«ليست مشكلة الحياة أنها كريهة لا تطاق.. المشكلة أنها كان يمكن أن تكون أفضل بكثير».

د.أحمد خالد توفيق

Top of Form

كثيرًا ما يجمعنا نحن الشباب جلسات الضحك، والسخرية التي تمتلئ بالبذاءات حينًا، وبالحكم والعبر حينًا، ولكن يعكر صفو تلك الجلسات دائمًا عندما يصفعنا الواقع من حولنا صارخًا فينا يطالبنا بأن ننظر إليه، يريد منا أن نتوجع ونلعن تلك الدنيا والوجود المتسخ والوجوه البائسة.

يرغمنا على النظر في كل ما هو مقرف، إنه لا يحتاج في كثير من الأحيان حتى إلى أن يرغمنا على فعل ذلك، هو فقط يجعلك مستيقظًا ويضعك أمام ما حولك فعلًا، ويبطل مفعول كل مخدر تعاطيته للتو في محاضرة التنمية البشرية التي أنفقت فيها الكثير «إنها تجارة رابحة لا شك في ذلك»، وبهذا تقف عاريًا أمام دنياك التعيسة المليئة بما يكفي إلى أن يجلسك مكتئبًا لساعات في حجرتك، ساخطًا على وطنك، على أهل مدينتك، على ملوك تلك البلاد الذين أشاعوا فيها الفساد، وقتلوا ما يكفي لقيام كوكب آخر، الموتى هم عماره.

تقف فجأة عاريًا أمام الفقر، لاعنًا هؤلاء الأثرياء ذوي الطبقة المترفة، يشكون من الفقراء المتسولين الذين انتشروا أمام مراكز تسوقهم، وفي ساحات انتظار سياراتهم الفارهة، ذلك طفل لعين يقف في إشارة المرور بيديه القذرتين، يلطخ زجاج سيارة الشاب الذي لا يختلف كثيرًا عن ذلك الطفل، فكلاهما متسخ ولكن أحدهما اتسخ من داخله عندما فقد إحساسه بذلك الذي اتسخت يداه.

تقف فجأة عاريًا أمام الظلم، بأي حق يفرض عليك ككائن بشري أن يطبق عليك قانون البقاء للأقوى، لم أستوعب تلك القاعدة في غير ذلك البرنامج على ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي، فكيف أن النمر من النوع النادر والأسرع قد فتك بقطيع الجاموس، وطرح إحداها أرضًا يمزقها، يستلذ بدمائها، ينهش في لحمها الأحمر الدافئ هو وزملاؤه، ولكنهم لا يفترسون إلا عندما يجوعون، فلماذا في وطني يفترسون وهم شبعى!

في بلادنا تجدهم أصحاء البدن مترفين في كراسيهم بالقصور التي شيدوها على أنقاض حلم ذلك الشاب الذي فقد عينيه، عندما حاول السخط عليهم ليغير واقعًا كان أقوى منه، وتحول النور في عينيه إلى ظلام فبات يلعنهم ليل نهار، يبكي على وردة سقاها في قلبه فماتت عندما ركل الجندي صدره، أي جنون هذا!
«لا تصالح ولو منحوك الذهب، أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما

هل ترى؟

هي أشياء لا تشترى».

أمل دنقل

تقف فجأة عاريًا أمام حقك الذي ضاع بسبب فساد لم ترض عنه يومًا، ولا تعلم بأي حق سلبوا هؤلاء أموالك.

العلم الذي عايروك يومًا بأنهم لا يأخذون منك ثمنه في مدارسهم، وكأن تلك الأرض التي تطرح ثمرًا لم تكن يومًا أرضك، وأن ذلك الخير لم يكن في يوم من الأيام ملكك.

أنت اللقيط وهم الشرفاء، أنت ابن العاهرة بلا أب، وهم السادة أولاد السادة أصحاب الدم الملكي، أنت العبد، أنت الذي ستعمل في حقلهم تجني ثمار لم يكونوا أبدًا زارعيها.

أي منصب هذا الذي تدخله لا تملك شيئًا لتخرج منه ملكًا، تدخله مفرغ اليدين فتخرج منه محملًا بالذهب وخيرات الوطن.

أنت ذلك الشريف أما أنا فضعيف!

قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».


وماذا بعد؟!

نشتم ونلعن ونسب ونصرخ، نركل ونكسر ونبكي، ثم نسأل بعضنا نفس السؤال كل مرة!

هل سنحيا يومًا تلك الحياة التي أردنا أن نعيشها، أم ستسرقنا الحياة في أيامها وتلهينا فلا نستيقظ إلا ونحن في الستين من العمر نجد أنفسنا قد عشنا حياةً لم نخترها؟

ولكن لا نجد الإجابة؛ فنلجأ مرة أخرى إلى جلسات الضحك والسخرية والاستمتاع برائحة دخان «الشيشة» على مقاهي وطننا الحبيب.

فهي المكان الوحيد حقًّا الذي نفرض عليه سيطرتنا، ونحظى فيه بحقوقنا كاملة، فقط بكوب شاي ساخن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشباب
عرض التعليقات
تحميل المزيد