هبت رياح مدعمة بدعائم خبيثة السريرة منذ سنوات، والحق أنها لليوم لا تزال حسيرة روادها، فلم تتفرع لغيرهم إلا ما شاء الله، هى حملة الحداثة والتنوير، وبيان تلك الحملة أنها دمار وتخريب؛ تخريب لكل ما يزال يجمع هذه الأمة على كلمة سواء، ولغة واحدة، وشعور واحد، وفضيلة مفردة لا نزاع فيها، فالتراث يهاجم، واللغة ترمى، حتى يتزعزع الناس عنها، وألا يكون هناك إلى توحيدهم سبيل يرجى، ولا سبب ينال.

وأتطرق إلى حملة الحداثة والتنوير في المرأة الشرقية، وهي باختصار أن تصير غربية – بل أحط دركات المرأة الغربية – بادعاء التجديد والتطور ومسايرته؛ في أوروبا يرون الزوجة ثلاثًا؛ زوجة للعقل، وزوجة للقلب، وزوجة للنفس، حتى إذا ما نقلنا هذا النموذج بشحمه ولحمه سنقول نحن حينها: هذه زوجة للجسم لا تسمو للعقل، ولا تنفذ للقلب، ولا تمتزج بالنفس، وهى غليظة وخشنة، فيجب أن أرى غيرها، أي معها، ومما لا مراء فيه ستزداد آفاق الضباب على الدين عتمةً؛ حتى يؤول بنا الأمر في نهاية المطاف إلى إنكار الدين جملةً وتفصيلًا. وعندها فالمرأة تفعل بالمثل، وتتدهور الأخلاق والفضائل، فضلًا عما عم من تخنث في كل شيء، إن مآلات هذه الحملة أن ترد المرأة إلى الحيوانية العمياء، فيرد معها الرجل، فيعيشان سويًا في عالم الردة.

وهم أخذوا يوهمون المرأة أن الفضيلة هو ثوب يوسع ويضيق، ألا وإنه إذا تعرت المرأة من ثوبها فإنها بذلك تتعرى من فضيلتها، فيرى الرجل منها ما هو محرم على عينه وعاطفته كذلك، وهناك من ينهل ببصره كالصقر ينهل من لحم الصيد، يريدونها أن تعيش على الشاطئ مبتزةً من ثيابها، معلنةً الإغفال والطيش عن الإغراء والزلل، يريدونها أن تغرق في بحر الرذيلة، وأن تبتلعها أمواجه وتودى بها إلى ما لا يحمد عقباه، يريدونها أن تصير جسدًا تقتحمها الأعين فتزدريها، يردنها أن تعيش بمبادئ موت الفضيلة، وأن تموت بخواتيم الرذيلة، وأن تجد في المال معنى الفقر في النفس، وأن تتلقى الكرامة عن طريق الاستهزاء؛ فتفقد بذلك أنفس معانيها في ذاتها وفي سريرتها، يردنها أن تصير كل يوم في شأن، وتتنقل من حال إلى حال، وأن يتغير هدفها في إعلاء كلمة أو بناء جيل، إلى إعلاء ثوب وبناء موضة، أن تمسي كالعنزة إذا كسر أحد قرنيها، فتضع مكانه قرنا وهميًا هو الضعف والذلة والنقص، إما أن تختفي فتمسي هباءً، أو تظهر بشكل ناقص، أو هيئة مشوهة، أن تكون في نهارها بين النوم واليقظة الضبابية، وتصنع في الليل صنيع الشيطان في الهزل والرقص والسفور والخلاعة.

فعليك أختاه أن تحذري، فإذا تخليت اليوم عن حجاب فغدًا عن مبدأ، حتى تنحدري، ولا تنسىي لبرهة أن الجبال من الحصا، احذري من شعارات الأنوثة الاجتماعية الظريفة، فإنها انتهاء المرأة إلى الفضيحة، ليست الأنوثة فيك إلا لرجل واحد، محرمة على جميع الرجال، وإن خالطت الرجال متجردة؛ فالطبيعي أنها تخالط الشهوات، احذري هوسهم في طلب المساواة بالرجل، لقد تساووا في كل شيء حتى الحلاق الذي جعلوه لها فيما بعد اسم (الكوافير)، احذري يا أختاه أن تخسري طباعًا شريفةً كل الشرف أنجبت أنبياء ورسلًا مبشرين ومنذرين، ومن ورثوهم كعلماء وأئمة لا يزال التاريخ يذكرهم، أختاه إياك والتصديق أن الحجاب يحجبك لأنك دون؛ كلا والله، فحقيقة الحجاب أنه حجب بين العفة وبين الخسة، يغرونك بكلمات كالحب والزواج والمال والأنوثة والفن، وكل ذلك يشبه المحكوم عليه بالإعدام ساعة تنفيذ الحكم، فيقال له: تمنى أمنيةً، أو ماذا تريد؟

أنت الشعاع القويم المبين، أنت من نسل أشرق منه فجر النبوة والإسلام، فلا يغرنك ضوء شمعة سوف تذوب ولو بعد حين، استمري في الاتصال مع آداب ديننا العظيم، قانونك هو الطهر والعفة والوفاء والأنفة وكلها شمائل الأم، لا تعيشي الحياة بأعصاب غيرك، أو محكومةً بقانون أهوائك، بل إن أمتنا في أمس الحاجة إليك؛ فأنت مربية النشء القويم المنتظر، ولست مجرد عارضة لمنتجاتهم الخبيثة، أختاه إياك والانخداع في أكاذيبهم، فإن خدعت فليس ذاك إلا عارًا علينا.

أختاه إذا سقطت المرأة سقط الوليد فسقطت الأفكار، فسقط أصحابها، فسقط الإبداع، فسقط العلم، فالفكر، فتنهار الحضارة.. فأنت أول من تسقط، وأكثر من يفرح بسقوطك سقطتك هو الشيطان اللعين، فرح التائب بالإنابة إلى باريه، سقوطك زلزال يشق الأسرة والأمة؛ شق الأرض ومن عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد