يبدو أنَّ الدكتور مصطفى محمود رحمه الله لم يخطئ حين شبَّه إنسان هذا العصر بالقرد (في كتابه عصر القرود)، فقد أصبح إنسان هذا العصر كالحيوان فعلًا في تصرُّفاته، ماديًا لدرجة جعلته يلهث من المهد إلى اللحد وراء الماديات. قد لا يستسيغُ البعض مثل هذا الكلام، وأسمعُهُم يقولون كيف هذا والإنسان في هذا العصر وصَل إلى أعلَى درجات التقدُّم التكنولوجي والحضاري، لدرجة أنَّه يخطط لغزوِ الفضاء!
يبدو في نظري أنَّ هذا الكلام صحيح وخاطئ في نفس الوقت، فقد تمكَّن الإنسان في القرن الأخير من التوصل إلى عددٍ هائل من الابتكارات والاختراعات في جميعِ نواحي الحياة، فما توصلّ إليه في الخمسين سنة الأخيرة، يُعتبر أضعافًا مضاعفة لما تمَّ اكتشافه في الألفية الأخيرة كاملة!
نعم، لقد سهَّلت التكنولوجيا حياتنا بكثير وجعلت العالم عبارة عن غرفةٍ صغيرة تصلك فيها الأخبار بشكلٍ يومي بكبسة زر، وتتحدَّث مع من تريد بكبسة زر أيضًا، ولو كان على الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، حتى أصبحنا لا نستطيع تخيل حياتنا دون الإنترنت بصفة عامة، أو (فيسبوك) والمواقع المشابهة له بصفة خاصّة.
ولكن لو تأملت قليلًا حال المجتمع الحديث لوجدته يسير نحو الانهيار رغم كل شيء.. كيف؟
مع الثورة التكنولوجية الهائلة وانتشار وسائل الإعلام ( التلفزيون، الهاتف الذكي، الكمبيوتر المحمول، التابلت..)، اختلط الحابل بالنابل، فأصبح الكل يقلد الكل، وخاصة الضعيف في تقليده للقوي ( أقصد العرب المغفلين في تقليد الغرب) في ما يسمى بالموضة، وتم غسيل أدمغة الكثير من الحمقى من طرف الشركات الكبرى التي جعلت هذا المصطلح لتسويق المنتجات بشكلٍ دائم، فما يمضي بعضُ الوقت، إلا وتسمع عن موضةٍ جديدة أليقُ بالحيوان من الإنسان، ولكن للأسف.. تبقى موضة، حتى لو كان نصف اللّباس غير موجود، حتى لو كان نصف الفخذ يظهر، حتى لو كان باسا يرمونه في السبعينات لأنه رث وممزق، حتى لو كان كلّ شيء على الخارج!
وما تلاحظه في تطور الموضة أنه صاحباها فساد كبير، حتى صار الرجل يلبس كالمرأة، وصار تبرُّج المرأة سافرا كما في العصر البدائي بالضبط، أما بالنِّسبة للمرأة العربية فقد صار الحجاب والباس الضيِّق أكثر سفورًا من اللواتي كن يُعتبَرن متبرِّجات في السبعينات!
وهذا الانحلال الأخلاقي الذي لم تر البشرية مثله قط، ساهم في تحول الإنسان إلى قردٍ يقفز هنا وهناك في الشارع، كل همِّه الجنس، وكلّ تفكيره الجنس، وهو معذور في بعض الـأحيان حيث لا يجد أين ينظر أو أن يخفي بصره، فتجد الشاب شاردا، انهار تفكيره تمامًا، ولم تعُد لديه القدرة على استخدام عقله، فقد تشبّع بالأفكار الجنسية تمامًا، وساعده في ذلك كما قلنا آنفا وسائل الإعلام وانتشار الإباحية والمناداة بالحرية الشخصية والتميُّع، وتقليد الغرب والأفلام الهوليوودية التي تهدِم المجتمع وأخلاقه.
وقد يقول هنا قائل: انظر إلى الغرب كيف يعيش سعيدا بانحلاله الأخلاقي. فأقول له: وما أدراك!
هل تعلم أنَّ الغرب هم أكثر الدول انتحارا، ففي آخر إحصاء تصدرت روسيا، وليتوانيا وكوريا الجنوبية.. وإذا قلت لي بأنهم وجدوا حلًا للتحرش، كذلك أقول لك أنك مخطئ، فالسويد تتصدر أوروبا في التحرش الجنسي، وعلى الرغم من الحرية الجنسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن تلك الحرية الجنسية لم تمنع من تفشي الاعتداءات الجنسية فيها لدرجة كبيرة، تصل لوقوع اعتداء جنسي في أمريكا كل 98 ثانية، وقد تعرّضت واحدة من كل ست سيّدات في أمريكا إلى اغتصاب أو محاولة اغتصاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد