الممارسة الديمقراطية في ظل تكنولوجيات العصر الحديث

نعيش اليوم عصر عولمة القيم الديمقراطية، إذ ومع التطور اللامتناهي لتكنولوجيات الإعلام والاتصال تغيرت استراتجيات إدارة اللعبة السياسية لتتغير معها وسائل معارضة وتعرية الأنظمة الفاشية الجاثية على شعوبها.

عملية التزاوج بين الديمقراطية كمفهوم سياسي قائم بذاته، وبين التكنولوجيا كآلية لتعزيز القيم الديمقراطية في دُول «المرشد» الواحد والرأي الواحد، نتجت عنها إخلالات عديدة في طريقة استعمال هذا الوافد الجديد من قبل الطبقة السياسية الحاكمة والمعارضة على حد السواء.

نسلط الضوء في مقال اليوم على تطبيق إيراني جديد ظهر على الساحة، وأثار الكثير من اللغط حول حدود الخلاف السياسي وآليات المعارضة الحديثة.

عنوان مثير ورسائل مبطنة

تخيّر مبرمجو التطبيق المثير للجدل عنوانًا جالبًا ومثيرًا للانتباه «پول کجاست» بالفارسي أو «أين ذهب المال» بالعربية، في إشارة إلى الفساد المالي المستشري داخل النظام الايراني.

تقارير عديدة للرواج غير المسبوق لهذا  التطبيق  لدى الأوساط الشبابية،  لاسيما وأن الهواتف الذكية قد اكتسحت كل الفئات الاجتماعية في إيران وغيرها.

المثير للانتباه أن كل التفاصيل في اللعبة مختارة بعناية شديدة، بدءًا بالعنوان، وصولًا إلى صورة الخلفية.

تبدأ اللعبة بظهور فتاة إيرانية تدعى «ندى» تحمل سلة خاوية على عروشها عليها العلم الإيراني، وترتدي عباية حمراء وتغطي كل جسمها عدا شعرها، وخلفها أموال طائلة معدة للإرسال لدول بعينها : لبنان، العراق، سوريا، اليمن، فلسطين.

مهمة مستخدم التطبيق تتمثل في استرجاع أكبر عدد ممكن من أموال الشعب الإيراني التي يرغب نظام المالالي في إرسالها لحلفائه في المنطقة العربية، في حين تكافح نماذج كثيرة مثل ندى على أرض الواقع بجيوب خاوية من أجل لقمة العيش، في ظل ظروف اقتصادية صعب فاقمتها العقوبات الأمريكية.

من يقف وراء هذه اللعبة؟

التطبيق مازال قابلًا لمزيد من التطوير فنيًّا في الأيام القادمة، إلا انه من الحيف عده نتاج عمل هواة غير محترفين، خاصة وأن أدق التفاصيل مختارة بعناية لتحيل على رسائل مشفرة يُراد إيصالها للإيرانيين، فغالب الظن أن المعارضة هي من تقف خلف هذا المشروع.

يمكن القول إن الشعب الإيراني اليوم لم يعد قادرًا على تحمل المزيد من سياسات النظام الحالي، والذي يصب كل اهتمامه لوزنه الجيوستراتيجي ولا يرغب في خسارة حلفائه المقربين رغم أن أكثر من نصف الشعب يرزح تحت خط الفقر.

معارضة مشروعة ولكن

في ظل الغليان الشعبي الذي يخيم على الشارع الإيراني، تغدو معارضة النظام وفضح ممارساته إحدى أوجب واجبات المعارضة، إلا أن إقحام الأطفال والمراهقين في معركة سياسية ومحاولة دمغجتهم هو عمل غير مقبول إنسانيًّا وأخلاقيًّا، فهذه اللعبة وإن كانت في ظاهرها مجرد وسيلة تسلية للأطفال، فإنها في حقيقة الأمر غاصّة بالرسائل السياسية التي تتطلب حدًّا أدنى من الوعي لتقبلها واستيعابها كما يجب.

يبدو أن المعارضة الإيرانية في أمس الحاجة اليوم لإعادة النظر في استراتيجيتها، ففشل الطرق التقليدية نظرًا إلى  فاشية النظام القائم واستبداده لا تعطي أي مشروعية لاستعمال طرق ملتوية؛ فالغاية لا تبرر الوسيلة دائمًا، وكم خُسرت من قضايا مشروعة وحقيقية بسبب سوء دفاع المنافحين عنها واستعمالهم لطرق ملتوية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد