لا يختلف اثنان في كون عالم الاستخبارات هو أكثر العوالم غموضًا، وأكثرها لفتًا للانتباه عند جل سكان العالم، فهو العالم الموازي والمحيط بنا من كل جانب والذي يتحكم بصورة أو بأخرى في كثير من الأمور الروتينية في حياتنا الشخصية وتعاملاتنا الاجتماعية، خاصة وأنه صاحب القرار في عدة قضايا مفصلية تحدد القواعد العامة التي تنتهجها سياسات الدول داخليًا وخارجيًا، وعلى الرغم من أن بعض المؤسسات الاستخبارتية العالمية تفتح أبوابها لعشاق الغموض لتفتح بعض الأسرار وإن كانت قديمة تمجد من خلالها لبطولات أفرادها كما تفعل «الإف بي آي» على سبيل المثال، فإن جل المؤسسات تبقي هذا العالم بعيدًا عن الأنظار لأن قوته تكمن في سريتها بل ويصل البعض منها إلى درجة أن جل العالم لا يعرف الاسم الفعلي لهذه الأجهزة أو على الأقل اختصارات أسمائها.

 

ويعتبر عالم الاستخبارات هو أكثر العوالم استفادة من التقدم التكنولوجي بل يعتبر محتكرًا التكنولوجيا حيث يستغلها قبل وصلها للشعوب والأفراد المدنيين في بعض الأحيان بسنوات، وفي هذا الشأن أشارت بعض التقارير إلى وصول بعض المؤسسات الاستخباراتية «كسي آي إي» و«الموساد» إلى تجنيد حيوانات برية بعد زرع معدات فائقة الدقة والتطور بها بل ووصل الأمر إلى تجسيد بعض الأنواع من الحيوانات بخلق روبوتات تشبه الحيوان بصفة مطلقة ظاهريًا وتجسد حركته لدرجة أنها تسطيع التعايش مع أسراب وعائلات هذه الفصيلة من دون أن يلتفت ذلك السرب، وهذه التقنية تعد عادية نظرًا لكون أحد المؤسسات الإعلامية تنشر حاليًا سلسلة عن حيوانات البرية صورت بهذه الطريقة ويمكن للجميع أن يرى هذه التقنية وإلى أي مدى وصلت.

غير أن كل هذا التطور لم يقف عند هذا الحد فقد استطاعت بعض المؤسسات إلى تجنيدك للتجسس على نفسك وبموافقتك، وعلى الرغم من كون الأمر لا يصدق غير أنه يمكن لأي شخص التأكد منه فعند الدخول لبريدك الإلكتروني على موقع غوغل مثلا ستجد أن كل بياناتك الشخصية هناك صور وفيديوهات وتنقلات وميولات، بل وأشياء قد مر عليها الدهر كنت قد نسيتها غير أن الجوسسة الحديثة احتفظت بها لتستغلها عند الحاجة، كل هذه البيانات أخذت من حاسوبك الموصل بالشبكة العنكوبتية وهاتفك الذكي.

وبعد أن اكتشفت عديد الدول هذه التقنية دخلت مباشرة في حرب من نوع آخر حرب التسلح المعلوماتي، حيث بسطت عدة مؤسسات أمنية واستخباراتية سيطرتها على بعض المواقع والشبكات الإلكترونية بعد أن استنزفت المليارات من خزينتها من أجل بعض المعلومات التي وافقت على تسريبها بنفسك عندما أتتك رسائل تأكيد الحساب الإلكتروني ووافقت على بنود التأكيد.

التسلح المعلوماتي الذي يظل بعيدًا عن دول العالم الثالث والتي لا تعيره أي اهتمام يعتبر أغلى الأسلحة وأفتكها اليوم وسيصبح أفتك في وقت لاحق خاصة بعد أن تبسط بعض المؤسسات سيطرتها المطلقة على كل منافذ تدفق المعلومات، ومع تغلغل التكنولوجيا وتحكمها في حياتنا اليومية يبدو أننا سنصل إلى ما وصلت إليه الصين في فكرة «تجسيد الإله» حيث جعلت شبعها يتم تنقيطه من خلال ما تشير إليه بياناته التي حملت من خلال التقنية سالفة الذكر، ما جعل فئة كبيرة من شعبها تصل إلى مرحلة تحكم التكنولوجيا بحياتهم فأصبحت معلوماتهم وبياناتهم الشخصية سببًا رئيسًا في ترقيات العمل والفيزا وغيره من أمور حياة الإنسان الطبيعية، والتي تحددها تلك النقاط، وعند النظر في كل هذا يتبادر لأذهاننا أسئلة كثيرة أبرزها وإلى أي مدى ستصل التكنولوجيا في التحكم بنا وبحياتنا؟ وهل ظل للخصوصية الشخصية مكان بعد كل هذا؟ بل وهل ظل هنالك فرد لم يجند كجاسوس؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مجدي كامل، أشهر جواسيس التاريخ -خفافيش الظلام التي روعت العالم وجعلته يقف على أطراف أصابعه-، دار الكتاب العربي، مصر، 2014.
عرض التعليقات
تحميل المزيد