف فزت ورب الكعبة، وهناك من كان يقول لا كرب على أبيكِ بعد اليوم.

إذا كانت لدينا تلك الرؤية مكتملة سنخفض أصواتنا وتعلو حركتنا نصرةً لدين الله، فمن تمام دين الله هو إقامة الدنيا بالدين.

ومن اتهمكم أنكم طلاب حكم وسلطة فأخبروه نعم نحن طلاب حكم وسلطة.

أتراك أيها السفيه نترك دنيانا لمن يعبث بديننا فلا يقيم فينا دينًا ولا دنيا؟، نحن أحق بالملك منهم جميعًا، إنهم سفهاء ومصاصو دماء. ونحن بالحكم سنرعى الدين ونقيم الدنيا.

وتاريخنا شاهد على ذلك، إنه تاريخ الأمة الإسلامية، لذا من يحاول إخراج هذا الصراع من مضمونه فهو واهم، فمن يستدعي اليهود اليوم إلى الإقامة في مصر بإحياء معابد لهم يدرك طبيعة الصراع ويفهمه جيدًا.

أما كثير منا فقد انحشرت اهتماماته ومشكلاته مع نفر من الناس ويفتعلها حربًا لا طائل من ورائها، أصحاب الغايات الكبرى لا يعيشون في الزاوية ولا يصرخون من شدة الألم

إنهم يُحاصرون، وقلوبهم معلقة برؤيتهم حتى يبلغوها، وفود الشهداء ستلتقي جميعها عند الله، ومن ينتظر ينتظر تحقيق موعود الله، فكن أنت من هؤلاء، إن كنت على قيد الحياة، تلك هي الرؤية الجامعة ببساطتها وسهولتها ويسرها.  والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد