مع اقتراب الخامس والعشرين من يناير هناك هدوء غير مسبوق هذا العام بعد سبع سنوات مضت، لا توجد على الساحة المصرية دعوات للنزول إلى الشارع، وربما يكون هذا أول عام يشهد هدوءا كبيرا على خلاف الأعوام السابقة.

فيما مضى كان هناك خلاف واختلاف حول النزول للشارع أو عدم النزول للشارع ومدى جدوى النزول، اختلفت الآراء والأفكار حول هذا الأمر واحتدت النقاشات، ولمع نجوم وركب الموجه من ركب، وهرب من هرب، وكانت مادة حوار وشد وجذب حتى في الفضائيات والإعلام.

ظهرت المبادرات تلو المبادرات وكثرت الدعوات تحت مسمى الوطنية وإنقاذ مصر، ولمعت أسماء تم تدوريها حتى من سلة القمامة ومن بقايا مناصري الانقلاب، واستجرنا بالرمضاء من النار، ذهب عنان وقنصوة، ثم رحل معصوم، حتى شفيق كان طوقًا للنجاة في اعتقاد البعض.

ثم محمد علي، ثم قائمة طويلة من أسماء لا علاقة لها بالشرعية وحقوق الإنسان من قريب أو بعيد، ثم تحالفات ومؤتمرات، تبين في النهاية أنها كانت سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

كانت هناك محاولات لكسر حاجز الخوف، وكانت هناك مبادرات الصفارة والزمارة، والضرب على الصفيح، وكانت هناك مظاهرات فوق السطوح، وكانت هناك شعارات (#اطمن_إنت_مش_لوحدك)

كلها كانت محاولات لها ما لها وعليها ما عليها، لكن في المحصلة النهائية هو جهد كبير مبذول اختلط فيه الحابل بالنابل وتشتت الأفكار وتعقدت الحلول، ورغم هذا الضجيج الذي كانت تفوح في بعضه رائحة خيانة الثورة المصرية ومكتسباتها، ومحاولة شق الصف الثوري في الخارج، إلا أنه تبقى حقيقة واحدة لم تتغير وهي حقيقة زوال الانقلاب حتى تختفي كل الأمراض التي نهشت في جدار المجتمع المصري كله.

اتفق الجميع على ضرورة زوال الانقلاب حتى من كان مناصرًا للانقلاب يوما ما، منهم من هرب ينجو بنفسه، ومنهم من يحاول الهروب أيضًا، هذا الصمت الذي يحدث اليوم هو دليل نضوج الجميع واستيعابه لطبيعة المرحلة وإعادة هيكلة وتأسيس جديد لإرساء وتمكين منظومة القيم والمبادئ والأخلاق التي ستحكم، وخطوات يتم حسابها بدقة متناهية حتى لا تتعاظم الخسائر ويضيع المجهود وراء كل زاعق أو ناعق.

إننا نريد التعامل مع الانقلاب على أرضية من الواقع محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، ونبحث عن الممكن ونفعله حتى لو كان في صمت، ونتخلى عن الصراعات التي تزيد من شرخ النسيج الثوري المصري.

الثورة المصرية ليست هي الخروج إلى الشارع بالدرجة الأولى، إنما البحث عن بناء جديد للتوافق ولم شمل كل نسيج المجتمع المصري هو الأولوية الأولى والمهمة.

البناء القوي لحركة حماس أخذ جهدًا شاقًا ووقتًا طويلًا وصبرًا عظيمًا حتى بلغت حماس في قوتها ما بلغته اليوم، حيث انتقلت قوة حماس من استخدام الحجارة والسكين، إلى الطائرات المسيرة والصواريخ وانتقلت من توازن الرعب إلى توازن الردع، وتوقف العدو المحتل في اعتدائه عند نقطة لا يتجاوزها خوفا من استخدام أكبر للسلاح الذي تطور يوما بعد يوم بجهد وتخطيط وتضحية وصبر.

نحن في حاجة إلى إعادة ترتيب أفكارنا ووسائلنا من جديد، و الاستفادة من سبع سنوات عجاف مضت، تعددت فيها الأخطاء والممارسات من كل الأطياف حتى انهار النسيج الثوري القديم كله، ولم يتبق من ثوار يناير إلا ما ندر، ومع اختفاء قدامى الثوار، علينا إعداد جيل فريد متميز يصنع من المحنة منحة ومن الهزيمة نصرًا.

هناك نضوج كبير ووعي متزايد، لكن مقتضيات السياسة توجب على الجميع انتظار اللحظة المناسبة إقليميا ودوليا ومحليا، وتفجير بركان الغضب القادم، والذي يسكن تحت الرماد منتظرا، ليعود منتصرا. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد